|
الآية الحادية عشر
قال الرب المبارك:
أنت تحزن على أولئك الذين يجب
أن لا تحزن عليهم، وتتكلم رغم ذلك
كما يفعل الحكماء. إن الرجال الحكماء
لا يحزنون على الأموات ولا على الأحياء.
يخبر المولى أرْجونا بأنّه يتكلّم بلغة الحكماء، وفي قوله هذا، يظهر له
أيضاً كيف يفكّر الرجال الحكماء. إنّ العلامة الأولى لمثل هؤلاء الرجال
بأنّهم لا يحزنون على أيّ شيء، لأنهم يعرفون بأنّ كلّ شيء هو أبدي في
جوهره. من وجهة النظر للوجود الحقيقي، إن بْهيشما ودْرونا وكلّ أولئك الذين
يقلق عليهم أرْجونا لهم حياة لانهائية. من الخطأ أن يحزن أرْجونا من أجلهم.
هل يمكن أن يكون هناك حزناً في عقل الرجل الحكيم من أجل الأحياء أو
الأموات؟ إنه لا يحزن على الماضي، ولا يمكن لأيّ شيء في الحاضر أن يجعله
حزين، لأنه ثابت في الحقيقة، الحقيقة الثابتة التي لا تتغيّر.
تكشف هذه الآية حكمة المعلم: أنه يجعل الشخص الطموح مدركاً لموقعه الخاص
وفي الوقت ذاته يوضح له هدفه. جعل المولى كريشنا أرْجونا يرى حالته العقلية
الحالية التي يحزن فيها على لا شيء، وكما جعله يرى هدفه، حالة الحكمة، التي
لا يحزن فيها على أيّ شيء.
إنها تصوّر أيضاً مبدأ العلاقة بين المعلم والتلميذ: إنّ المعلم هو وحده من
يهتم بأخذ المريد من حالته الحالية إلى الهدف. لا يجلب المولى نفسه إلى
الصورة هنا؛ بل يصف موقع أرْجونا الحالي فقط والحالة التي يتمنّى أن يقوده
إليها. لقد لمّح إلى الهدف فقط لكنه جعل أرْجونا مدركاً بشكل واضح لحالته،
غايته في أن يجعل أرْجونا متكلاً عليه بالكامل كي يمكّنه من تلقي توجيهاته
الماهرة بمنفعتها الأكمل. لا يطلب من المريد أن يكون يقظاً ويستمع، بالرغم
من أن هذا التأثير قد جلب إلى عقله في بداية الحديث بجعله مدركاً لوضعه.
تبدأ هذه الآية الجزء الأول لحديث المولى كريشنا، الذي يعرف بالسانكْهْيا.
من هنا وإلى الآية الثامنة والثلاثين، يعطي المولى كريشنا أرْجونا هذه
الحكمة للحياة الكاملة، حكمة كل من الأوجه المطلقة والنسبية للوجود، التي
يدعوها سانكْهْيا.
تقترح الدراسة المعمقة بأنّ الأسئلة المطروحة من قبل أرْجونا في الآيات
الخمسة قد تم الإجابة عليها بالعبارات الخمسة المتضمنة في هذه الآية:
1. أنت تحزن على أولئك الذين يجب أن لا تحزن عليهم.
2. وتتكلم رغم ذلك كما يفعل الحكماء
3. لا على الأموات ولا على الأحياء.
4. لا يحزنون
5. الرجال الحكماء.
الآية الثانية عشر
لم يكن هناك زمن حيث لم أكن أنا فيه
ولا أنت ولا هؤلاء
الحكام للبشر،
ولن يكون هناك أبداً
زمن لن نكون فيه
نحن جميعاً موجودون.
