|
الآية السادسة والأربعون
بالنسبة للبْرهْماني المتنور إن الفيدا
كلها لا يستعملها أكثر مما يستعمل
بئر ماء صغير في مكان يفيض
بالماء من كل الجهات.
"البْرهْماني المتنور": هو الشخص الذي مرّ بدراسة وممارسة كارما كاندا
وأوباسانا كاندا وغيانا كاندا للفيدا. أي الشخص الذي يعرف سرّ العمل
والتكريس والمعرفة.
في حين أن كلّ عمل له هدف السعادة، إلا أن الأعمال التي تصفها الفيدا في
الوقت ذاته تساعد الإنسان على التطوّر خلف مستواه الحالي. لكن، جيفان موكتا،
الإنسان في الوعي الكوني، يجد نفسه في الاكتمال النهائي لكلّ الواجبات
المفروضة عليه. يعرف الحقيقة بمثل هذا الامتلاء العظيم بحيث يصبح ثابتاً في
ذاك، في حالة وعي الغبطة المطلق. هكذا، بعد أن كسب الهدف النهائي لطريقة
الحياة الفيدية الكاملة، مثل هذا الإنسان يرتفع فوق حقل الوصايا الفيدية
حول الصواب والخطأ وأيضاً فوق الحاجة للطقوس الفيدية؛ يرتفع فوق حاجة
التوجيه الفيدي.
إنّ حالة الإدراك هي مثل الخزّان الممتلئ بالماء، الذي منه يسحب الناس بشكل
طبيعي جداً لإشباع كلّ حاجاتهم بدلا من أن يحصلوا على مياههم من عدة من
البرك الصغيرة. لذلك يسأل المولى أرْجونا قائلاً: "كنّ من دون الغونات
الثلاثة" وأن لا يهدر حياته في التخطيط وإنجاز المكاسب الصغيرة في الحقل
المتغيّر باستمرار للغونات الثلاثة، لكي يكون مكتفياً ذاتياً بشمولية بدلاً
من أن يحاول إنجاز القليل هنا وهناك.
إن حالة الإدراك لا تكمل الغاية العامّة لرغبة الإنسان بالسعادة المتزايدة
أكثر فأكثر فحسب، بل هي تجلب العقل أيضاً بشكل طبيعي إلى الدرجة الأعلى
للنمو العقلي. إنها تجلب الإنسان المدرك إلى حالة حيث يجد، استناداً إلى
النمو العالي للقوّة والانسجام العقلي مع قوانين الطبيعة، بأنّ أفكاره تصبح
مكتملة طبيعياً من دون جهد كثير من ناحيته. لقد أعطي الإنسان في هذه الحالة
مثل هذا النمط الطبيعي إلى وجوده الذي يتمتّع بالدعم الكامل للطبيعة القوية
مدى الحياة. إنه في التناغم المباشر مع القانون الكوني، حقل الكينونة، الذي
يشكّل أساس قوانين طبيعة.
الآية السابعة والأربعون
تملك التحكّم على العمل وحده،
وليس على ثماره. لا تعيش من
أجل ثمار العمل، ولا تربط
نفسك في عدم العمل.
يوجد تسلسل رائع في التعليمات هنا. تعرض هذه الآية مرة أخرى وعي المولى
كريشنا وبصيرته الواضحة والعميقة لعقل أرْجونا.
لما أعطيت التعليمات لأرْجونا كي "يكون من دون الغونات الثلاثة" في الآية
45، وفي الآية التالية قيل له أنّه نتيجة لذلك قد تكتمل كلّ تطلّعاته في
الحقل النسبي، وقد يستدل بشكل حسن بأنّه لم يطلب منه القيام بأيّ عمل آخر.
لذلك ولكي لا ينمو عن أرْجونا الكره للنشاط، يقول المولى في هذه الآية:
"تملك التحكّم بالعمل وحده". هذا ما يجب أن يجعل أرْجونا يشعر بأنّ عليه أن
لا يهتمّ بشيء سوى العمل. يجب أن يستغرق بالكامل في العمل بذاته لكي يصبح
غافلاً عن كلّ شيء آخر، حتى عن ثمار العمل. لهذا السبب يضيف المولى: "وليس
على ثماره".
