|
الآية الأولى
قال سَنْجايا:
إليه وبانهزامه بالشفقة، وممتلئ بالحزن،
وعيناه كئيبة ومليئة بالدموع، تكلّم
مدْهوسودانا
(المولى كريشنا)
هذه الكلمات:
'مدْهوسودانا': قاتل الشيطان مدْهو. يشير استعمال هذه الكلمة بأنّ قوّة
هائلة ترتفع لتضع حدّ نهائي لحالة أرْجونا المشّلولة في التعليق.
حتى العقل اليقظ والذكي جداً مثل عقل أرْجونا أصبح ممسوكاً بحالة لا يمكن
السيطرة عليها. لا يمكن لقلبه أن يتوافق مع عقله – بين حبّه لأقربائه ونداء
الواجب لتحطيم الشرّ. على المستوى العملي، يشبه ذلك البقاء في الظلام وفي
النور في الوقت نفسه. وضع أرْجونا لنفسه مهمّة مستحيلة ما لم يبلغ حالة من
الوعي تبرّر له أيّ عمل وتسمح له حتى بالقتل للحبّ، من أجل مساندة غاية
التطور.
لم يستطع أرْجونا أن يطابق بين القتل والحبّ. إن هذا لا يشكّل ضعفاً من
ناحيته ولا ينقص عظمته. إن أيّ إنسان في مثل هذا التطوّير العالي يصل إلى
هذه الحالة من التعليق بين القلب والعقل.
كان أرْجونا رجلاً ذات طبيعة ديناميكية. وكان قلبه ممتلئاً بالحبّ، ورغم
ذلك لم يستطع في هذا الوقت أن يحبّ أعزائه. كان عقله واضحاً ويقظاً ومصمماً
على غايته. رغم ذلك لم يستطع في هذا الوقت أن يتصرّف بناء لما يمليه عليه.
ممسوكاً بالتعليق كما كان، لم يستطع أن يحارب ويرضي عقله، ولم يتمكن أن
يحبّ أعزائه ويرضي قلبه. لهذا السبب كان "ممتلئاً بالحزن".
لم يكن أرْجونا مربكاً، كما يصوّروه المفسرون عموماً. قلبه وعقله كانا في
ذروة اليقظة، لكنّهما لم يستطيعا أن يظهروا له خطّ العمل لاكتمال
تطلّعاتهما المتناقضة. حتى هذا لم يجعل أرْجونا فاقداً لتوازنه، لهذا يقول
سنْجايا: "عيناه كئيبة ومليئة بالدموع" لو كان فاقداً للتوازن، لكان يمكن
أن تكون عيناه خالية من أي تعبير. لكنّهما كانتا فيهما الحياة: يبدو عليهما
الكآبة، ويعبّران عن القلب من خلال الدموع. إن "الكآبة" التي تبدو في عينيه
تعطي تعبيراً لقلقه العظيم، وهذا يظهر اليقظة العقلية.
إنّ تسلسل العبارات المستعملة في هذه الآية هي ذات أهمية عظيمة في الوصول
إلى حقيقة حالة أرْجونا. في عبارة "بانهزامه بالشفقة" يظهر أنّ قلبه مملوء
بالشفقة لوحدها. والعبارة التي تتليها "ممتلئ بالحزن". إذا كان القلب ممتلئ
بالشفقة، وليس فيه مكان للعاطفة لمثل هذه النوعية المتباينة كالحزن، يوضح
ذلك بأنّ العبارة "ممتلئ بالحزن" لا تشير إلى قلب أرْجونا. إنها لا تصف
المشاعر، بل تصف حالة العقل فقط.
هكذا كان قلب أرْجونا ممتلئ بالشفقة وعقله ممتلئ بالحزن. لا يجب أن يساء
فهم حالته بأنها تشير إلى الضعف أو الإرباك. تظهر هذه الآية أرْجونا في
قوامه الكامل، في ذروة ذكاءه وحسّاسيته ويقظته، وفي نفس الوقت من دون أيّ
خطّ عمل للإتّباع.
