اضغط هنا للعودة إلى الصفحة الرئيسية للموقع الفصل الثاني 51 إلى 55
 

  موقع الإشراق الشبكة العالمية

Home المدخل
Up فوق
الفصل الثاني 1 إلى 5
الفصل الثاني 6 إلى 10
الفصل الثاني 11 إلى 15
الفصل الثاني 16 إلى 20
الفصل الثاني 21 إلى 25
الفصل الثاني 26 إلى 30
الفصل الثاني 31 إلى 35
الفصل الثاني 36 إلى 40
الفصل الثاني 41 إلى 45
الفصل الثاني 46 إلى 50
الفصل الثاني 51 إلى 55
الفصل الثاني 56 إلى 60
الفصل الثاني 61 إلى 65
الفصل الثاني 66 إلى 70
الفصل الثاني 71 إلى 72

الآية الحادية والخمسون

إن الحكماء، المتّحد فكرهم حقاً مع الذات،
وبعد أن تخلوا عن الثمار المولودة من أعمالهم
وكونهم متحرّرين من روابط الولادة،
يصلون إلى حالة مجردة من المعاناة.

"متحررون من روابط الولادة": تشكل الولادة خطوة على الطريق الطويل للتطور. تستمرّ الولادات الواحدة بعد الأخرى إلى حين بلوغ هدف التطور. تصل الحياة الفردية إلى حالتها الأعلى للتطور عندما تجد نفسها ثابتة على مستوى الحياة الكونية، على مستوى الكينونة غير المحدودة والأبدية.
في هذه الآية، يتم حث أرْجونا كي يدرك بأنه بتثبيت عقله في الكينونة التجاوزية سوف يرتفع إلى حالة منفصلة عن مجال العمل ولا تمت له بصلة. يخبره المولى بأنّ الحكماء وبسبب ثباتهم في الكينونة، التي هي منفصلة بشكل طبيعي عن النشاط، يعيشون بشكل مباشر في الحرية الأبديّة وهم غي مرتبطين بثمار العمل. بثباتهم الكامل في الذكاء القدسي، يكسرون قيود العبودية ويتحررون بالرغم من بقائهم في حقل العمل، لأنهم أبداً في حالة الوجود الثابت الأبدي للكينونة المطلقة.
إنه طريق رائع إلى التنوير. يطلب المولى من أرْجونا الخروج بالكامل من حقل العمل: "كون من دون الغونات الثلاثة، يا أرْجونا" (الآية 45). وعقب ذلك يدعوه للتصرّف بالقوة الكاملة (الآية 47). ومن ثمّ، يدمج هذان الأمران، يطلب المولى من أرْجونا أن يعمل مع بقائه ثابتاً في وعي الذات (الآيات 48 إلى 50). وفي الآية الحالية، يبيّن بأنّ العمل من هنا النوع يؤدّي إلى الوعي الكوني - التحرّر من كلّ المعاناة والعبودية في أثناء فترة الحياة هنا على الأرض. أعطي أرْجونا الطريق المنهجي والمباشر إلى الحالة الأعلى لتطوّر الإنسان.
إنّ الخطوة الأولى هي في جلب العقل إلى المتعالي التجاوزي. خلال التأمل التجاوزي، يتم جلب الانتباه من الاختبار السطحي إلى الحقول المرهفة من الاختبار إلى أن يتم تجاوز الاختبار المرهف ويكسب حالة الوعي التجاوزي. إنّ توجه العقل في هذا الاتجاه هو بسيط جداً وكأنه تلقائي؛ ومع دخوله في اختبار ذات طبيعة مرهفة، يشعر العقل بالانجذاب المتزايد لأنه يتوجه نحو الغبطة المطلقة. عندما يصل العقل إلى الوعي التجاوزي لا يبقى عقلاً واعياً؛ فهو يكسب منزلة الكينونة المطلقة. إن هذه الحالة من الوعي الصافي التجاوزي، المعروفة كذلك بالوعي الذاتي أو الإدراك الذاتي أو السمادي، تمثّل التغلغل الكامل للكينونة الكونية في العقل الفردي.
وبعد هذا التغلغل، وعندما، يخرج العقل ثانية إلى حقل النسبية، وكونه يعود مرة أخرى إلى حالة العقل الفردي، يتصرّف في حين يكون ثابتاً في الكينونة. يدعى مثل هذا العمل الكارما يوغا؛ إنه استناداً إلى الكارما يوغا يتم معيشة الكينونة التجاوزية في حقل النشاط. وعندما يبدأ عيش الامتلاء الكامل للكينونة في حقل النشاط، الحقل النسبي للحياة، عندئذ يكسب الفرد الحياة الأبديّة الشاملة في الحرية المطلقة. ذلك هو الوعي الكوني، جيفان موكتي. تلك هي الحالة التي منها يقول المولى: "فكرهم متحّد حقاً بالذات".
قد نقول أنّ هناك خطوة واحدة وحيدة على الطريق إلى هذه الحالة للوعي الكوني: الخروج من حقل العمل إلى المتعالي التجاوزي والعودة إلى العمل ثانية. هكذا نجد الإنسان يصل تطوره الأعلى على الطبقة التي يكون فيها. يجب عليه فقط أن يأخذ نفسه إلى الحقل الذي هو خارج العمل ويعود ثانية إلى حقله الطبيعي للنشاط. يغطس الفرد في البحر ويصل القاع ويجمع اللآلئ ويخرج من الماء للتمتّع بقيمتها – يتم القيام بالعمل الكامل في عملية غطس واحدة. تكمن تقنية الغوص فقط في أخذ الزاوية الصحيحة وبعد ذلك تركها تذهب في مداها؛ أما الوصول إلى القاع والمجيء باللآلئ يلي ذلك بشكل تلقائي.
إن ما يجب على الباحث عن الحقيقة أن يفعله فقط هو تعلّم كيف يأخذ الذاوية الصحيحة كي يغطس في الداخل. هذا ما سينتج عنه وعي الذات بشكل طبيعي جداً ، والذي بدوره يتطوّر إلى الوعي الكوني بطريقة طبيعية أكثر؛ إن العملية الكاملة تسير بذاتها.
إنّ حالة الوعي الكوني تشمل الوعي التجاوزي بالإضافة إلى من وعي النظام النسبي؛ إنها تجلب المنزلة الكونية إلى الحياة الفردية. عندما يحقق الوعي الفردي منزلة الوجود الكوني، وبالرغم من كلّ التعقيدات الواضحة للفردية، يكون الإنسان متحرراً بشكل دائم، من أي وجهة للزمان أو المكان أو المسبب، يكون أبداً خارج نطاق العبودية. هذه الحالة من الحرية الأبديّة، المعروضة هنا من حيث المبدأ، هي نتيجة ثبات العقل في حالة الوعي التجاوزي.
يخبر المولى أرْجونا بأنّه عندما يصبح ثابتاً في الحرية الأبديّة للذكاء القدسي، ستصبح حياته بشكل طبيعي مليئة بالمعاني. لهذا السبب هو لا يحتاج بعد للبحث عن معنى كلّ كلمات الحكمة التي قد يسمعها أو ربّما يكون قد سمعها، كما توضح الآية التالية.


