|
الآية السادسة والعشرون
رأى ابن بْريتا (أرْجونا) هناك أمامه
أعمامه وأجداده، والمعلمون وأخواله
وإخوة وأبناء وأحفاده والعديد
من الأصدقاء أيضاً.
تشير عبارة "رأى ابن بْريتا" بأنّه عندما حدّق أرجون بالجيش المعادي تلوّنت
رؤيته بالحبّ وليس بالعدائية أو الشجاعة. وبرؤيته بنظرة "الهالك للأعداء"،
لكان هذا ما قد يدعى.
يشير هذا إلى قوّة السيطرة التي يمتلكها المولى كريشنا. بقوله، "انظر يا
بارتها"، جعل أرْجونا كأنه الابن أمام أمّه، ممتلئ بالحبّ والوقار.
الآية السابعة والعشرون
وآباء الزوجات والمؤيدين أيضاً
في كِلا الطرفين. عندما رأى
ابن كونتي (أرْجونا)، جموع
هؤلاء الأقارب الحاضرين،
يقف أرجونا لينظر أخصامه لكنّه يخفق في رؤية أخصام؛ وبدلا من ذلك يرى
الأشخاص الذين يعزهم. هذه لأن رؤيته قد تلوّنت بالحبّ عندما ناداه المولى
كريشنا بارتا. وبهذه انقلب المشهد بالكاملة انقلاباً حرجاً. اتخذ أرْجونا،
الذي كان على وشك أن يدخل معركة، بالشفقة، كما تظهر الآيات التالية.
الآية الثامنة والعشرون
ممتلكاً بأقصى درجات الحنو،
تكلم بحزن عميق: برؤية أقاربي
هؤلاء، يا كْريشْنا، متجمعون
ومتشوقون للقتال،
تقدّم هذا الآية أساس المشاكل التي سيضعها أرْجونا أمام المولى كريشنا.
يعبّر عن أفكاره جهورياً إلى المولى كريشنا، القريب منه في متناول اليد.
يفكر الشخص جهورياً مع الشخص القريب إلى قلبه وعقله والحكيم بما فيه
الكفاية ليعزز الفكرة. إن المولى كريشنا هو كذلك بالنسبة إلى أرجونا. يمكنه
أن يشاركه أفكاره ومشاعره ويفكر بشكل حميم معه.
تشير هاتان العبارتان "ممتلكاً بأقصى درجات الحنو" و "أقاربي" إلى المبدأ
الأساسي "للحزن". إنه يولد من حالة الفرد وعلاقته مع الآخرين.
لا تصوّر هذه الآية حالة أرْجونا فقط بل تكشف المبدأ الأساسي للمعاناة في
المجتمع البشري ويبحث عن حلّ له.
الحنو أو الشفقة هي صفة بين الصفات الأكثر تمجيداً للقلب. و"أقصى درجات
الحنو" تظهر امتلاء القلب. لكن عندما تعزل عن صفات العقل، لن يستطيع القلب
بحد ذاته أن يكون فعّال في العمل المساند للحياة. حتى الصفات الحسنة للقلب
أو العقل تخفق في تأييد الحياة بغياب التنسيق بينهما. تعلن هذا الآية أن
"أقصى درجات الحنو" هي مصدر كلّ المشاكل التي يواجهها أرْجونا، الإنسان
أكثر اتزانا وصاحب الميزة النبيلة.
إنّ الحديث الكامل للمولى كريشنا في البهاغافاد غيتا هو مصمّم لإعطاء حكمة
الحياة وتقنية المعيشة التي تمكّن الإنسان كي عيش كلّ الصفات الحسنة في
الحياة بالتنسيق الكامل بين القلب والعقل. بهذه الحكمة وهذه التقنية، يرتفع
الفرد إلى مستوى عالي من الوعي حيث يكسب الطمأنينة الأبديّة في داخل نفسه.
ويعيش حياة في الاكتمال، مفيدة لنفسه وللمجتمع. تدعم مثل هذه الحياة
الطبيعة المحيطة؛ فيصبح الكل منسجماً، ما يؤدّي إلى علاقات مثالية مع
الآخرين.
