|
الآية السادسة
والخمسون
إن من لا يضطرب عقله وسط الأحزان،
ومن يتحرّر من التشوّق وسط الرغبات
والملذات، من رحلت عنه صفات التعلّق
والخوف والغضب، هو من يسمى
حكيماً ثابت الفكر.
"الحكيم" (موني) يتم التعريف عنه في هذه الآية.
يبدأ المولى بإجابة سؤال أرْجونا حول الإنسان صاحب الفكر الثابت، الذي
يحافظ بشكل طبيعي على التوازن في العقل في حين يواصل التصرّف في حقل الوجود
النسبي. لا تؤمن الآية أيّ إشارات ذات طبيعة موضوعية، لكنّها تصف الوجهة
الذاتية للإنسان صاحب الفكر الثابت.
تماماً مثل المليونير الذي يملك ثروة كبيرة فيبقى غير متأثّر بصعود السوق
أو هبوط ، كذلك يبقى العقل الذي اكتسب حالة وعي الغبطة خلال التأمل
التجاوزية بشكل طبيعي مطمئناً عند الخروج من الحالة التجاوزية إلى حقل
النشاط. هذه الطمأنينة، الراسخة في الطبيعة الحقيقية للعقل، لا تسمح للعقل
أن يتردّد ويكون متأثّراً بالمتعة أو الألم، ولا يسمح له أن يصبح متأثّراً
بالارتباط أو الخوف في العالم. هذه الرصانة والاتزان الطبيعي للعقل، حتى
عندما يكون منشغلاً بشكل نشيط، هي حالة الفكر الثابت.
تظهر "الأحزان" في العقل من خلال الحاجة للفهم. عندما يفهم الفرد مقداراً
قليلاً من الحياة وليس أكثر، مفتقراً إلى رؤية المدى الكامل للحياة، يشعر
الفرد بالحزن. لكن الرجل الذي يفهم كلّ من المرحلة الأبديّة الثابتة للحياة
والطبيعة التي لا تنتهي للدورة الدائمة التغيّر للحياة والموت سيدرك
الطبيعة العابرة للحزن ولا يكون مغموراً بها.
إن شعور الحزن في القلب، بأنه متميّز عن العقل، هو بسبب قلة بالاكتمال وقلة
الحبّ وقلة السعادة. إن من يمارس التأمل التجاوزي يختبر الغبطة التي تملأ
القلب وتجلب الطمأنينة الأبديّة، التي لن تفسح المجال لأيّ عاطفة سلبية،
للحزن أو الكآبة أو الخوف أو ما شابه ذلك. كما لا تفسح المجال لموجات
البهجة أو العواطف الإيجابية الأخرى لأن القلب ممتلئ طبيعياً بالطمأنينة.
إنه مثل قلب الرجل البالغ الذي لا يتأثّر باللعب التي تخلق العواطف الكبيرة
في قلوب الأطفال.
يرفع اختبار الوعي التجاوزي وعي الإنسان إلى المستوى حيث يجد فيه ذاته
منفصلة بالكامل عن كلّ نشاط، ومن الطبيعي أن تتغيّر قيمه. تختلف قيم الحياة
في المستويات المختلفة من التطور. لهذا السبب، عندما يُنظر إلى السلوك
الطبيعي للإنسان صاحب الفكر الثابت، المثبت على مستوى الوعي القدسي، من
المستوى العادي للوعي البشري، يبدو مختلفاً وأكثر من الوضع الطبيعي – يكون
غير متأرجح بالمتعة والألم والخوف والغضب.
إنّ أساس مثل هذه الحالة الخالية من التعلق للحياة يتم شرحها في الآية
التالية.
الآية السابعة
والخمسون
إن من ليس له ولع مفرط بأي شيء،
من لا يبتهج أو لا يرتد عند كسب
ما هو حسن أو سيئ، يكون عقله ثابتاً.
إن الإنسان الذي يثبت عقله في أحادي وعي الغبطة يعرف من اختباره أنّ ذاته
منفصلة عن كلّ نشاط. يتصرّف في حقل النسبية، لكن لا يمكن لاختباره أن يحدث
عنده أيّ انطباع عميق. لهذا السبب يبقى مستقيماً بشكل طبيعي في مظهره
وسلوكه مع الآخرين، حتى حينما يختبر الطبيعة المتنوّعة للعالم.
لقد قدّم الكثير من المفسرين لهذه الآيات الفكرة بأنه من أجل تحقيق حالة
الفكر المثبت يجب على الفرد أن يحاول أن يكون محايداً وبعيداً عن التعلّق.