الآية الثانية والخمسون

عندما يعبر فكرك مستنقع الضلال،
ستكسب صفة اللامبالاة لكل ما سمعت
ولكل ما سوف تسمع.

ينغمس أرْجونا بما تعلّمه عن الصواب والخطأ. لم تمنعه كلّ معرفته من الكتب المقدّسة من السقوط إلى حالة التعليق، ولم تحميه من أن يصبح غير ناشط. ما زال ممسوكاً في حالة التعليق. سيتغلّب على هذا فقط عندما يرتفع فكره فوق الثنائية ويصل إلى حقل الوعي التجاوزي الصافي.
إنّ حالة الإدراك هي خلف تعقيدات الفكرة والكلام والعمل؛ بوصوله إليها يرتفع الفرد حقاً فوق الشكّ والضلال.
يلخّص المولى هنا كلّ ما أخبر أرْجونا حتى الآن. لقد وصف إليه الحالة الحقيقية لليوغا، الحالة التي ترضي كل من الفكر والقلب لأنها وبجلب الاكتمال لكليهما، لا تترك أي فرصة للشكّ أو عدم الطمأنينة في أي المجال. إنّ التأكيد في هذه الآية على ممارسة الوصول إلى الوعي التجاوزي والسماح للفكر في كسب النقاوة. هذا ما سيعني اكتمال كلّ حكمة الحياة، لكلّ ما سمع في الماضي وكلّ ما يستحقّ سماعه في المستقبل. "لكل ما سمعت ولكل ما سوف تسمع" سيتم إلغائه باختبار الحقيقة، لأن كلّ السمع عن الحقيقة يكسب الاكتمال في اختبارها المباشر.
تأخذ هذه الآية الفرد إلى مستوى الحياة الخالي من المشاكل. إنها توضح الحالة التي سيكسب فيها الفرد "اللامبالاة"، وبذلك تظهر الطريق إلى "التخلي عن الارتباط"، كما هو مطلوب في الآية 48.

