|
الآية السادسة عشر
غير الحقيقي ليس له كيان،
والحقيقي لا ينقطع عن الوجود.
الحقيقة النهائية عن كليهما قد تمّ
إدراكها هكذا من قبل الرائين
للحقيقة الأزلية.
إنّ صفة عدم الفناء للجوهر البشري يتم توضيحها هنا. يتم تعريف الحقيقة
الأزلية بأنها لا تتغيّر أبداً. وبالمقابل لها يوجد غير الحقيقي الذي
يتغيّر دوماً؛ ليوضح أن الذي يتغيّر ليس لها مادة، ولا وجود حقيقي له.
هنا في هذه الآية، يجعل المولى أرْجونا يرى الحقيقة على أساس تعدّد الخلق.
هذه هي الخطوة التالية، التي يتلي منطقياً ما ورد في الآية السابقة. يدرك
هنا رائي الحقيقة بشكل واضح الاختلاف بين الحالة المطلقة الدائمة التي لا
تتغير أبداً للحياة والحالة المتغيّرة باستمرار من الوجود الظاهري
المتنوّع. إنها هذا الذي يعطيه ذلك الاستقرار والحالة الرفيعة الوعي الذي
فيه يرتفع فوق التأثير الملزم للنشاط في العالم الظاهري.
يتم قيادة أرْجونا خطوة فخطوة نحو رؤية الرجل مدرك.
الآية السابعة عشر
اعرف أن ما هو حقاً لا يفنى،
والذي هو متغلغل في كل
شيء.
لن يقوى أحدٌ على تدمير
تلك
الكينونة الثابتة غير
القابلة للتغيير.
يقدّم المولى إلى أرْجونا صفة عدم الفناء للحقيقة
الداخلية، كينونة العالم الظاهري الموضوعي، التي تتغلغل في كلّ شيء.
لقد تم التوضيح هنا بأنّ الكينونة الكليّة الوجود والروح في داخل الإنسان
هما ليستا كيانين مختلفتين. لقد تبيّن بأنهما كانا مختلفان بسبب اختلاف
الجهاز العصبي عند الأفراد. كما تظهر الشمس ذاتها أنها مختلف عندما تشرق
على الطبقات المختلفة، مثل الماء والزيت، كذلك الكينونة الكلية الوجود،
تشرق من خلال الأجهزة العصبية المختلفة، وتظهر بأنها مختلفة وتشكّل النفس،
الوجهة الذاتية لشخصية الإنسان. عندما يكون الجهاز العصبي صافياً ، تنعكس
الكينونة أكثر وتكون الروح أكثر قوة والعقل أكثر فعالية. عندما يكون الجهاز
العصبي في صفائه الأقصى تنعكس الكينونة بكل امتلائها وتكسب الفردية
الداخلية للروح مستوى الكينونة الأبدية غير المحدودة. هكذا يكون واضحاً أنّ
الروح بطبيعتها الأساسية، هي لا تموت وكليّة الوجود. هذا ما يوضّح كونية
الفردية.
في الآيات السابقة، وخطوة فخطوة، وكل خطوة فيها الحكمة العميقة، أصبح
أرْجونا على بينة للطبيعة الأبدية للروح. في هذه الآية تم التشديد على
طبيعتها التي لا تفنى. في الآيات القادمة، سيتم الشديد على عدم ديمومة
الحياة الظاهرية ومعها المبدأ بأن العالم الظاهري هو فقط المرحلة الظاهرة
للكينونة الأبدية غير الظاهرة. والخاتمة هي بأنّه، ومن وجهتي النظر -
ديمومة الكينونة والمستوى غير الدائم للحياة – من واجب أرْجونا عدم القلق
على أيّ شيء، بل يجب عليه أن يقوم ويفعل ما يجب عليه أن يفعله.
الآية الثامنة
عشر
يُعرف بأن هذه الأجساد لها نهاية؛
أما المقيم في
الجسم فهو أبدي،
خالد، سرمدي.
لذلك حارب يا بْهاراتا!