ها هو مجد البهاغافاد غيتا – إنها يسجّل إلى الأبد ولاستعمال كلّ البشر،
حكمة الحياة وتقنية المعيشة. لكي يمكن لكلّ شخص أن يعيش حياة خالية من
المعاناة، إنها تختار الشخصية الأكثر نبلاً، أرْجونا، الذي يقود الحياة
الأكثر توازناً، وتضع تلك الحياة بالكامل تحت تأثير الصفات الأكثر اعتزازاً
للقلب والعقل. على هذا المستوى العالي للمجد والنعمة، حيث يكون القلب
والعقل في أفضل حال، تحدّد مكان السبب الرئيسي لكلّ المعاناة في نقطة بين
القلب والعقل. إنّ القلب ممتلئ بالشعور، ومشبع بالحبّ، والعقل يقظ جداً،
ممتلئ بحس الاستقامة ونداء الواجب. كليهما في منزلتهما الرفيعة الكاملة. لا
يمكن للمعاناة أن تمسّ أيّ منهما إذا أخذا منفصلان، لكن وكما تقول
الأوبانيشاد؛ "دْفيتييا فَيّ بْهايم بْهافاتي: بالتأكيد يولد الخوف من
الثنائية". حينما وحيثما يوجد هناك الحس بالثنائية، يمكن للخوف أو المعاناة
أن يتواجدا.
في داخل الإنسان يوجد العقل ويوجد القلب. وهما، بوجودهما الأكيد، كاثنين،
يحملان إمكانية المعاناة. عندما يكونا متّحدان، عندما يوجد الانسجام بين
القلب والعقل الممتلئة بالاستقامة والإلهام النبيل، لا تستطيع المعاناة في
الظهور. لكن عندما يكون هناك نقص في التنسيق أو نزاع بينهما، تنتج المعاناة
تلقائياً. ولد "حزن" أرْجونا من الاختلاف الأساسي بين القلب والعقل.
تصف الكتب المقدّسة الدينية نمط التصرّف لإنقاذ الإنسان من الوقوع في الخطأ
والمعاناة. فهي تحث الإنسان عل فعل الخير ورفض الشرّ.
البهاغافاد غيتا، الكتاب المقدّس للدين الأبدي للإدراك، في تشخيصها
للمعاناة لا ترضى برفض الشرّ أو بقبول الفضيلة وحدها؛ بل تجد بأن المعاناة
يمكن أن تنتج حتى عن صفتين حسنتين. لأنه لا يكفي للحياة كي تكون خالية من
المعاناة، أن يكون القلب والعقل خاليان من شوائب الخطيئة وثابتان في
الاستقامة.
تتعهّد البهاغافاد غيتا بحلّ مشكلة المعاناة بالكامل. فهي تحدّد مكان السبب
الأساسي للمعاناة ويؤمن الوسيلة لإزالتها. توجد بذرة المعاناة في الحياة في
الثنائية المتأصّلة في الاختلاف المميز بين صفات القلب والعقل. لذلك، تأخذ
البهاغافاد غيتا أرْجونا، الذي هو أكثر نبلاً وبلا خطيئة وأكثر تطوراً في
كلّ من القلب والعقل، وتضعه في البيئة التي تزيد في تحفيز قلبه وعقله. في
حين يستمرّ كلاهما في النمو بنشاط أكثر في مجالاتهما الخاصة، يصبح الاختلاف
الأساسي في بنيتهما أكبر. وعندما يكون القلب والعقل كلاهما في أفضل حال،
ويكن كلّ واحد منهما ممتلئ بذاته ولا يهتمّ بالآخر؛ فلا يتركا أي تواصل
بينهما. يصبح القلب، المشبع بالكامل بالحبّ، مكتفياً بشكل طبيعي بذاته
ويغفل عن قرارات العقل. على النمط ذاته، يصبح العقل غافل عن بكاء القلب.
عندما يكونا منفصلان يكون كلّ واحد في حالة من الاكتمال. لكن وبسبب عدم
وجود اتصال بينهما، يتوقّفا في المساهمة في نشاط الحياة. لهذا السبب وقع
أرْجونا في حالة من التعليق من دون نشاط.