 

الآية الثالثة والخمسون

عندما يقع فكرك في حيرة في

النصوص الفيدية، سيقف بلا تأرجح،

ثابت في الذات، عندئذ ستبلغ اليوغا.

"النصوص الفيدية": يشير هذا إلى الآيات 42 إلى 44.
تشرح نصوص الفيدا حكمة الصواب والخطأ في المستويات المختلفة من التطوّر. فهي تجعل الحقل الكامل للحياة مفتوحاً، تاركة الإنسان يتخذ خياره في كيفية المضي قدماً على طريق تطوره. لذلك من الممكن جداً للعقل المتأثّر بالتعاليم الفيدية، وبوجود مثل هذا المدى الواسع من المعرفة تحت تصرّفه، أن يصبح محيّراً. لكن في المرة التي يلجأ فيها إلى طبيعته الخاصة، يقف العقل "ثابتاً". في هذه الحالة الحازمة، عندما يتجاوز الحقل الكامل للحياة النسبية، يكسب الوعي الذاتية، أي الإدراك الصافي؛ وعندما لا يفقد هذه الحالة الصافية للوعي تحت أيّ تأثير، تتحقق اليوغا، أو المهارة في العمل.
تشمل الحكمة الفيدية العبارات المختلفة عن الحقيقة، كما يتم رأيتها من وجهات النظر المختلفة وكما تعلّم في مدارس الفكر المختلفة. هذه النظريات المنوّعة تقصد بها إرضاء المستويات المختلفة للفهم البشري، إن غاية الفيدا هي في كونها من أجل تنوير الناس من كلّ الأنواع.
عندما يرى الفرد من المنظورات المختلفة في الأدب الفيدي، قد يرتبك باختلافات الرأي حول طريق الإدراك. لكن عندما يصل العقل إلى السمادي، أي الوعي التجاوزي، يكون قد وصل إلى هدف كلّ الطرق. فتقف هذه الحالة الحازمة للعقل في بلوغ الهدف بوضوح كامل، خالية من أيّ إرباك حول الطريق نحوها.
من مركز الحقيقة، يتم رؤية المحيط الكامل للحياة ليكون منسجماً جداً، لأنه عندما يجد المركز يصبح من الواضح أن يلتقي كل شعاع مهما بلغ عددها من المحيط نحو نقطة وحيدة. إذا لم يجد المركز، سينظر إلى كل شعاع بأنه منفصل عن الآخر من دون نقطة تجمّع مشتركة. لهذا السبب يؤكّد المولى على أهمية الاختبار المباشر للسمادي، أي الوعي الصافي. هذا الأمر وحده يمكنه أن يبدّد حيرة العقل.
إنّ غاية الآية الحالية هي في أن تقوّي التعاليم المعطاة من قبل المولى في الآية الخامس والأربعون؛ إنها ليست، وبأية طريقة، لدحض صلاحية المعرفة المتضمنة في النصوص الفيدية، ومن دونها لن يكون الرضا الفكري ممكناً. تصبح المعرفة الكتابية هامّة عندما يتم اختبار الحقيقة مباشرة.
تعني اليوغا هنا "مهارة العمل"، كما تم التعريف عنها في الآية الخمسين. يجعلها المولى سهلة جداً إلى أرْجونا الذي ما لم يصل عقله إلى الوعي التجاوزي أولاً، وما لم يكن الفكر بعد ذلك بلا تأرجح وثابت في هذه الحالة من الوعي الصافي، وبمعنى آخر، ما لم يبلغ الوعي الكوني، لا يستطيع الحصول على اليوغا، أو المهارة في العمل.
لكي يفهم بعمق أكثر كيف أن الوعي التجاوزي متوافق مع العمل ويسبّب المهارة في العمل، يسأل أرْجونا، في الآية التالية سؤال عملي جداً.