هذا لا يعني بأنّه ليس على أرْجونا أن يقاتل من أجل الفوز بالمعركة؛ لا
يعني بأنّ العمل يجب أن يتم من دون اهتمام بنتائجه. سيكون ذلك نفاقاً.
إن الثمار المتوقّعة من العمل هي التي تقنع الإنسان كي يعمل. إنها الرغبة
للنتيجة هي التي تجعله يبدأ بالعمل وتمكّنه في الاستمرار في عملية العمل.
يرغب المولى في إظهار أن نتيجة العمل ستكون أعظم إذا وضع الفاعل كلّ
انتباهه وطاقته على العمل بذاته، إذا لم يسمح لانتباهه وطاقته أن يكونا
مشغولين بالتفكير بالنتائج. ستكون النتيجة طبقاً للعمل، لا يوجد شكّ حول
ذلك.
إذا فكّر الطالب في كلّ الوقت بنجاحه بالامتحان، سيعيق تقدّم دراسته، وهذا
ما سيعرّض النتيجة للخطر. من أجل ضمان النجاح الأكبر للعمل يُطلب من الفاعل
أن لا يهتمّ بالنتائج في أثناء القيام بالعمل. لكن هذا لا يشير ضمناً إلى
أنّه يجب أن يكون لا مبالي للنتائج. إذا أصبح لا مبالي للنتائج بشكل واعي،
ستصبح عملية العمل بالتأكيد ضعيفة، وستضعف النتائج أيضاً.
سيكون سخيفاً الاستنتاج من هذه الآية بأنّ الإنسان ليس له الحقّ في ثمار
عمله. إن تقنية تحقيق النتيجة القصوى من عمل فقط هي المعطاة هنا. لدى
الفاعل كلّ الحقّ في التمتّع بثمار عمله؛ يقول المولى بأنّه ليس له سيطرة
على الثمار لأن الثمار ستكون حتماً طبقاً للعمل. بعد أن ثبّت الهدف، وبعد
أن بدأ بالتصرّف وبعد أن أصبح منهمكاً بشكل حميم في عملية العمل، يجب أن
يكمل العمل بمثل هذا التكريس الكامل والانتباه غير المقسّم الذي يكون فيه
غافلاً حتى عن ثماره. فقط بهذه الطريقة سينجز النتائج القصوى مما هو يعمل.
إنّ تعاليم عدم التوقع لثمار العمل لها أيضاً أهمية كونية أعمق في أنّها
مدعومة من قبل العملية الحقيقية للتطور. إذا كان الإنسان متعلقاً بثمار
العمل، يكون اهتمامه الوحيد ممركز على المستوى الأفقي للحياة. لا يرى شيء
أعلى من العمل وثماره، يفقد رؤية القدسي، الذي يتخلّل العمل والذي هو
القوّة الكلية في أساسه التي تقود إلى الاكتمال النهائي. هكذا يفقد الإنسان
الاتصال المباشر بالمستوى العمودي للحياة، الذي تستند عليه عملية التطور.
هكذا يكون واضحاً أنّ تعاليم المولى تساند النشاط من ناحية ويؤيّد التطور
والحرية من الناحية الأخرى.
تشير الآية التالية بأنّه ممكناً لكل شخص أن يعيش قيم القدسيّ في العالم.
الآية
الثامنة والأربعون
اثبت في اليوغا، يا غانم الثروة،
وأدّي الأعمال بعد أن تتخلص من
التعلّق، وبعدما تصبح متوازناً في
النجاح والفشل، لأن توازن العقل
يدعى اليوغا.
"اثبت في اليوغا" تعني اثبت في الوعي الكوني.
اليوغا، أو توحيد العقل مع الذكاء القدسي، يبدأ عندما يكسب العقل الوعي
التجاوزي؛ تبلغ اليوغا النضوج عندما يستقر هذا الوعي للغبطة التجاوزية، أو
الكينونة القدسية، في العقل إلى المدى الذي يبقى فيه ثابتاً في حالة
الكينونة، في أية حالة يجد العقل نفسه، سواء كان في اليقظة أو النوم. إلى
هذه الحالة من التنوير المثالي بشير المولى في بداية الآية عندما يقول:
"اثبت في اليوغا". وفي نهاية الآية يعرّف "اليوغا" بالإشارة إلى العمل كونه
"توازن العقل". هذه الحالة العقلية المتوازنة هي نتيجة الطمأنينة الأبديّة
التي تجيء بوعي الغبطة. لا يمكن أن اكتسابها بتصنع مزاج التساوي في الخسارة
والربح، كما اعتقد المفسرين عموماً.
