|
الآية الواحدة والعشرون
ومن ثم، يا سيد الأرض، قال أرْجونا
إلى هْريشيكيشا (المولى كريشنا):
انتقل بعربتي وأوقفها بين الجيشين،
يا أتْشيوتا.
"سيد الأرض": من خلال هذا التعبير
يلفت سنْجايا انتباه دْهيراتارشترا على الحقيقة بأنّه يملك التأثير ليتدخّل
ويوقف الجيشين من تورطهما في الدمار. في الآية 18 خاطب سنْجايا
دْهيراتارشترا بعبارة "سيد الأرض". يشير التعبير المتكرّر بأنّه يريد جعل
دْهيراتارشترا يرى جدية الوضع – أعلنت كل من الجيشين استعدادهما للقتال،
والآن ينتقل أرْجونا إلى الطليعة. إن كلّ لحظة هي حيوية وهامّة. ويبدو أن
الدمار حتمي.
تعني كلمة "أتشيوتا" الثابت الذي لا يتحرك. يدعو أرْجونا المولى كريشنا "أتشيوتا".
فهو يريد أن من الثابتين أن يبدءوا بالتحرّك من أجله! وتعني 'أتشيوتا' أيضا
الذي لم يسبق أن وقع من قبل. وبذلك يريد أرْجونا أن يقترح على المولى
كريشنا بأنّه لن يجعله يفشل أبداً.
يطلب أرْجونا وضع العربة بين الجيشين، لكي يكون هو والمولى كريشنا هناك.
وبوضع المولى كريشنا في وسط الطريق، يرغب أرْجونا في تقديم صورة على شاشة
الوقت – الكينونة المطلقة حاضرة بين القوى المتنافرة – صورة تظهر
الميكانيكية الداخلية للطبيعة التي ستوضّح أسس الحياة وتوضّح المبادئ
الأساسية للحرب والسلم للأجيال القادمة.
يمثّل المولى كريشنا الكينونة المطلق، التي هي حقل الدهارما والتي،
وببقائها بين القوى السلبية والإيجابية في الطبيعة، وتوازنها. وبالرغم من
أنها تبقى محايدة. فهي تدعم الاستقامة دائماً. وبالرغم من أن المولى كريشنا
محايداً، فهو مع أرْجونا، الذي يتمتّع بدعمه.
في الآية التالي يوضّح أرْجونا لماذا يتمنّى بنفسه أن يوضع بين الجيشين.
الآية الثانية والعشرون
لكي أستطيع أن أرى هؤلاء الواقفون
هنا والمتشوقون للمعركة، وأتعرّف
على من سأحاربهم في آتون هذه الحرب.
تكمن المهارة في المعركة أولاً في تحديد موقع النقاط الإستراتيجية لخطّ
العدو.
كانت قوّة أرْجونا في التركيز عظيمة جداً بحيث إذا حدّد مكان مواقع زعماء
العدو فتطير أسهمه بشكل مباشرة إليهم.
"متشوقون للمعركة" تظهر أنّ أرْجونا يريد أن يختار بعناية أولئك المتشوقون
للمعركة فقط. فهو لا يهتمّ بأولئك الذين غير متلهّفين للقتال. هذا ما يصوّر
شجاعة أرْجونا وثقته بنّفسه؛ ويظهر استعداده للمعركة أيضاً.
الآية الثالثة والعشرون
دعني أنظر إلى أولئك المتجمعون هنا،
المتهيئون للقتال، والمتشوقون ليحقّقوا
في المعركة رغبة الشرّير ابن
دْهْريتاراشْتْرا.
تظهر نبرة هذه الآية قوّة امتعاض أرْجونا ضدّ الشرّ الذي يرغم مؤيدين
دوريودهانا في تحقيقه بالقتال. إنّ الاحتقار هو كبير جداً بحيث أن أرْجونا
لا ينطق اسم دوريودهانا – وبتسمية أبّيه دْهيراتارشترا، فهو يجلب له العار
أيضاً.
إن أرْجونا متأكّد من موقعه، ومتأكّد بأنه يأخذ الموقف ليخلّص الحق ويقاوم
فسادا. فهو لا يفكّر بأنّ كلّ أولئك المتجمّعون في الجيش المعادي هم أشرار
في أنفسهم، لكنّهم يؤيدون الشرّ.