الآية الرابعة والخمسون

قال أرْجونا:
ما هي الدلائل التي تشير إلى الإنسان

الثابت فكره، المستغرق في الذات،

يا كيشافا؟ كيف يتكلم الإنسان صاحب

الفكر الثابت؟ كيف يجلس؟ وكيف يمشي؟

يظهر سؤال أرْجونا بأنّ الحديث وإلى هذه النقطة قد تم فهمه بشكل واضح جداً من قبله وبأن عقله متناغم مع فكر المولى كريشنا.
"كيشافا" تعني الشخص صاحب الشعر الطويل، المولى كريشنا. عندما يسأل أرْجونا عن "الدلائل" الخارجية لإنسان ذو الفكر الثابت، يخاطب المولى كريشنا باسم يشير إلى مظهره الخارجي. يريد أرْجونا معرفة الخصائص المتميّزة للإنسان ذو الفكر الثابت في كلا الحالتين، عندما يكون في أعماق ذاته، منسحباً من النشاط، وعندما يكون نشيطاً.
هناك طريقتان للحياة: تلك التي تخص رب البيت وتلك التي تخص الناسك. إن الكارما يوغا هي طريق رب البيت، بينما السانكهيا أيّ طريق المعرفة، هي للناسك. يحقق هذان النوعان من الرجال حالة الفكر الثابت، وبعد بلوغها، يرتفعا فوق تعقيدات الحياة والمجتمع. تمثل حياتهما الجمع بين الوجود الفردي والكوني. إن الحرية التي يعيشونها والاستشراف الكوني الذي يتحلّون يلهم المجتمع الذي ينتمون إليه. إن حياتهما هي التعبير عن تلك القيم النهائية التي هي أساس القيم الاجتماعية لكلّ زمن. حيثما يكونان، أكانا مشغولان في السوق، أو صامتان في كهف في الهملايا، يكونان النور الهادي للجنس البشري. يسأل أرْجونا عن بعض الدلائل، عن بعض العلامات المميّزة لمثل هذه الأنفس. كونه رجل عملي فهو يريد معرفة الدلائل الخارجية لحياة الاكتمال الداخلي.
يظهر السؤال بأنّ عقله هو أوضح في هذه اللحظة مما كان في بداية هذا الفصل، عندما لم يستطع أن يفكّر بشكل حاسم. إنه يشير أيضاً إلى قوّة تعاليم السانكهيا واليوغا لتوضيح عقل الإنسان ورفع وعيه.
يستمع أرْجونا إلى المولى كريشنا بشكل هادئ. إن الحديث في ثلاثة وأربعون آية (من 11 إلى 53) قد حوّل حالته في التعليق إلى أفكار ذات طبيعة ملموسة. لم يعد منشغلاً بأفكار الحزن، يرتفع عقله الآن ليسأل عن الوجهة العملية للحالة المتكاملة للحياة. وقد حدث هذا التحويل في غضون خمسة أو عشرة دقائق، الوقت المطلوب لتكلّم هذه الآيات.
لقد تمت الإجابة على سؤاله في الآيات الثمانية عشر التالية، التي تقدّم خصائص الرجال المدركين الذين اكتسبوا الفكر الثابت، سواء بترك العمل من خلال معرفة السانكهيا، أو عن طريق الكارما يوغا.

 

 
الآية الخامسة والخمسون

قال المولى المبارك:
عندما يبتعد الإنسان بالكامل عن كل

الرغبات التي تغلغلت (بعمق) في العقل،

يا بارتا، وعندما يكون راضياً في الذات

من الذات وحدها، عندئذ يقال عنه ثابت الفكر.