لكن في حقل السلوك واختبار الإجهاد في المحاولة ليكون محايداً وبعيداً عن
التعلّق، ومحاولة تصنّع مزاج الرصانة والتوازن في المتعة والألم، يجلب فقط
الضواغط غير الطبيعية التي لا داعي لها إلى عقله، ما يؤدّي إلى تطوّر حالة
مشوّهة وغير طبيعية من الشخصية الداخلية. لقد تسبب هذا النوع من الممارسة
في جلب البلادة والتصنع والتوتّر إلى الحياة باسم التطور الروحي؛ فقد أفسدت
تألق الكثير من العباقرة في كلّ جيل لقرون سابقة. وكنتيجة لذلك، نمى في
المستويات الذكية في المجتمع في كافة أنحاء العالم نوع من الخوف من الحياة
الروحية، التي ذهبت إلى حدّ بعيد إلى أن الشباب والنشيطين يواجهون اليوم
الجدل المحرج حول الممارسات الروحية.
في إجابته على سؤال أرْجونا، أراد المولى أن يطمئنه بأنه من خلال ممارسة
التأمل التجاوزي، يصبح العقل متشرباً للذكاء والغبطة القدسية. وفيما بعد،
حتى حينما يتصرّف الفرد في العالم، تبقي حالة الرصانة بشكل طبيعي.
لا يمكن تفسير هذه الآية من باب تصنع المزاج، أو السيطرة على العقل في
محاولة عيش المساواة بشكل منطقي. إنها تظهر بأن الإنسان صاحب الفكر الثابت
هو بطبيعته راسخ في عدم التعلق.
لسوء الحظ، ذهب بعض المفسرين إلى هذا الحدّ في إساءة الفهم لحقيقة لهذه
الآية بالنسبة إلى حدّ الامتناع عن التمتّع بالزهرة المتفتحة بالكامل أو
الرفض الكامل لزهرة باهتة. وهذا الطريقة في جعل حياة باردة ومجردة من صفات
القلب قد تم التوصية بها كونها طريقة كسب ثبات الفكر. إنها عمل وحشيّ
للحياة!
من الخطأ تقليد سلوك الإنسان المدرك في حين لا نزال في الحالة عدم الإدراك.
إذا رفع رجل فقير شعار الرجل الغني وحاول أن يتصرّف مثله، من الممكن أن
يؤدّي ذلك إلى التوتّر فقط. بتقليد سلوك الرجل الغني بشكل سطحي، لا يمكنه
أن يصبح غنياً. وبنفس الطريقة، لن يعطي سلوك الإنسان صاحب الفكر الثابت أي
معيار للفرد الذي لم يثبت فكره بعد. إذا حاول السير في طريقه، ستصبح حياته
باردة ومحرومة من صفات القلب والعقل. لقد كان هذا قدر الكثير من الباحثين
المخلصين عن الحقيقة عبر العصور. إن التفسيرات الخاطئة لمثل هذه الآيات،
الموجودة في كلّ النصوص تقريباً، هي المسؤولة عن المحنة الروحية لأجيال غير
معدودة.
لا يجب أن ننسى بأنّ هناك طريقتين للحياة، تلك التي تخص رب البيت أو التي
تخص الناسك. سيستمرّ الناس من كلتا الطريقتين الذين يتأمّلون ويصلون إلى
حالة الفكر الثابت في طرق حياتهم الخاصات. ينتمي رب البيت طبيعياً، إلى حقل
النشاط بكلّ تنويع الوجود الظاهري، ويواصل التصرّف في العالم، في حين
يستمرّ الناسك ابتعاده عن الشؤون الدنيوية. تجلب حالة الفكر الثابت ببساطة
لهما الاكتمال. يرتفعان فوق التعلّق وعدم التعلق، يجدا حياتهما على مستوى
الخلود، غير محدودين بأيّ قيود للزمان والمكان والسببية، بعيدا فوق حدود
أيّ روابط أو التزامات اجتماعية. إن حياتهما هي في الوعي الكوني. هما فوق
اختلاف النهار والليل: اليقظة أو النوم هما ثابتان في وحدانية الذكاء
والغبطة القدسية. إن هذا العالم من البهجة والحزن، من عظمة المغامرة
والطموح عند الإنسان، بالنسبة لهما مثل عالم الدمى واللعب الذي به يلعب
الأطفال ويمتعون أنفسهم. إن الألعاب هي مصدر الحماس الكبير للأطفال، لكن
البالغين يبقون غير متأثّرين بها. يبقى الإنسان صاحب الفكر الثابت مستوياًُ
ولا يبتهج أو يرتدّ "عند كسب ما هو حسن أو سيئ"
من ليس له ولع مفرط" تعني أنه لا يتعلق كثيراً بشكل عاطفي. لكن هذا لا يشير
ضمناً إلى أنّ الإنسان صاحب الفكر الثابت هو بارود ويفتقد إلى دفء القلب.