في الآية الواحدة والعشرون خاطب سنْجايا دْهيراتارشترا بلقب "سيد الأرض"،
وبالرغم من ذلك يروي هنا عن تلميح أرْجونا بأنّ دْهيراتارشترا قد لحقه
العار من جراء أعمال ولده. هذا ما يظهر بأنّه كونه أبّ لابن شرير، يكون
دْهيراتارشترا في النهاية المسؤول عن الدمار الذي يهدّد المجتمع بكامله.
عندما تهدد الكارما (العمل) الجماعية بالدمار الوطني، تكون خلف نطاق قوّة
الفرد لتدقيق بها؛ ويكون ذالك حقيقي أكثر عندما توصل إلى الحدّ النهائي
وتوشك أن ينفجر بالكوارث. لذلك، من الحكمة للبشر في كلّ جيل أن يكونوا
حذرون وأن لا يتحمّلوا زيادة أعمال السوء في بيئتهم، بل عليهم إزالته من
جذوره، لأن التأثير المتراكم لهذه الأخطاء الصغيرة التي يقترفها الأفراد في
مجالات نشاطاتهم الصغيرة الخاصة هي التي تنتج التوتّرات الوطنية والدولية
وتؤدّي إلى الكوارث.
هناك طريقة في التأمل التجاوزي، علّمها المولى كريشنا، لكي يتم ممارستها من
قبل كلّ فرد يومياً من أجل تغلغل الوعي القدسي التجاوزي في عقله الخاص،
وبالتالي قد يصبح الإنسان بشكل طبيعي متحرراً من الميول الخاطئة وقد يصبح
مصدراً للتأثير الحسنة في كلّ مجالات الحياة.
لو كان دْهيراتارشترا، كونه الملك، قد علّم أبنائه في فنّ التجاوز وكسب
الوعي القدسيّ، لما كانت العائلة المالكة للكورافا مسببة لهذه الحرب
الكبرى، التي جلبت كارثة إلى حضارة ذلك الزامن.
هذه هي الرسالة التي يجب أن تحترم في كلّ جيل. إنها موجهة إلى حكام العالم
وإلى أولئك الذين يعتنون بالحياة العامّة، الذي يحملون سعادة البشرية في
قلوبهم، لتنظيم التعليم بطريقة بحيث يكون لكلّ شخص الفرصة في تعلّم كيفية
صقل الوعي القدسي. لا يجب السمح لأي جيل بأن يترك ورائه أي تأثير سيئ تحصد
نتائجه المتراكمة الأجيال القادمة.
الآية الرابعة والعشرون
قال سنْجايا:
يا بهاراتا، وتلبيةً لمطلب غوداكيشا
(أرْجونا)، قاد هْريشيكيشا (كْريشْنا)
العربة الرائعة وأوقفها بين الجيشين.
يروي سنْجايا إلى دْهيراتارشترا ما الذي يحدث على ساحة المعركة. يخاطبه هنا
بمناداته "بهاراتا"، سليل الملك العظيم لبهاراتا – الهند الكبرى.
اقتيدا أرْجونا، بطل المهابهاراتا، إلى ما بين الجيشين للرؤية من عليه أن
يقاتل. يستعمل سنْجايا هنا الاسم غوداكيشا للإشارة إليه. فهذا الاسم هو
ليرمز إلى صفة أساسية عند أرْجونا كلمة غوداكيشا تعني سيد النوم، الشخص
الذي يسيطر على النوم، وعلى خمول العقل. وهكذا يظهر أحدية التوجه لعقل
أرْجونا. وكونه رامي النبال الذي لا يخطئ، يملك أرْجونا عقلاً متقد
بالكامل؛ يستعمل سنْجايا كلمة غوداكيشا ليصوّر الصفة ونوعية البطل.
هذه هي مهارة فياسا القصصية؛ فهو يستعمل العبارات الدقيقة والمختصرة
بالامتلاء الكبير للمعنى ليروي القصّة. إنها يحتاج فقط إلى عقل يفهمها لكي
يتمتّع بكتاباته ويشتقّ منهم أقصى ما يمكن.