إن اليوغا هي أساس الحياة المتكاملة، إنها وسيلة جلب الانسجام للصمت الخلاق
الداخلي والنشاط الخارجي للحياة والطريق للتصرّف بالدقّة والنجاح. بعد
ثباته في اليوغا، سيثبت أرْجونا الحقيقة النهائية للحياة، التي هي مصدر
الحكمة الأبديّة والقوّة والإبداع.
إن جزء من التدريب للشخص الذي يرغب أن يصبح سبّاحاً ماهراً هو فنّ الغوص.
عندما يكون الفرد قادراً على الحفاظ على ذاته بنجاح في الماء العميق، تصبح
السباحة على السطح سهلة. إن كلّ عمل هو نتيجة لعب العقل الواعي. إذا كان
العقل قوياً، يكون العمل أيضاً قوياً وناجحاً. يصبح العقل الواعي قويّاً
عندما تكون المستويات الأعمق لبحر العقل منشّطة في أثناء عملية التأمل
التجاوزي، التي تقود الانتباه من سطح العقل الواعي إلى الحقل التجاوزي
للكينونة. إنّ عملية الغوص في الداخل هي الطريق لنصبح مثبتين في اليوغا.
عندما يقول المولى بأنه بمروره بهذه العملية، يجب أن يخرج أرْجونا ويتصرّف،
فهو يعطيه ميكانيكية العمل الناجح. من أجل رمي السهم بنجاح، من الضروري
أولاً سحبه إلى القوس، وبذلك نعطيه طاقة محتملة عظيمة. عندما يُسحب السهم
إلى أقصى حدّ ممكن، يمتلك القوّة الديناميكية الأعظم.
لسوء الحظ إن فنّ العمل، الذي شرحه المولى كريشنا إلى أرْجونا في هذا
الحديث، يبدو أنه اختفى من الحياة العملية اليوم. ويعود السبب في ذلك إلى
أنه ولعدّة قرون، وبسبب النقص في التفسير الصحيح لهذه الآيات، لقد اعتبر
أنه من الصعب قيادة العقل إلى الذات ليصبح ثابتاً في اليوغا. إنه، في
الحقيقة، من السهل جداً قيادة الانتباه إلى حقل الكينونة: على الفرد فقط أن
يسمح للعقل في التحرّك تلقائياً من الحقل السطحي للاختبار الموضوعي، عبر
الحقول المرهفة لعملية الفكر إلى الحقيقة التجاوزية النهائية للوجود. بينما
يتحرّك العقل في هذا الاتجاه، يبدأ باختبار الانجذاب المتزايد في كلّ خطوة
إلى أن يصل إلى حالة وعي الغبطة التجاوزي.
إن مكافئة جلب العقل إلى هذه الحالة هي في أن العقل الفردي الصغير ينمو إلى
منزلة العقل الكوني، مرتفعاً فوق كلّ عيوبه الفردية ومحدوديته. إنه مثل رجل
الأعمال الصغير الذي يصبح غنياً ويصل إلى منزلة المليونير الكبير. فتصبح
الآن الخسارة والربح في السوق، التي كانت تؤثر عليه من قبل، ليس لها تأثير
عليه ويرتفع بشكل طبيعي فوق تأثيرها.
يريد المولى من أرْجونا أن يتصرّف، لكنّه يريده، قبل بداية العمل، أن يكسب
منزلة العقل الكوني. هذا هو كرمه. عندما يريد الرجل الغني أن يبدأ ابنه في
العمل، لا يرغب عادة له أن يبدأ بطريقة صغيرة، لأنه يعرف أنّ في هذه
الطريقة الصغيرة ستؤثّر الخسائر والأرباح على ابنه العزيز وتجعله بائساً أو
فرحاً بهذه التفاهة. لذلك يعطيه منزلة الرجل الغني وبعد ذلك يطلب منه بدء
العمل من ذلك المستوى. إن المولى كريشنا، مثل الأبّ الرحيم والقادر، ينصح
أرْجونا لبلوغ حالة الذكاء الكوني وبعد ذلك للتصرّف من تلك الحالة العالية
للحرية في الحياة.