يقدّم المولى هنا إلى أرْجونا الطبيعة الدائمة للإنسان الداخلي، الحقيقة
الداخلية للحياة الفردية. إنّ طبيعة هذه الروح في الإنسان هي خالدة. على
الرغم من التغيير المستمر للأجسام في الماضي والحاضر والمستقبل، فهي تبقى
أبداً من دون تغيير. إنّ الطبيعة الدائمة للوجهة الداخلية للحياة، الذات،
هي مفهوم مجرّد ولذا، ولكي يجعلها ملموسة بقدر الإمكان، يتكلّم المولى حول
ذلك بمصطلح نفسه وأرْجونا وأولئك الحاضرون. يشير هذا إلى ناحية مهمة من
التعاليم: يتم توضيح النظريات المجرّدة بصور إيضاحية ملموسة.
يقول المولى بأنّنا سنستمرّ جمعاً في الوجود حتى بعد موت هذه الأجسام، لأن
الذات هي أبدية - تستمرّ الحياة في الوجود، إنها أزلية. إنه يتبع هنا
الإيضاح الذي ينير حكمة السانْكْهْيا.
الآية الثلاثة عشر
كما يمرّ المقيم في الجسم الفاني بالطفولة والشباب والشيخوخة، كذلك يمرّ في
جسمٍ آخر. ولا يربك ذلك الحكماء.
لا يندهش الحكماء بتغييرات الجسم؛ إنّ موت الجسم مثل التغيير الذي يحدث
عندما يصبح الأطفال بالغين، أو عندما يصبح الشباب عجزة. تستمر التغييرات
الهائلة بالحدوث، في حين أن حقيقة الحياة التي لا تتغير أبداً، المقيم في
الجسم، تبقى أبداً هي نفسها.
من غير الممكن لإنسان يعرف هذا الأمر أن يشعر بالقلق الكبير حول موت الجسم،
لكن حتى وبهذه المعرفة لا يزال يحسّ بالحرارة والبرودة والسرور والألم. كيف
يجب الوصول إلى هذه الحالة هو ما ستوضّحه الآية القادة.
تعبّر هذه الآيات عن المحتوى الحيوي لحكمة السانكْهْيا.
الآية الرابعة عشر
باحتكاك الحواس مع مدركاتها، يا ابن كونتي، نشعر باختبار البرد والحر،
واللذة والألم. إنها زائلة، فهي تأتي وتذهب. تحمّلها بصبر يا بْهاراتا.
بثباتهم بحزم في فهم الثابت الذي لا يتغيّر، لا يتأثّر الحكماء بالحالات
المتغيرة للجسم في أثناء الحياة أو بعد الموت. إنّ اختبار أغراض الحواس
وتأثيراتها، واختبار السرور والألم، هي فقط الظواهر التي تأتي وتذهب. يريد
المولى هنا أن يظهر لأرْجونا بأن الأشياء التي ليس لها طبيعة دائمة يجب أن
لا يكون لها وزن ثقيل. كما وأنّه يقول له: استخفّ بها، لأن هذه الأشياء
ستذهب بذات الطريقة التي جاءت بها. يجب أن تكون حياتك مستندة على شّيء له
طبيعة دائمة. أرْجونا! لا تعطي أهمية إلى اعتبارات المراحل العابرة
والمؤقتة للحياة. ارتفع كي تفهم بأنّ الحقيقة الدائمة للوجود ستستمرّ في
الوجود، في حين أن ما هو مؤقت سيستمرّ بالتغيير. لذا، خذّ الحياة كما هي.
هذا وحده ما ينفعك، لذلك أدعوك بْهاراتا، سليل بْهاراتا العظيم، الذي كان
ثابتاً النور، في حقيقة الحياة.
إنّ نتيجة البقاء بتوازن عقلي في السرور والألم تظهر في الآية التالية.
الآية الخامسة عشر
ذلك الرجل حقاً، الذي لا تزعجه هذه
(الاحتكاكات)،
المتساوي عقله في
السرور والألم، الصامد،
يستحق الخلود،
يا أفضل الرجال!