يبدأ النشاط بتدفق الرغبة. عندما يشعر القلب بفقدان شيء ما ويردّ العقل
عليه، أو عندما يحسّ العقل بنقص في تجاوب القلب، ينشأ سيل من الرغبات من
بينهما ويتدفّق نحو الغرض المنظور، يشغل القدرات المختلفة للقلب والعقل
والجسم الإضافة إلى المادّة المتوفرة في البيئة المحيطة. هذا ما يوضح بأنّ
الاتصال بين القلب والعقل يجب أن يتواجدا كي تظهر الرغبة. وإذا كان تدفق
الرغبة في اتّجاه التيار الطبيعي للتطور، فتكون مدعومة أكثر بالتأثير الخفي
للطبيعة وستجد الاكتمال.
إن أرْجونا هو في حالة حيث يكون العقل والقلب على مستوى عالي في امتلاء
صفاتهما الخاصة من دون أي رابط بينهما. في امتلاء القلب والعقل، حيث يكون
كل منهما مطمئناً بذاته، لا يشعران بفقدان أيّ شيء، ولهذا السبب لا يسع
للرغبة في الظهور. يترك غياب الرغبة أرْجونا في حالة من التعليق التي فيها
تفقد الشخصية الكاملة بنيتها الديناميكية وتواجه مشاكل تبدو أنها لا تقهر،
كلما ظهرت الحاجة للعمل في أيّ مجال في الحياة.
هكذا تصوّر البهاغافاد غيتا الحالة التي يمكن أن الحياة يمكن فيها مليئة
بالمشاكل، حتى وإن كانت ثابتة في اكتمال القلب والعقل. وبحلّ مثل هذا
الحالة القصوى، تكشف الحكمة والتقنية لعيش الحياة من دون معاناة في أي
مستوى. أنها تثبت بأنّ الحياة يجب أن تكون من دون المعاناة. لا يجب أن
يعاني أي فرد أبدا في الحياة: هذه هي تعاليم البهاغافاد غيتا.
الثنائية هي السبب الأساسي للمعاناة. لكن عندما يكون الحقل الكامل للحياة
ثنائياً في الطبيعة، كيف يمكن للحياة أن تكون خالية من المعاناة؟ كانت هذه
المسالة دائماً مشكلة خطيرة لعلم الماورائيات وفي الحقيقة للحياة العملية
أيضاً. يكمن الحلّ في أن يتغلغل إلى حقل الثنائية عنصر غير ثنائي الذي
يبارك حياة الإنسان مع بمنزلة غير متأثّرة بالمعاناة، حتى وإن بقي في الحقل
الذي يكون فيه المعاناة ممكنة. هذا ما سندركه مع تقدم الحديث.
يبدأ أرْجونا بوضع مشاكله أمام المولى كريشنا.
الآية التاسعة والعشرون
تضمحل أطرافي، ويجف فمي، ويرتجف جسدي، ويقف شعر بدني؛
تكمن القوّة العظيمة للمحاربين
البارزين في اهتمامهم بأتباعهم، هذا الاهتمام وضعهم في منزلة المنقذين
لمجتمعاتهم. كان أرْجونا ممتلئ باهتمامه بالآخرين الأمر الذي مكّنه في قبول
التحدي في زمانه عندما هدّدهم الشرّ. لأن هذا الاهتمام بالآخرين شكّل قاعدة
قبوله للمعركة، لا يكون مفاجئاً أن تغمر قوّة الحبّ قلبه وتجلب له
الاكتمال. في هذه الحالة من الطمأنينة الذاتية يصبح القلب غافلاً عن حاجة
العقل - نداء الواجب. يقع أرْجونا بين قوّة الحبّ ونداء الواجب. ويجد أنه
لا يستطيع تلبية أي منهما.
إنّ نداء الاستقامة وفيض الحبّ يرتفعان في القلب – كلاهما غاليان إليه لأن
الحياة، كما يفهمها، هي كلّها حبّ الاستقامة.
لكن وكما هو موضوع الآن، عالقاً بين القلب والعقل، فهو غير قادر على أن
يلتزم بالنشاط. حتى إذا، بمعجزة ما، حاول البدء بالنشاط، فهو سيواجه بحالة
فظيعة. إذا تبع نداء الاستقامة، يجب عليه أن يثور ضدّ الحبّ ويقتل كلّ
أعزائه المجمعين في المعركة. وإذا تبع نداء الحبّ، يجب أن يضحّي بقضية
الاستقامة ويتنازل للشرّ. من وجهة النظر هذه، نجد أن أرْجونا منقسم بين
القوتين اللتين كانتا حتى الآن المكوّنتين الأساسيتين من حياته. فهو يقف
مثل الطفل الذي تناديه أمه بالحبّ وفي الوقت ذاته يستدعيه أبّيه من الجانب
الآخر. إذا ذهب بأحد الاتجاهين، يشده الأخر. فهو يتأرجح بين الاثنين. لهذا
السبب يبدأ بالشعور بالاهتزاز في الجسم والعقل.