استعمل فياسا الصفة "رائعة" لوصف عربة أرْجونا. هذه الكلمة، التي تقرأ في
نصّ السنسيكريتي "أوتّامام" تحمل في طياتها عالم المجد. إنها تشير إلى
الروعة والراحة والاستقرار والخفّة والقوّة؛ وفي الحقيقة، كلّ مواصفات
العربة المصمّمة لمواجهة أعنف عدو يمكن أن يوجد. كذلك، إن العربة رائعة
ليست فقط لمواصفاتها ولكن أيضاً لقائدها وللبطل الذي يركبها. هْريشيكيشا،
سيد الحواس، هو قائد العربة و غوداكيشا، قاهر النوم، هو البطل.
الآية الخامسة والعشرون
وأمام بْهيشْما ودْرونا وكل حكام
الأرض، قال المولى كْريشْنا:
يا بارتها (أرْجونا)! أنظر هؤلاء
الكورو المجتمعون معاً.
رأى المولى كريشنا بأنّ أرْجونا قد
غضب. والغضب هو عدو كبير؛ ويخفّض من قوّة الشخص. وقائد عربة أرْجونا لا
يحبّ رؤية تضاءل قوّته. فالمطلوب من المولى كريشنا أن يفعل شيئاً لإعادة
أرْجونا إلى قوامه الطبيعي. لكن هذا الأمر وحده سوف لن يكفي؛ هناك شيء آخر
ضروري كي يجعل أرْجونا قوي جداً. يشير الغضب فيه بأنّه ليس قوي جداً، لأن
الغضب هو إشارة الضعف. يعرف المولى كريشنا بأنّ أرْجونا، وبالرغم من أنه
رامي النبال الأعظم من زمانه، لم يعطى له السرّ الحقيقي للحرب. لقد تعلّم
فنّ الرماية، لكنّه لم يتدرّب على ضرب نباله والبقاء ثابتاً في نفسه. إذا
ضرب النبال وهو في حالة الغاضب، سيجعله غضبه ضعيفاً.
ناد أرْجونا المولى كريشنا "أتشيوتا"، التي تعني الثابت وغير المتحرك. هذا
ما يجب أن يعلّمه المولى كريشنا إلى أرْجونا لكي يكون كذلك. لكن الحكمة لا
يمكن أن تعطى إلى إنسان ما لم يطلبها ويظهر استعداده لتلقنها. لذلك من
الضروري للمولى كريشنا أن يثير في أرْجونا، الحاجة والرغبة للتعلّم. كان
يمكن أن يؤدي به للإحباط إذا أبلغ أرْجونا، في ساحة المعركة، أنه يحتاج إلى
معرفة فنّ الثبات والصلابة. فكان لا بدّ أن يعرف هو بنفسه ذلك؛ فقط عندئذ
يمكن للمولى كريشنا أن يساعده. لإعطاء النتيجة المطلوبة في أرْجونا، يتكلّم
المولى جملة قصيرة واحدة:
يا بارتها! أنظر هؤلاء الكورو المجتمعون معاً. هذا هو أول ما نطق به لمولى
كريشنا في البهاغافاد غيتا، الكلمة الأولى للنصيحة إلى أرْجونا في ساحة
المعركة.
إنّ المعجزة التي نتجت عنها في أرْجونا ضاعت عملياً لقرون كثيرة عن انتباه
كلّ المفسرين، وبالنتيجة تم تصوير أرْجونا كأنه شخص مريض مشوّش عقلياً. أما
الدراسة المتعمقة لتفسير الآيات التالية فستكشف الطبيعة الحقيقية لحالة
أرْجونا.
يخاطب المولى كريشنا أرْجونا باسم بارتا، ابن بريتا. بهذا التعبير يذكّر
أرْجونا بأمّه وبذلك يخلق موجة دافئة من الحبّ في قلبه، دفء الحبّ الذي
يوصل الابن والأمّ. إنه هذا الرابط اللطيف من الحب هو الذي يتطوّر في كلّ
العلاقات العائلية والاجتماعية، والذي يحافظ على العائلة والمجتمع والوطن
والعالم.
بعد أن خلق هذه الموجة من الحبّ في قلب أرْجونا، رغب المولى كريشنا في
تقويتها؛ ولذلك يقول: "أنظر هؤلاء الكورو المجتمعون معاً". هذا ما يسرّع
كلّ الطرق إلى القلب، حيث تلتقي العلاقات المختلفة بأطياف مختلفة من الحبّ.
وبرؤية كلّ الأشخاص الأعزاء "معاً" بلمحة بصر واحدة، امتلئ قلبه بالكامل
بالحبّ.
|