يخاطب المولى كريشنا هنا أرْجونا منادياً إياه "بارتا". هذا من أجل الحفاظ على مدّ الحبّ الذي ينتج عن استعمال هذه الكلمة ذاتها التي استعملها عندما تكلّم مع أرْجونا للمرة الأولى على ساحة المعركة. الآن وعندما وجد المولى عقل أرْجونا يفكّر على مستوى عملي أكثر، لا يزال يريد أن تبقى صفات قلب أرْجونا على ارتفاعها وأن لا تحجب بأولئك الصفات للعقل.
تقدّم هذه الآية "الفكر الثابت" في حالة السمادي، أي الوعي التجاوزي، وأيضا في حالة نيتيا- سمادي، أي الوعي الكوني؛ في كلا الحالتين يكسب العقل تلك الحالة التي يكون فيها "قد أبعد كلّ الرغبات بالكامل التي تغلغلت (بعمق) في العقل".
عندما يكسب العقل خلال ممارسة التأمل التجاوزي الوعي التجاوزي، يكون بالكامل خارج حقل الرغبات. هذا هو "الفكر الثابت" في حالة السمادي.
كيف يتم المحافظة إذاً على "الفكر الثابت" في نيتيا- سمادي، عندما يظلّ العقل الثابت في الوعي الصافي، منشغلاً في حقل العمل؟ لأنه وفي هذه الحالة، قد تحوّل العقل إلى وعي الغبطة، يتم العيش في الكينونة بشكل دائم كونها منفصلة عن النشاط. ومن ثمّ يدرك الإنسان بأنّ ذاته هي مختلفة عن العقل المشغول بالأفكار والرغبات. إنه يختبر الآن بأن العقل، الذي كان قد تحدد بالرغبات، يتحدد بشكل رئيسي مع الذات. إنه يختبر رغبات العقل كأنها موجودة خارج ذاته، حيث اعتاد على اختبار ذاته كأنها مرتبطة بالرغبات بالكامل. من المؤكد أن تستمر الرغبات على سطح العقل، لكن في الأعماق الداخلية للعقل فهي غير متواجدة، لأن أعماق العقل تتحوّل إلى طبيعة الذات. لقد تم قذف كلّ الرغبات التي كانت موجودة في العقل صعوداً، وإذا جاز التعبير – لقد ذهبوا إلى السطح، وفي داخل العقل، يكسب الفكر المرهف منزلة لا تتأرجح ولا تتحرك. لقد رست "براغيا" في "كوتاستها". هذا هو "الفكر الثابت" في حالة نيتيا- سمادي، أي الوعي الكوني.
هكذا يكسب الفكر المتأرجح قاعدة مستقرّة جداً، وكنتيجة لذلك يتم إدارة حقل النشاط بكفاءة عظيمة. من الخطأ جداً التفكير بأن الفرد الذي اكتسب هذه الحالة يبقى غارقاً في القصور الذاتي ولا يلتزم بالعمل. هذه الحالة من الحياة بمثابة الحفاظ على حرية الكينونة الداخلية، فتبقيها غير متورطة بالنشاط، وفي الوقت نفسه تتعامل مع كلّ الأعمال بشكل كفء جداً وبنجاح.
إنّ كلمة "عندما" هي مهمة جداً. فهي تشير أنّه يقال عن الفرد أنه صاحب "الفكر الثابت" فقط عندما يكسب الفرد الوعي التجاوزي، حالة الانفصال عن النشاط؛ أو عندما يكسب الفرد الوعي الكوني، الحالة التي يحافظ فيها الفرد على الوعي الذاتي حتى مع حالات وعي اليقظة والحلم والنوم، وحيث تبقى الذات، أي الكينونة غير محجوبة بأيّ اختبار على الإطلاق.
من الخطأ الاستنتاج بأن الناسك وحده، الذي ترك كلّ الرغبات الدنيوية، يمكنه أن يبلغ هذه حالة "للفكر الثابت". يمكن اكتسابها من قبل أي فرد من خلال ممارسة التأمل التجاوزي.
إن طريقة الحياة النسك ليست بالضرورة أن تنتج الظرف الذي فيه " يبتعد الإنسان بالكامل عن كل الرغبات التي تغلغلت (بعمق) في العقل". إنّ الحالة الموصوفة في هذه العبارة ليس لها علاقة بأيّ طريقة معيّنة للحياة، يشير المولى كريشنا بشكل واضح إلى الحالة التي فيها يكون الفرد خالياً من الرغبات و"راضياً في الذات". ويتم بلوغ ذلك بسهولة من قبل أي فرد يعرف كيف يتأمّل ويتجاوز النسبية، سواء كان ناسكاً أو رب بيت، سواء تأمّل في القصر أو الكهف.