هذا الحالة من التعليق لها قيمتها، لأنها تعطي الأساس الحقيقي للذكاء
القدسي. في الوهلة الأولى تبدو نتيجة للظروف، لكنّها في الحقيقة ناتجة عن
الكلمة الأولى للمولى كريشنا في ساحة المعركة. إن النقاوة في حياة أرْجونا،
وباستلامه لموجة من الحبّ من المولى كريشنا، تطوّرت إلى حالة من التعليق
وهيّأت الأرضية لبزوغ الحكمة القدسية.
ها هي صورة الإنسان من بين البشر الذي سيستلم الحكمة القدسية الأعظم
المكشفة أبدا للإنسان. ولكي نجد أرْجونا الحقيقي الذي ستحل البركة عليه،
يجب أن ننظر إلى ما بعد ظهور الدموع والكآبة. تخدم التركيبة الخارجية
للدموع والكآبة في حماية المجد الداخلي للوعي في حالة التعليق. إنها مثل
القشرة المرّة للبرتقالة التي تحتوي على العصير الحلوّ في داخلها. إن
المرحلة الاستثنائية الظاهرة للعالم هي ليست جذّاب جداً، لكن في داخلها
يوجد مذبح الله الذي بنوره تستمرّ حياتنا.
سوف لن يسمح المولى كريشنا حتى للناحية الخارجية لحياة أرْجونا كي تظهر
"ممتلئ بالحزن". سوف يحسّن المظهر أيضاً. وبذلك المنظور يصدم أرْجونا عندما
يبدأ بالكلام.
الآية الثانية
قال المولى المبارك:
من أين يأتي هذا العيب، الغريب عن
الرجال الشرفاء، المسبب للخزي
والمعارض للسماء، ويقع عليك،
يا أرْجونا، في هذه الساعة
غير الملائمة؟
لا تحلّ المشاكل على مستوى المشاكل. إن تحليل المشكلة لإيجاد حلّ لها هو
مثل المحاولة لإعادة الطراوة إلى ورقة الشجرة بمعالجة الورقة بنفسها، في
حين يكمن الحلّ في سقاية الجذور.
رفع أرْجونا، في الآيات الواحد وعشرون السابقة، بشكل أساسي، كلّ المشاكل
التي قد تواجه أيّ حياة في أي وقت كان. عندما يبدأ المولى بالإجابة، فهو لا
يكرّس أي لحظة إلى حجج أرْجونا. إنه يرفض كلّ ما قاله أرْجونا من دون
تحليله، لأنه وبتحليل كلّ تصريح، لن يكون ممكناً حلّ الوضع.
تنشأ مشاكل الحياة كلّها من نوع من الضعف في العقل. إن كلّ ضعف للعقل هو
بسبب جهل عقل لطبيعته الأساسية الخاصة، التي هي كونية وهي مصدر الطاقة
اللانهائية والذكاء. هذا جهل لذات الفرد الخاصة هو أساس كلّ المشاكل
والآلام والعيوب في الحياة. من أجل استئصال أيّ مشكلة في حياة من الضروري
فقط التخلص من الجهل، والتمسك بالمعرفة.
من أجل إدخال أي فرد في المعرفة، من الضروري أولاً وضعه في حالة عقلية حيث
يكون مستعداً أن يسمع. وفي كون أرْجونا في حالة من التعليق، قال المولى
إليه شيئاً قد يهزّ عقله ويجعله قادراً على السمع والفهم.
في هذه الآية، يقيّم المولى حالة أرْجونا بالكلمات التي تقترح لها الحل.
تظهر الكلمة الأولى التي تفوه بها المولى كريشنا في هذا الحديث الفلسفة
الكاملة للحياة، الفيدانتا بشموليتها: عالم الأشكال والظواهر في طبيعتها
المتغيّرة باستمرار، والحقيقة المطلقة التي لا تتغيّر ذات الطبيعة
التجاوزية، كليهما كاملان – "بورنامادا بورناميدام". من أين يأتي هذا العيب
من الجهل، الذي يسبب الحزن؟ ومرة أخرى، وبما أن الحاضر يتكوّن من
"الممتلئين" لا ينتمي العيب إلى أيّ وقت في الحاضر؛ لهذا السبب إنه "غير
ملائم" في أية "ساعة".
قدّم أرْجونا مشاكله في الآيات 28 إلى 46 من الفصل الأول؛ أما كيف يرى
المولى كريشنا الحالة ويرفضها فهو يفسر بوضوح عبارات هذه الآية.