بل وعكس لذلك، إنه وحدة إنساناً ذات قلب كامل. إنه بحراً غير محدود من
الحبّ والسعادة. يتدفق الحبّ السعادة عنده وتفيض لكلّ شخص بطريقة مشابهة؛
لهذا السبب ليس له "ليس له ولع مفرط بأي شيء ".
يمكن القول بأنّ طبيعة عدم التعلق والثبات للإنسان صاحب الفكر الثابت،
الموصوفة في الآية السابقة، تستند على مبدأ عدم الارتباط، كما يتم تعليمها
في هذه الآية. تنمو مثل هذه الصفة لعدم التعلق بشكل طبيعي مع نمو الوعي على
الذات بأنها منفصل عن النشاط. هذه الحالة الطبيعية ذاتها لعدم التعلق هي في
أساس النشاط في حالة الفكر الثابت حتى عندما تبقى الحواس "منسحبة" من
مدركاتها، كما تعرض في الآية التالية.
الآية الثامنة والخمسون
وعندما يسحب مثل هذا الإنسان
حواسه من مدركاتها، كما
تسحب
السلحفاة أطرافها من
كلّ الجوانب،
يكون فكره ثابتاً.
تصوّر هذه الآية حالة الحواس للإنسان صاحب الفكر الثابت بالمقارنة مع
الأطراف المنسحبة إلى الداخل للسلحفاة التي تبدو من خارج أنها ليس لديها
أية أطراف بتاتاً. بهذا المثل، يشير المولى أيضاً إلى أنّه ليس من الممكن
التعبير بشكل صحيح عن الإشارات الخارجية أو العلامات المميّزة للإنسان
الثابت الفكر. لكن هناك على الأقل شيء واحد واضح – إن حواسه مسحوبة إلى
الداخل، فهي ليست متجهة في الاتّجاه الخارجي.
يظهر بأنّ الإنسان صاحب الفكر الثابت المشار إليه في هذه الآية هو فقط من
هو في حالة الوعي التجاوزي، لأنه في هذه الحالة وحدها تكون الحزاس منسحبة
بالكامل من مدركاتها. لكن "يسحب حواسه" لا تعني بالضرورة بأنّ الحواس لا
تختبر المدركات الخارجية، كما في حالة الوعي التجاوزي. يمكن للحواس أن
تتورط في الاختبارات الخارجية وأن لا تكون مستغرقة كلياً بها إلى حدّ أنّ
تحوّل إلى العقل انطباعات عميقة تكون كافية لتصبح بذرة الرغبات المستقبلية.
من المهم جداً فهم الآية بهذه الطريقة؛ وإلا، قد يتوجب على الإنسان صاحب
الفكر الثابت أن يبقى إلى الأبد خارج مجال النشاط الحسّي، ما هو مستحيلٌ
جسدياً. إن الفكر الثابت له، في الحقيقة، القليل لقيام به من نشاط الحواس
أو عدم نشاطها؛ تكمن أسسه في الحالة الطبيعية لعدم التعلّق كما هي موصوفة
في الآية السابقة. إنها سهلة، لذلك، إن الآية الحالية لا تشير إلى الوعي
التجاوزي وحده بل تشير أيضاً إلى الوعي الكوني، حيث أنّه ممكناً للحواس أن
تكون في حالة عدم التعلًق حتى عندما تكون نشطة.
يؤكّد المولى هنا بأنّه في حالة الفكر الثابت تبقى الحواس وكأنها منسحبة من
مدركاتها كونها متحررة من التجاذب نحوها. عندما يكون العقل محدداً بشكل
رئيسي مع الكينونة الداخلية، لا تربط الحواس ذاتها بمدركاتها. علاوة على
ذلك تظهر الآية المقبلة بأنّه عندما تتعرّض الحواس إلى العظمة غير المحدودة
الأسمى، فهي تفقد طعم مدركاتها. هذا ما يوضح بأنّه عندما تملأ الكينونة
المتجاوزة العقل ويبدأ عيشها على المستوى الحسّي، يكون الفكر ثابتاً.
إنه هذه الحالة هي مختلفة جداً عن حالة عدم الانغماس للحواس، التي بالتأكيد
ليست بالمعيار المطلق للفكر الثابت. إن الإنسان الذي، وبسبب بعض الظروف، لا
يتمتّع بمدركات الحواس قد يبدو مثل السلحفاة المنسحبة إلى الداخل، بالرغم
من أن العقل في الداخل قد يكون نشيطاً، ومستغرقاً بشكل هادئ في فكرة بهجة
الحواس. إن مثل هذه الحالة العقلية من الواضح أنها ليست الحالة الحازمة؛
إنها ليست الفكر الثابت.