يقول شانكرا الذي هو المفسر العظيم لفلسفة الحياة المتكاملة، في تفسيره لهذه الآية: "بالاختبار المباشر لإكسير الغبطة لحقيقة المتجاوز، يحفظ الفكر الثابت نفسه بشكل مطلق من دون أيّ شيء ما عدا ذاته". ومرة يعرّف عن رجل الفكر الثابت في الكلمات التالية: "إن من يكون عقله مولوداً من إدراك التمييز بين النهائي وغير النهائي، هو مستقرٌ؛ إنه رجل الفكر الثابت. إن الفهم الفكري المكتسب من التحليل والتمييز بين الأوجه النهائية وغير النهائية للحياة لا تنتج حالة الفكر الثابت. تبقى مثل هذه الممارسات كما يفعلون على مستوى التفكير، يمكنها أن تخلق، في أحسن الأحوال، مزاجاً للعقل؛ إنها بالتأكيد لن تنتج الحالة العقلية التي تدعى "الفكر الثابت". ينتج هذا فقط من الاختبار المباشرة للوعي الصافي إلى مثل هذا الدرجة من الوضوح التي يتم فيها إدراك الاختلاف بين "النهائي" و "غير النهائي" بشكل واضح ويتم تقديره على المستوى الفكري أيضاً.
هكذا يعتقد شانكرا بوضوح أنّ هذه الحالة للفكر الثابت تنتج بممارسة تجاوز النسبية، كما تم التعبير عنها في الآية 45، وليس بمجرّد ترداد الكلمات حول ذلك أو بمجرّد محاولة فهمها. إنّ عملية الاختبار تختلف كثيراً عن تلك التي تتطلب التمييز الفكري بين الحقيقة وعدم الحقيقة.
يجب أن يكون ذلك كافياً لإزالة سوء الفهم الذي خلقه المفسرين أو المترجمين للبهاغافاد غيتا الذين يعقدون بأنّ النساك فقط هم من يتمكن اكتساب الفكر الثابت، هذه النظرة هي المسؤولة عن الانحطاط الروحي في المجتمع الحديث. لسوء الحظ، لقد تم إساءة فهم وجهة نظر شانكرا الخاصة من قبل المفسرين الذين تعهّدوا بنشر فلسفته. يبدو أنهم أضاعوا الجزء المركزي للحياة الروحية - الوعي التجاوزي والطريق المباشر إلى إدراكه. وكنتيجة لذلك، اعتبروا بأن كلّ شيء يستهدف تفسير عملية التجاوز ينتمي إلى طريق الزهد وينسب إلى طريقة التنسك في الحياة. يلقي هذا الضعف في البصيرة في المبدأ بمحور الحياة الروحية على نظام التنسك، وبذلك منع رب البيت من المكاسب الروحانية، وقذف كلّ الإنسانية خارج الملتقى.
لا تدوّن هذه الآية أيّ إشارة خارجية للإنسان صاحب الفكر الثابت الذي هو ثابتٌ في الذات، لأنه من غير الممكن أن يكون هناك أي أيّ إشارة خارجية لتظهر أن الإنسان مستغرقاً بعمق في داخل ذاته. لا يمكن الحكم على الحالة الداخلية لمثل هذا الإنسان بالإشارات الخارجية. لا يمكن القول بأنّه يجلس على هذا النحو أو ذاك، أو أنّه يغلق عينيه بأيّ أسلوب معيّن. لا يمكن لمثل هذه الإشارات الخارجية أن تعتبر بأنها معايير لهذه الحالة.
يمكن للإنسان أن يجلس بأيّ أسلوب ويدخل في أعماق ذاته ويكون في وعي الغبطة. قد يقال أنه عندما يدخل شخص ما في السمادي يصبح وجهه أكثر توهّجاً وهدوءاً، لكن لا يمكن أن يقاس ذلك بأيّ معيار ثابت. لهذا السبب لا يدخل المولى في الحديث عن أيّ من هذه الأوصاف. إن الإشارات الواردة هنا هي ذاتية فقط. إنها تتعلّق بالظروف الداخلية للعقل كما أشير إليها بالقول: "يبعد عن كل الرغبات" و "يكون راضياً في الذات".
تكشف هذه الآية أساس الفكر الثابت: إدراك الكينونة في الوعي التجاوزي أو في الوعي الكوني. تظهر الآية التالية طبيعة الإنسان الذي اكتسب الفكر الثابت. تصف الآية 57 طبيعة الوسائل التي يتصرّف بها في حالة الفكر الثابت: عدم التعلق. وتوضّح الآية 58 طبيعة نشاطه في هذه الحالة: حواسه منسحبة من مدركاتها. وأخيراً، تشير الآية 59 إلى التأثير غير المرئي على الفكر الثابت. إنها تظهر بأن الحواس ليست منسحبة من مدركاتها فقط، بل يختفي تذوقها أيضاً لهذه المدركات عندما يكشف العلي ذاته إليها في عظمته غير المحدودة - عندما يجيء العلي كي يعيش على المستوى الحسّي للوجود. تكشف هذه الآيات الخمس سويّة أسس "الفكر الثابت".
 

Back السابق Home المدخل Up فوق Next التالي