يؤكّد المولى إلى أرْجونا بأنّه عندما يصبح الإنسان ثابتاً في فهم الحقيقة
الدائمة للحياة كما تم شرحها في الآية الثالثة عشر، يرتفع عقله فوق تأثير
السرور والألم. يتجاوز مثل هذا الإنسان الثابت الذي لا يهتز تأثير الموت
ويعيش في المرحلة الدائمة للحياة؛ ويصل إلى الحياة الأبديّة. إن غاية
المولى في أن يكسب أرْجونا هذه الحالة حيث سيكون قبل كل الاعتبارات في
الحقل النسبي، بما في ذلك الموت، وكلّ مشاكل الحياة والموت.
إن الحالة غير المحدودة للبحر لا تتأثّر بجريان الأنهار ولا بعملية
التبخّر. وبالطّريقة ذاتها، يكون الإنسان الثابت في فهم الوفرة غير
المحدودة للوجود المطلق متحرراً بشكل طبيعي من تأثير النظام النسبي. هذا ما
يعطيه منزلة الحياة الخالدة.
في الوقت الحاضر نجد عموماً بأن الناس يحاولون تصنع مزاج الرصانة والتساوي
في السرور والألم، في الخسارة والمكسب – فهم يحاولون تصنع مزاج السلوك
المتساوي وعدم التأثّر خلال ارتباطهم بالنشاطات المتنوعة في العالم. لكن
محاولة تصنع المزاج على أساس الفهم هو ببساطة تظاهر كاذب. يقع العديد من
الباحثين في شرك مثل هذا الموقف. سيتم توضيح ذلك أكثر في متابعتنا للحديث.
لا يصبح الفهم ناضجاً نتيجة لصنع المزاج. إنه ضروري فقط لفهم معنى هذه
الآية والآيات الثلاثة السابقة، من أجل أن نعيش حقيقة العلاقة بين الحياة
الأبديّة الداخلية والمراحل المتغيّرة باستمرار الخارجية للوجود. عندما
يعرف الإنسان بأنّه ملك والولاية هي ملكه، يبدأ باستعمال علاقته مع الولاية
فوراً. ويبدأ بالتصرّف كأنه الملك. إنه ليس مطلوباً منه يتعلم الملوكية
بالممارسة وبالتفكير المستمر بمركزه، تماماً كما إنه ليس مطلوباً من الطفل
أن يتذكّر دائماً بأنّ أمّه هي أمّه. إنه فقط يعرف ذلك مرّة واحد ويعيش
العلاقة في جميع الأوقات. إن طريق فهم الذي يؤدّي إلى الحرية من العبودية
هو بسيط جداً.
إن الحقيقة الكاملة للحياة هي بأنّه لا يوجد هناك أي شيء هام ليربط الذي لا
تغيّر إلى المجال المتغيّر باستمرار للحياة. ولا يوجد أي شيء لإبقائهم
مربوطين سوية. إنه فقط الجهل للحالة الطبيعية للحرية الموجودة بين هذه
المجالات الذي يؤدّي إلى ربطها سوية. هذا الجهل، والعبودية المولودة منه،
هو الذي يبقي الحياة في الحركة - وببقاء الوجهة الداخلية دون أي غير
متغيّرة أبداً والوجه الخارجية دائمة التغيّر. تستمرّ الوجهة الخارجية
الدائمة التغيّر إلى الأبد، مستندة على الوجهة الداخلية. هكذا، تتدفّق
الحياة مندفعة إلى الأمام في الحالة الطبيعية للحرية الأبديّة - على أساس
الجهل!
إن المعرفة المتضمنة في هذه الآيات – حكمة السانكْهْيا – تقطع إرباً روابط
الجهل وتسمح للحياة في أن تكون في حالتها الطبيعية للحرية الأبديّة.
تشرح الآيات التالية هذه الحكمة بشكل أوسع.
|