|
الآية الحادية والعشرون
إن من يعرف أنه لا يفنى،
وأنه أبدي غير مولود ولا يموت،
كيف يمكن لذلك الإنسان، يا بارْتا
أن يقتل أو أن يسبب بقتل أي أحد؟
في هذه الآيات، يعطي المولى كريشنا يزوّد المنطقي لتلك الحالة التي يريد أن
يرفع أرْجونا إليها - الحالة التي سوف يتثبت بها في ذاته الحقيقية الأبدية.
وعندما يثبت فيها، يصل إلى حقيقة الوجود وهكذا يرتفع فوق تأثير فعل القتال،
وفي الحقيقة، فوق كلّ الأعمال في الحياة. لأن العمل هو في حقل الوجود
المتغيّر باستمرار، ووعيه سيكون ثابتاً الوجود الخالي من التغيير للكينونة.
لذلك سيكون تماماً وبشكل طبيعي فوق تأثير العمل.
يتم تقديم الحديث بمهارة رائعة. بما أن المولى يرد أن يعطي أرْجونا المفهوم
المنطقي للحقيقة، فهو لا يواصل فقط وصف ما ليس له خواص، لكنّه يستجوب
أرْجونا أيضاً لاسترعاء انتباهه وليوقظ ذكائه لكي يكون الوصف مفهوماً أكثر.
من الواضح، أن المولى يخبره، بأنّ من يعرف حقيقة الحياة بأنها الكينونة
الأبديّة التي لا تتغيّر لا يمكنه أن ينسب لها أيّ شيء من النظام التالف،
وكيف يمكنه ذلك؟
الآية الثانية والعشرون
كما ينزع الإنسان ملابسه البالية
ويرتدي ثياباً
أخرى جديدة، كذلك
ينزع المقيم في
الجسم عنه الأجساد
البالية ويأخذ الأخرى الجديدة.
هذا الإيضاح كي يوضح الفكرة المتضمنة في الآية
السابقة. إنه يقدّم صورة للطبيعة الثابتة للمقيم في الجسم، النفس أو جيفا،
التي سنتوسع فيها في الآية التالية.
الآية
الثالثة والعشرون
السلاح لا يخترقه، ولا النار تحرقه؛
الماء لا تبلّله
ولا الريح تجفّفه.
إنّ النية هنا في أن يكون أرْجونا متآلفاً مع الخلود، الطبيعة التي لا
تتغير للذات، ولجعله يرى بشكل واضح بأنّ لا شيء يمكنه أن يؤثّر عليه في أي
حال. هناك شيء واحد كان منغرساً في عقل أرْجونا: الشعور بأنّ أسهمه الحادّة
ستثقب وتمزّق أجساد أولئك الذي يعزّهم وتقتلهم. لهذا السبب يبدأ المولى
بجعله يفهم بأنّ وجودهم، بالمعنى الحقيقي، لن يدمّر بأسلحته. إن الحقيقة هي
واحدة، كليّة الوجود، مجردة من أيّ ثنائية، ومن دون مكوّنات - لهذا لا
يمكنها أن تُقتل. يتكون الجسم من أجزاء مختلفة - لهذا يمكنه أن يُقتل.
من أجل جعل الفكرة أوضح، يشرح المولى بأنّه حتى عناصر الهواء وماء ونار،
التي هي مرهفة وقوية أكثر بكثير من أسلحة أرْجونا، غير قادرة على إزعاج
الذات. يذكر المولى الأسلحة ونار وهواء وماء كرمز للخليق بالكامل. إن هدفه
في أن يظهر لأرْجونا بأنّ الذات، كونها تجاوزية، تبقى دائماً غير متأثّرة
بأيّ شيء في هذا الحقل النسبي. تتطوّر هذه الفكرة في الآيات التالية، لكي
تترك أرْجونا من دون أدنى شكّ بخصوص الطبيعة الدائمة للذات.
الآية الرابعة
والعشرون
إنه لا يُخْرَق؛ ولا يكمن أن يَحْترق؛
ولا يمكن أن
يتبلّل؛ ولا حتى أن يجفّ.
إنه أبدي،
ومتغلغل في الكل وثابتٌ
ومستقرّ، أبداً
هو نفسه.
قد يبدأ المعلّم، كما في هذه الآية، بتوضيح الحقيقة من ناحية إنكار
الاختبار المشترك. عندما يبدأ عقل التلميذ بالارتفاع إلى شيء مجرّد، خلف
مجال اختباره الحالي، يخبره المعلم بما يمكن تسميته الخواص الإيجابية
للحقيقة. أنه صحيح أن الحقيقة المطلقة هي من دون أيّ خاصيّة، لكن رغم ذلك،
يجب استعمال العبارات لنقل بعض الإحساس عنها.
يستعمل المولى هنا وسيلتي التنوير؛ الإنكار والتأكيد، بشكل جميل في عملية
واحدة. يجب أن يكون المعلّم يقظاً بما فيه الكفاية أن لا يفوته أي ردّ فعل
من عقل التلميذ على كلّ كلمة يتكلّم بها. فقط بالرد في الوقت المناسب يتم
تحقيق النتائج المرجوة.
إنّ تسلسل الكلمات هو مهم: وكونها أبدية، تكون حقيقة متغلغلة في الكل؛
وكونها متغلغلة في الكل فهي مستقرّ؛ وكونها مستقرّ، فهي ثابتة لا تتحرّك؛
وكونها ثابتة لا تتحرّك، فهي أبداً هي نفسها.
الآية
الخامسة والعشرون
يُعرَف عنه أنه غير ظاهر،
لا مجال للتفكير
فيه، وغير متبدل؛
لذلك وبمعرفتك له
هكذا،
يجب عليك أن لا
تحزن.
كان من الضروري للمولى كريشنا أن يمنح أرْجونا مفهوماً منطقياً حياً عن
النفس، الذات الحقيقية، التجاوزية ومن دون خواص، وكان لا بدّ أن يفعل ذلك
عندما كان عقل أرْجونا "ممتلئ بالحزن". لذلك كان ضرورياً بدرجة أكبر تقديم
مفهوم ما لا سبيل إلى معرفته من خلال خواص العالم المعروف.
كان لزاماً على أرْجونا أن يعطى هذا المفهوم المنطقي الواضح للحقيقة لكي
يتهيّأ إلى حالة التنوير. لا يمكن إعطائه الرؤية المباشرة لكن كان لزاماً
عليها أن يرى المفهوم المنطقي أولاً وبعد ذلك يؤخذ لإلى الاختبار خطوة
بخطوة. وخلافاً لذلك لم يكن ممكناً لأرْجونا أن يفهم أنه وراء الوجود
الظاهري الواضح هناك توجد الكينونة الأبدية، وبأنّه نفسه هو تلك الكينونة،
وكلّ شيء تلك الكينونة.
|