لا يستطيع الإنسان البقاء متوازناً في الخسارة والربح ما لم يكون في حالة
من الطمأنينة الدائمة. هنا يسأل المولى أرْجونا للوصول إلى تلك حالة
للطمأنينة الدائمة بالاختبار المباشر للغبطة الأبديّة التجاوزية. إنه لا
ينصحه بمزاج مجرّد من التساوي.
إن حالة الغبطة التجاوزية في الكينونة الأبديّة هي ذاتية الاكتفاء بحيث
إنها المطلق في تركيبتها. إنها امتلاء الحياة، وكمال الوجود، وبالتالي
منفصلة جداً عن أيّ شيء في الحقل النسبي، متحررة بالكامل من تأثير العمل.
عندما يقول المولى: "بعد أن تتخلص من التعلّق"، يعني بعد أن كسب هذه حالة
للكينونة الأبديّة، المنفصلة كلياً والمستقلة عن النشاط. وعندما يقول:
وبعدما تصبح متوازناً في النجاح والفشل"، يعني بعد أن وصل إلى الاستقرار في
هذه حالة للكينونة الأبديّة.
إنّ الممارسة المنتظمة للتأمل التجاوزي هي الطريق المباشر للارتفاع إلى
حالة الكينونة التجاوزية وتثبّتها في الطبيعة الحقيقية للعقل، بحيث يتم
الحفاظ، وبصرف النّظر عن ارتباطات العقل في النزاعات المتأصّلة في تنويع
الحياة، على تركيب الوحدة في الحرية الأبديّة بشكل طبيعي ولا تضيع حياة في
ذاتها.
هذا هو تعريف اليوغا التي تم تهيأت الأرض الخصبة لها بالكلمات "كنّ من دون
الغونات الثلاثة" في الآية: إن اليوغا هي تلك الحالة المتوازنة إلى الأبد
والتي لا تتغيّر للوعي التجاوزي الذي، يبقى تجاوزياً في حين يبقى في أساس
الطبيعة الحقيقية للعقل، فيجعل العقل حراً في المشاركة في النشاط بدون أن
يصبح متورطاً فيه.
تمجد الآيات التالية مجد هذه اليوغا، الحالة العقلية المتوازنة، وتوضح
فائدتها في رفع كرامة العمل وتجلب الحرية الأبديّة إلى الفاعل.
الآية التاسعة
والأربعون
بعيد، حقاً، عن الفكر المتوازن
هو العمل المجرد من
العظمة،
يا غانم الثروة. الجأ
إلى الفكر.
جديرون بالشفقة أولئك الذين
يعيشون من أجل ثمار
(العمل).
"الفكر المتوازن" (بودهي يوغا): الحالة العقلية المتوازنة كما وتم شرحها في
الآية الأخيرة.
يوضح المولى هنا التمايز بين العمل الذي يصبح الفكر فيه متورطاً والعمل
الذي يبقى فيه غير متورط. يقول بأنّ العمل المنجز من دون كسب توازن العقل،
أو اليوغا، له طبيعة أدنى – إنه غير مؤثّر وضعيف، "مجرد من العظمة". يسأل
أرْجونا كي يرتفع إلى حالة عدم تورط الفكر، لكي يكسب عمله العظمة ويتمكّن
في نفس الوقت من كسب حالة الحرية.
يسخر المولى من مصير أولئك الذين هم غير قادرين على الارتفاع إلى هذه
الحالة من العمل في عدم التورط. يقول بأنّهم "تافهون" أولئك الذين يريدون
فقط أن يتمتّعوا بالحقل الخارجي للحياة، الذين لا يعيشون امتلاء الأمجاد
الداخلية والخارجية للحياة بتطوير الحالة العقلية المتوازنة الموصوفة في
الآية السابقة.
يقول المولى: "الجأ إلى الفكر"، وبذلك يسأل أرْجونا أولاً أن يتجه إلى
الداخل ويكون "من دون الغونات الثلاثة" (نيشتريغونيو بهافا - أرْجونا،
الآية 45) وبعد ذلك، وببقائك ثابتاً في حالة اليوغا، في الذات، لأداء
الأعمال ("يوغاستا كورو كارماني" الآية 48).