إن المبدأ المشروح هنا لا يعتمد على ما إذا كانت الحواس نشيطة أم لا. إنها
تكشف الظرف الداخلي لعدم التعلق، على المستوى الحسّي، في حالة الفكر
الثابت.
الآية التاسعة والخمسون
تبتعد مدرَكات الحواس عنه من لا يغذّّيها،
ولكن تذوّقها يستمر، وعند رؤية الأسمى
حتى هذا التذوّق يتوقف.
"لكن تذوّقها يستمر" تعني بأنّ العقل يواصل اختبار المدركات من خلال
المستويات الأدق للحواس. وبهذا تمييز بين الحقول السطحية والحقول المرهفة
للإدراك الحسّي، يقصد المولى أن يقول بأنه في حالة الفكر الثابت حتى أن
القدرات الأدق للحواس تبقى منفصلة عن المدركات.
تقدّم هذه الآية التحدي إلى الفلسفة الكاملة للسيطرة على الحواس. إنها تظهر
بشكل واضح بأنّ الحواس لا يمكن السيطرة عليها من مستواها الخاص.
في حقل الحواس، تسود الحواس. فهي تسحب العقل نحو مدركاتها، نحو البهجة في
العالم. لكن، لا تقدر أي من مدركات الحواس، على إرضاء شوق العقل للسعادة.
لذلك يبقى العقل دائم التجوال في حقل الحواس. فقط عندما يتم كسب حالة الفكر
الثابت ويتوقّف العقل عن التجوال، يمكن السيطرة على الحواس.
من الخطأ الإعتقاد بأنه ما لم يتم السيطرة على الحواس لا يستطيع الفرد أن
يدرك الحقيقة. في واقع الأمر، إن الحديث هو حقيقي، طبقاً لهذه الآية، تقع
الحواس تحت السيطرة الكاملة فقط عندما يتم تقدير نور الإدراك - فقط عندما
يتم تقدير الذات المتجاوزة، أو الكينونة، على مستوى الحواس.
قادت التفسيرات الخاطئة لهذه الآية وغيرها من الآيات العديد من الباحثين
الأصيلين عن الحقيقة لاعتمادهم ممارسات صارمة وغير طبيعية لكي يسيطروا على
الحواس، هكذا هدروا حياتهم ولم يفيدوا أنفسهم ولا آخرون. إن التحكم بالحواس
يكتسب فقط من خلال حالة الفكر الثابت، لأنه في هذه الحالة التي يكون فيها
الإنسان ثابتاً في إدراك الذات بأنها منفصلة عن النشاط، يكون سلوكه غير
متأثّر بشكل طبيعي جداً من التأثير الحاجب للحواس. في نهاية هذا الفصل،
يستنتج المولى بأنّه عندما يشوش السلوك في الحقل الحسّي بأية حال حالة
الفكر الثابت، ويتصرّف الفكر الثابت كسيد للحواس، تكون الحالة الأعلى
لتطوّر الإنسان قد تم بلوغها.
"عند رؤية الأسمى": عندما يتجاوز الفكر حقل الغونات الثلاثة ويدرك الحقيقة
المتجاوزة. ما يعني، كسب الوعي التجاوزي. عندما يتم المحافظة على هذه
الحالة من الوعي التجاوزي حتى عندما تكون الحواس نشيطة، تخلق حالة يحل فيها
المتجاوز لكي تتم معيشته بشكل طبيعي على مستوى الفهم الحسّي. عندئذ يقال
بأن الإنسان قد اكتسب حقاً الفكر الثابت.
الآية الستّون
تجرّ الحواس المضطربة، يا ابن كونتي،
العقل بالقوة، حتى
للإنسان البصير
الذي يسعى (إلى السيطرة
عليها).
يصف هنا المولى لأرْجونا طبيعة الحواس. كونها الآلات التي تمكّن العقل في
التمتّع بمجد التنويع في الخليقة، فهي مقيدة بعملها على سحبه نحو أغراض
المتعة. إن غايتها الرئيسي هي جلب السعادة الأكبر الممكنة إلى العقل. وهذا
ما ستستمرّ في القيام به طالما لم يصبح العقل مطمئناً بشكل أبدي في غبطة
المطلق.
إن كيفية الاستخدام الأفضل للحواس لكي تصل إلى اختبار الغبطة الأبديّة يتم
وصفها في الآيات التالية. |