تشير كلمة "من أين" إلى عدم وجود المبرر للمجادلة بكاملها. هذه الكلمة
توازي الآية 28 التي يعطي الأساس لحجّة أرْجونا.
تشير كلمة "العيب" إلى محتوى الآيات 29 إلى 31.
تعبّر العبارة "الغريب عن الرجال الشرفاء" عن طبيعة الآيات 32 إلى 35.
تشير العبارة "المسبب للخزي" إلى الآيات 36 إلى 39.
وتشير العبارة المعارض للسماء" إلى الآيات 40 إلى 46.
يوضّح المولى إلى أرْجونا: "من أين يأتي هذا العيب. . . ويقع عليك؟ فهو
يتكلّم بالمفاجأة ويستعمل الكلمة "عيب" لتلخيص حالة أرْجونا العامّة وطريقة
تفكيره. أن كلمة "عيب" مصحوبة مع " الغريب عن الرجال الشرفاء، المسبب للخزي
والمعارض للسماء" و "الساعة غير الملائمة" تصدم أرْجونا بشدّة. تلقى عقله
اليقظ وقلبه هذه الصدمة الحادّة، التي قذفته خارج حالة التعليق. وفوراً فقد
الثقة في الطريقة التي كان يفكر بها. هذا ما جعله ينظر إلى المولى.
تجلب الآية التالي صدمة أخرى إلى أرْجونا وتقوّي التأثير الناتج عن هذه
الآية. يشير المولى ضمناً إلى أنّه، سواء كانت البيئة المحيطة والظروف
مناسبة أو غير مناسبة، يتصرّف الرجال الشرفاء والفضلاء دائماً بطريقة
تقودهم إلى المجد هنا على الأرض وفي الجنة.
الآية الثالثة
يا بارتا! لا تستسلم
لعدم الرجولة.
إنه غير جدير بك. أنفض
عنك
ضعف القلب الرديء هذا.
انهض. يا ملهب الأعداء!
تظهر هذه الآية مرة
أخرى المهارة النفسية في معالجة المشكلة. يستعمل هنا المولى الكلمة "عديم
الرجولة"، وفي الوقت نفسه يذكّر أرْجونا بتراثه الشريف بدعوته بارتا، ابن
بْريتا. هذا كي يحيّد في أرْجونا ما سمّاه المولى كريشنا "ضعف القلب".
أدرك المولى كريشنا
أنّه عندما خاطبه أولاً بصفة بارتا، طلب منه النظر إلى الكورو المجمّعين في
المعركة، أيقظ فيه حبّ أمّه بْريتا، وهو يعرف بأنّ الموجة العظيمة للحبّ
التي غرسها في قلب أرْجونا كانت مسؤولة عن حالته الحالية للتعليق. لذلك،
ومن أجل إرجاع أرْجونا إلى استعداده الأولي للقتال، كان من الضروري توسيع
الطبيعة الأحادية الجانب للحبّ الناتج عن كلمة بارتا. هذا هو السبب الذي
جعل المولى كريشنا يستعمل هنا كلمة "بارتا" مرة أخرى ويربط بينها وبين "ضعف
القلب".
بعد أن أحدث هذا
التأثير في القلب، كان من الضروري أن يوجّه فوراً مجرى عقل أرْجونا بعيداً
عن حالة التعليق في اتجاه العمل؛ لذلك يحثه المولى بقوله "انهض". بهذه
الطريقة، يبدأ المولى بشحن عقله بنبضة باتجاه القتال ويكملها فوراً بتذكيره
بمنزلته كونه "ملهب الأعداء".
يريد المولى إيقاف
أرْجونا فوراً عن التفكير بالأسلوب الذي لن يقوده في أي مكان. فيخبر
أرْجونا بأنّ هذا الطريق لا ينتمي إليه، لأنه كان دائماً صاحب شخصية
ديناميكية – " إنه غير جدير بك".
إن هذا القول للمولى له
أيضاً معنى أعمق. "إنه غير جدير بك" يذكّر أرْجونا بطبيعته الأساسية.