يريد المولى من أرْجونا، قبل أن يبدأ بالتصرّف، أن يثبت ذاته في اليوغا.
لقد عرّف اليوغا "بتوازن العقل"، حالة الامتلاء التي هي حالة التساوي
والرصانة الطبيعية. في هذه الحالة لا يتأثر الإنسان بالنجاح أو الفشل. إن
الأمر ليس بأنّ يحاول بشكل واعي أن يعالج الخسارة والربح بشكل متشابه، لكن
بأنّ يكون غير متأثّر بكليهما بشكل طبيعي – إن الحالة الحسنة والمرغوبة
جداً هي التي نصل إليها من خلال ممارسة التأمل التجاوزي المشار إليها في
الآية الخامسة والأربعون. أما المسعى لإبقاء التساوي والرصانة في العقل من
دون كسب هذه الحالة، بمجرّد المحاولة للنظر إلى كلّ الأشياء كأنها متشابهة،
قد ندعو ذلك نفاقاً أو خداعاً للنفس.
من المؤكد إنّ المولى لا يطلب من أرْجونا أن يرسّخ في ذهنه مزاج التساوي
والرصانة أو الحفاظ على اللامبالاة للنتائج بشكل واعي في أثناء العمل. وأيّ
محاولة من هذا النوع للحفاظ على التساوي والرصانة على المستوى الفكري يمكن
فقط أن يؤدّي إلى التوتّر والبلادة في العقل. إن التأكيد هنا، كما في الآية
السابقة، هو على كسب الذكاء الصافي، أو الكينونة. إنها حالة الكينونة هي
التي تثقّف العقل لكي يكون أحادي التوجه، وهكذا يتحسّن تأثيره في أثناء
العمل.
من سوء الحظ بأنه، لعدّة قرون ماضية، تم تفسير هذا الآيات ومثيلاتها مما
قاله المولى كريشنا عن يوغا العمل بشكل خاطئ، وهذا ما تسبب للناس الناس
بفقدان حماستهم ومثابرتهم على العمل باسم عدم التعلق. وكانت النتيجة
تسيّباً وعجزاً وإضعاف التركيب الأساسية لكلّ من الحياة الفردية
والاجتماعية.
ها هي الفلسفة لديناميكية التي يراد منها إلهام الإنسان المخذول وتقوّية
عقله الطبيعي. لكن وبدلاً من ذلك، وبسبب سوء الفهم العامّ، أصبحت الوسيلة
لتوقع الإنسان في كلّ حقول النشاط؛ لقد أصبحت التأثير المضعف للمسعى
البشري.
إنّ الفلسفة الكاملة للكرما، أو لعمل، يتم توضيحها بشكل مفصّل إلى أرْجونا
لكي يصبح شخصاً متكاملاً وديناميكياً.
يقول المولى: "جديرون بالشفقة أولئك الذين يعيشون من أجل ثمار العمل" -
أولئك الذين يتطلّعون إلى نتائج أعمالهم من يجب أن نشفق عليهم. لقد تم
إساءة فهم هذا العبارة بشكل خاص من قبل المفسّرين. لقد نصحوا الناس للعمل
لكن دون أن يكون لهم الهدف في النتيجة. من المؤكّد، على أية حال، أنه يجب
القيام بالعمل من أجل تحقيق بعض النتائج. لا يمكن تأدية العمل من دون النظر
إلى بعض النتائج الواضحة. يقصد المولى هنا أن يظهر فقط لأرْجونا مبدأ رفع
قيمة العمل برفع مستوى العقل وتمكينه للارتفاع إلى حالة الوعي غير المحدود
في الحرية الأبديّة.
عندما نريد إطلاق السهم، تكون الخطوة الأولى في شدّه على القوس. لكن وبدلاً
من ذلك، وفي عجلة الأمور، أما إذا تم إطلاق السهم إلى الأمام من دون شدّه
على وتر القوس، فلن يتحقق الهدف، لن يتم الوصول إلى الهدف، سيكون العمل من
دون قوة ويبقى الفاعل غير مكتمل.