إنه من الواضح أن الجسم يتغيّر في كلّ لحظة. إن جسم الطفل هو ليس جسم
الشاب؛ وجسم الشاب هو ليس جسم الرجل عجوز. لذلك، إذاً كان الموت مستمرّاً
بشكل حتمي، حتى في خلال ما يقال عنها الحياة، لا يبدو أن شيئاً جديداً يحدث
عندما يموت الجسد ويؤخذ جسد آخر. لذلك ليس هناك من أهمية في ندب موت الجسد
- ولدرجة أقل في ندب موته المتوقع.
"المقيم في الجسم": تظهر هذه الآية التمييز بين الجسم والروح التي يقيم
فيه. ليس هناك من هدف هنا لتصنيف الأوجه المختلفة للروح في الداخل، لكنها
فقط ترسم خطاً بين المحتوى الداخلي الثابت للحياة والطبيعة القابلة للتدمير
للجسم الخارجي.
من الممكن، على أية حال، التوضيح بأن الروح الداخلية قد تفهم بطريقتين:
أولاً، بأنها الأنا، المتصلة بالعقل والحواس، التي تشكل معاً الفاعل وصاحب
الاختبار، المتمتّع والمعاني؛ ثانياً، بأنها "المقيم في الجسم"، الذي هو
الناحية الفردية للوجود الكوني، للكينونة الأبدية، والذي يعرف بالمصطلح
السنسكريتي بكلمة "جيفا".
جيفا، إذاً، هي الوجود الكوني المنفرد؛ إنها النفس الفردية في الجسم.
بإزالة محدداتها، تكون جيفا آتْمان، الكينونة التجاوزية.
عندما تتحد فردية جيفا وكونية الذات التجاوزية، آتْمان، وتتواجد سوية في
مستوى واحد للحياة، يكون براهمان، الحياة الكونية الكلية الشمول.
بما أن الجيفا الفردية هي في جوهرها آتْمان، فهي تدعى هنا "أبدي، خالد،
سرمدي".
الآية التاسعة عشر
إن من يعتقد أنه القاتل،
أو من يعتبره أنه
المقتول،
كلاهما يفشل في إدراك
الحقيقة.
إنه لا يَقتل ولا
يُقتل.
لقد تم التوضيح بأن الذات، أو روح، بطبيعتها الأساسية، لا تعرف التغيير أو
الاختلاف، ومتحررة من أية خواص، إنها ليست الفاعل ولا الفعل. كلّ الخواص
تعود إلى النسبي، الحقل الظاهر للحياة؛ لذلك لا يمكن اعتبار الروح أنها
الذات أو الموضوع لأيّ عمل. يفترض الإنسان الجاهل أن النشاط يعود إليه -
إلى الشخصية الذاتية يدعو نفسه - لا يعود إلى ذاته الحقيقي، لهذا، وفي
طبيعته الأساسية، إنه ما بعد النشاط. إنّ الذات، في طبيعتها الحقيقية، هي
فقط الشاهد الصامت لكلّ شيء. لهذا يقول المولى: "إن من يعتقد أنه القاتل،
أو من يعتبره أنه المقتول، كلاهما يفشل في إدراك الحقيقة".
الآية العشرون
إنه لم يولد أبداً، ولن يموت أبدَ؛
ولم يكن مرة
موجداً وانقطع عن
الوجود. إنه غير
مولود وأبدي
وسرمدي دائم الوجود،
ولا يُقتل
متى قُتل الجسم.
إنّ الطبيعة الأبدية غير الظاهرة المطلقة للروح، أو الذات، لا تتأثّر أبداً
بما يحدث في الحقل النسبي. هي أبداً ذاتها، خلف حدود الزمان والمكان
السببية. من دون بداية أو نهاية، إنها لم تولد ولن تموت. سواء كان في هذا
الجسم أو ذاك، تستمرّ الذات في الوجود. تبقى الحياة الأبديّة الثابتة من
خلال المراحل المتغيّرة باستمرار للأجسام التي تأخذها. |