"بأنّك هو"، كما يرد في الأوبانيشاد – الكينونة غير المحدودة الأزلية. يجب
أن تتنفّس الحياة الكونية ولا تقع فريسة "لضعف القلب"، لأن ذلك ينتمي إلى
حقل الجهل.
وبطلبه منه نفض "ضعف
القلب"، يضيف المولى "الرديء". وبهذا فهو يقصد تشجيع أرْجونا: إن الضعف
الذي يجب التغلّب عليه ليس كبيراً لكنه فقط فشل القلب. يريد المولى كريشنا
الإبلاغ أرْجونا أنه عندما ينمو الحبّ في قلب الإنسان، يصبح مظهره أكثر
كونياً، ويجب أن يصبح أقوى وأكثر ديناميكية، لكن في حالته لم حدث هذا. لم
يكسب أرْجونا المظهر الكوني.
يظهر هذا الأمر حقيقة
ماورائية عظيمة: الجهل ليس له مكوّن مادي. إنه فقط الوهم الذي يجب أن يكون
سهل التخلص منه. لسوء الحظ لقد حرم هذا الجهل أرْجونا من القوّة التي يجب
أن تجلبها موجة الحبّ بشكل طبيعي.
بالتأكيد، كونه محارب
عظيم، إن أرْجونا شجاع بطبيعته. لهذا يبدو المولى يذكّره فقط بما هو عليه:
غير محدودة وأبديّة في طبيعته المطلقة و "ملهب الأعداء" في طبيعته النسبية،
في شكله البشري.
إن الدراسة المعمقة
لهاتين الآيتين، اللتان تشكّلان تحذير المولى الأول، تظهر أنهما يحتويان في
الجوهر كامل تعاليم البهاغافاد غيتا.
الآية الرابعة
قال أرْجونا:
كيف لي أن أُقاتل بْهيشْما ودْرونا
بسِهامي في ساحة المعركة،
يا مدْهوسودانا؟ إنهم يستحقون
الوقار، يا فاتك الأعداء.
يخاطب أرْجونا المولى كريشنا بصفة مدْهوسودانا، قاتل الشيطان مدْهو، في حين
يعيد تعداد أسماء بْهيشْما ودرونا. بذلك يقترح بشكل صامت على المولى
كريشنا: أنت قاتل الشياطين؛ كيف تطلب مني ذبح هؤلاء الشيوخ النبلاء؟ أنت
قاتل الأعداء؛ كيف لك أن تطلب مني قتل أولئك الذين يستحقّون الوقار؟
يظهر هذا يقظة عقل أرْجونا حتى في هذه الحالة من التعليق. إذا كان الفرد
يقظاً وصاحياً في القلب والعقل، فيكون هناك دائماً الأمل في النهوض في وقت
المحنة.
يشدد أرْجونا أكثر على نقطته هذه في الآية القادمة.
الآية الخامسة
من المؤكد أنه الأفضل أن أعيش
متسوّلاً في هذا العالم على أن أقتل
هؤلاء المعلمين أصحاب العقول النبيلة،
بالرغم من أنّهم توّاقون للمكسب،
لأنني بقتلهم سوف أتمتع فقط بملذّات
ملطّخة بالدم
في هذا العالم.
تظهر هذه الآية صفات أرْجونا العظيمة والنبيلة والبعيدة النظر. إنها
تظهر صفة قلبه البشري. كان أرْجونا، كونه رامي نبال عظيم، مدركاً للسجلات
المثيرة للشفقة للفتوحات الملطّخة بالدم في التأريخ. يمكنه أن يرى الضرر
الكبير للحضارة في زمانه. ويمكنه أن يتصوّر في عقله خراب الحرب في كل مكان؛
ويمكن أن يسمع في داخل ذاته صرخات الأطفال ورثاء النساء وروايات الكوارث
والظلم. قد يفعل أرْجونا، البطل صاحب القلب البشري الحسن، أيّ شيء لعدم
الدخول في الحالة التي تبدو وشيكة. لقد ذهب بعيداً إلى حدّ القول بأنّه "من
الأفضل أن أعيش متسوّلاً في هذا العالم على أن أقتل هؤلاء المعلمين أصحاب
العقول النبيلة" و "أتمتع فقط بملذّات ملطّخة بالدم
في هذا العالم".
في الآية التالية يواصل مناقشته.
|