يقصد المولى بأنّهم جديرون بالشفقة أولئك الذين بمثل هذه العجلة لتحقيق
ثمار العمل الذي باشروا بالقيام به من دون تحضير كافي لجعل العمل مفعم
بالقوة. إنه ليسوا جديرين بالشفقة لأنهم يهدّفون إلى ثمار العمل، كما فسّر
العديد من المفسرين بشكل خاطئ، بل لأنهم يخفقون في تحقيق الثمار الكاملة من
عملهم. إنهم جديرون بالشفقة لأنهم لا يعرفون كيف يجعلون أعمالهم تعطي
النتيجة القصوى وتجلب الاكتمال إلى تطلّعاتهم.
إنهم جديرون بالشفقة لأنهم يهتمون للسبب، بل يهتمّون فقط للتأثير المسبب.
بهذه الطريقة يفقدون الفرص للتحسين والربح الأكبر. إنّ الفكر هو المصدر أو
المسبب للعمل. لذلك يقول المولى: "الجأ إلى الفكر" و " بعيد، حقاً، عن
الفكر المتوازن هو العمل المجرد من العظمة".
ما لم يكون عقله مسحوباً ويعود إلى الحالة المطلقة للفكر، ستكون التزامات
الإنسان في العالم ضعيفة ولهذا السبب إنه يدعى جدير بالشفقة. إنه جدير
بالشفقة، كما يرد في بريهادارانكيا أوبانيشاد، من يخفق في التواصل مع الوعي
القدسي الداخلي. إنه جدير بالشفقة لأنه لا يقدر على التمتّع بالنتيجة
الكاملة لأعماله ولا يتغلّب على تأثيرها الملزم.
يتم تأدية العمل على مستوى الحواس لكن له أصله في بداية عملية التفكير.
تبدأ الفكرة من المستوى الأعمق للعقل؛ ويتم إدراكها على مستوى التفكير، حيث
تأخذ شكل الرغبة؛ والرغبة، بدورها، تظهر نفسها على شكل عمل. لهذا يقول
المولى بأنّ "الفكر المتوازن" وحقل العمل هما متباعدان جداً. الأول على
مستوى طاقة الحياة المطلقة؛ والثاني على مستوى ضعيف ومبعثر من الطاقة لأن
تركيز الطاقة يصبح أضعف مع تطوّر عملية ظهور الفكرة تطوّر في العمل. لهذا
السبب يقول المولى بأنّهم مدعاة للشفقة الذين يتوجهون نحو العمل وحده،
بدلاً من التوجه نحو الحالة الحازمة من الفكر أولاً وبعد ذلك إلى العمل
لاحقاً.
إن من يمارس التأمل التجاوزي ويصبح متآلفاً مع الوعي القدسي الداخلي يتمتّع
حقاً بأكبر ثمار العمل في العالم. وفي الوقت نفسه ينمو على نحو متزايد
متحرراً من العبودية وينجز في النهاية تكامل الحياة.
هذه هي غاية تعاليم المولى كريشنا: الجأ إلى الفكر". إنها تقدّم المبدأ
المثالي لتكامل الحياة ويؤمن تقنية بسيطة لتحقيقها.
يريد المولى من أرْجونا أن يكون عنده الاتهام العميق والمفهوم الواضح
للعلاقة بين حالة اليوغا والعمل، وأيضا بين اليوغا والفاعل.
الآية الخمسون
مَن اتحد فكره مع الذات، يتخلص
من الخير والشر معاً.
لذلك كرّس
نفسك لليوغا. إن اليوغا
هي المهارة
في العمل.
يبرز المولى هنا التغاير للخصائص
المتعارضة لليوغا والكارما (العمل). اليوغا هي في شدّ السهم؛ والكارما هي
في إطلاق السهم.
إن الفرد الذي يحاول رمي السهم من دون شدّه أول على القوس يقال عنه بأن
لديه إحساس سيّئ للعمل. لن تكون طلقته قوية، و سوف لن يذهب سهمه بعيداً
لأنه لن ينطلق بقوة. إنهم حكماء في مهارة العمل أولئك الذين يشّدون السهم
قبل أن يطلقوه إلى الأمام.