عندما يكون الفرد مستغرقاً بعمق في التفكير، لا يبقى الانتباه خارجاً على
مستوى الحواس، ويصبح التنسيق بين الجسم والعقل ضعيفاً. وفي هذا الوقت، إذا
لم يكن القلب مدعوماً من قبل العقل، سيضعف التنسيق أكثر. وإذا تمادى هذا
الوضع، لا يعمل الجسم بشكل صحيح. لهذا السبب شعر أرْجونا أن أطرافه تضمحل
وفمّه يعطش، وجسمه يرتجف. تشير حالته الطبيعية بأنّ قوّة الحبّ تسيطر على
أرْجونا وتتحدّى نداء الواجب بجعل جسمه يفقد التوازن. إنّ نتائج الارتفاع
المتزايد لهذه القوّة من الحبّ هي موصوفة في الآيات التالية.
الآية الثلاثون
وينزلق الكانْديفا (القوس) من يدي،
وحتى جلدي يشتعل كله؛
أنا لا أقوى
على الوقوف ويبدو
أن عقلي مصاب بدوار.
"ينزلق الكانْديفا من
يدّي": كانت قبضة أرْجونا السريعة على الكانْديفا ردّ على نداء الاستقامة.
كان عقل مسيطراً بالكامل بنداء الواجب، وكان هذا ما جعله يحمل الكانْديفا
مسرعاً. لكن الآن، وبعد موجة الحبّ التي خلقها فيه المولى كريشنا، ملأت
قوّة الحبّ قلبه، وفي امتلائها تساوي قوّة العقل. إنهما يوازيان أحدها
الآخر، ولذلك لم تبقى قوّة العقل مهيمنة. وهكذا، أصبحة قبضته رخوة، وانزلق
الكانْديفا من يدّه. لم يسبق أن انزلق القوس من يدّ أرْجونا. إن موجة الحبّ
هي التي تسبّب بهذه الحدث.
"جلدي يشتعل": كان
أرْجونا مغموراً بقوّة الحبّ. إنّ دفء الحبّ يسكّن ويريّح. وماذا إذاً
يحروق جلده؟ رأينا بأنّ قوّة الدهرما تؤيّد الوجود والتطور. طالما يكون
الحبّ على مستوى الدهرما أو على طريق الاستقامة، فهو يساعد التطور ويساند
الحياة ويسكّنها ويريّحها. لكن عندما تقف القوّة البريئة للحبّ من دون أن
تساند طريق الاستقامة، تكون متأثّرة بالقوى السلبية وتصبح وسيلة للدمار
والبؤس والمعاناة. وبتفكيره إنّه يمكن أن يتجنّب القتال، يتخلى أرْجونا عن
سبب الاستقامة، ولذلك يشعر أن جلده يشتعل بدفء الحبّ.
"لا أقوى على الوقوف":
يجعل الحبّ بقوّة الاستقامة الإنسان قوياً، لكن من دونها تتركه ضعيفاً.
يتغلّب الحبّ على أرْجونا، الذي يهدّد بإسقاط قضية الاستقامة. لذلك من غير
المفاجئ أن يشعر بالضعف، "لا أقوى على الوقوف".
"يبدو أن عقلي مصاب
بدوار": تتغلب صفات القلب على أرْجونا. لكن عقل أرْجونا قوي. له الصفات
الأساسية للإنسان الشجاع. حتى عندما يكون قلبه مغموراً بقوة الحبّ، يبقى
عقله نشيطاً ويقظاً. يخرج العقل اليقظ قوة عظيمة لتغيير مجرى القلب. أنها
وكأن عربة حياة أرْجونا قد تم قيادتها بسرعة كبيرة على طريق الحبّ، و هناك
جاءت القوة العظيمة لتعكس الاتجاه. هذه المحاولة في عكس تدفق مجرى الحياة
تنتج الانطباع بأن عقله مصاب بدوار.
|