بينما يصبح العقل ثابتاً في الوعي التجاوزي، تصبح حالة الكينونة متغلغلة في
الطبيعة الحقيقية للعقل، التي تكسب بذلك منزلة الذكاء الكوني. ومع خروجه من
الحالة التجاوزية للوعي، يستعيد الإنسان الفردية، التي واستناداً عليها
يكون قادراً على التصرّف في الحقل النسبي للحياة، لكنّه يتصرّف الآن وهو
مشبع بالكينونة. إن مثل هذا الشخص يكون بشكل طبيعي فوق تأثير الصواب والخطأ
كما يكون رجل العمل الغني فوق تأثير الخسارة والربح.
في هذه الآية، يؤكّد المولى بأنّ تأثير اليوغا هو في رفع الإنسان إلى قوامه
الحقيقي للحرية الأبديّة في الوعي القدسي، حيث سيبقى أبداً غير متأثّر
بتأثير العمل، سواء كان جيد أو سيئ. هذا ليس لأنه يجب أن يكون مجرداً من
الثمار الحسنة والسيئة لعمله، لكن لأن من حقّه في حينما يتمتّع بثمار
أعماله، أن يتمتّع بحالة الحرية الأبديّة أيضاً.
إنه ليس العمل أو ثماره التي تربط الإنسان؛ لكن ما يربط هو عدم القابلية
للحفاظ على الحرية التي تصبح وسيلة للعبودية. تزيل اليوغا عدم القابلية
هذه. إنه مجد اليوغا الذي يزيد قوّة كلّ من الفعل والفاعل، ما يجلب الكرامة
إلى الحياة في كلّ أوجهها.
تكمن العبودية بالتأكيد في حقل العمل، لكنّها ليست مولودة من العمل: إنها
مولودة من ضعف الفاعل. عندما يتكبد رجل الأعمال الصغير الخسارة، يتأثر عقله
بها بشكل كبير. هذا ما يخلق عنده انطباعاً عميقاً، يطفو هذا الانطباع على
السطح ثانية بشكل رغبة للربح كلما توفّرت مؤتية لذلك. إن الانطباع في العقل
هو بذرة الرغبة التي تؤدّي إلى العمل. والعمل بدوره ينتج انطباعاً في
العقل، وهكذا تستمر دورة الانطباع والرغبة والعمل، ما تجعل الإنسان مقيد في
دورة السبب والتأثير، دورة الولادة والموت. هذا ما يدعى عموماً بالتأثير
الملزم للعمل، عبودية الكارما.
عندما يقول المولى بأنّ أرْجونا سيتجاوز التأثير الملزم للصواب والخطأ.
يوضح فوراً بأنّ هذا لن يكون نتيجة عدم العمل لكن ستكون نتيجة "لمهارة
العمل".
ماذا هي "مهارة العمل"؟ إنها تقنية أداء العمل لكي تصبح العملية الكاملة
سهلة. يكتمل العمل بأقلّ الجهد، تاركاً الفاعل ناضراً بما فيه الكفاية
للتمتّع بكامل ثمار عمله وفي الوقت نفسه يبقى غير متأثّراً بتأثيره الملزم.
وليس هذا فقط؛ بل يتم أداء العمل بسرعة لكي يبدأ الفاعل بالتمتّع بالنتائج
فوراً. لا تسمح "المهارة في العمل" لأيّ تأثير سلبي من الخارج في أن يعيق
أداء العمل، ولا تنتج أيّ تأثير سلبي لا على الفاعل ولا على أي فرد في أي
مكان؛ بل بالعكس من ذلك، يكون التأثير الذي تخلقه إيجابياً بالكامل.
إذا تم تنفيذ عملية العمل مع ما يدعى هنا "مهارة العمل"، ينتج عنه نتائج
جيدة في كلّ الاتجاهات ويمكّن الفاعل من اشتقاق الحدّ الأعلى من المنافع
منه. وفي الوقت نفسه، يخفق في إنتاج التأثير الملزم عليه، هذا لأنه يؤثّر
على الفاعل بطريقة بحيث أنّ ثماره لا تترك انطباع في عمق العقل بما فيه
الكفاية لتشكيل بذرة العمل المستقبلي، وكون الفاعل مثبت في الذات، الكينونة
الأبدية، فهو غير مرتبط إلى حقل النشاط. |