|
الآية الحادية
والستّون
بعدما وضعها جميعها تحت السيطرة،
دعه يجلس متوحداً، ينظر إليّ كأني الأسمى؛
لأن فكره قد ثبت من أخضع حواسه.
تشرح الآية السابقة طبيعة الحواس وتأثيرها القاهر على العقل، بينما تصوّر
الآيات التالية الأخطار التي تنتج عن انغماسها عندما لا يتم المحافظة على
مستوى التجاوزي المتعالي. في هذه الآية، يعطي المولى الأمل من خلال إظهار
أنه من الممكن السيطرة على الحواس وبأنّ "فكره قد ثبت من أخضع حزاسه".
يقول المولى: "بعدما وضعها جميعها تحت السيطرة، دعه يجلس متوحداً، ينظر
إليّ كأني الأسمى". هذا ما ينفتح الطريق إلى أنه عندما يتم جلب الانتباه
إلى المتعالي التجاوزي، يتوقّف نشاط الحواس ويتم السيطرة عليها تلقائياً.
في هذه الحالة من الحياة، يقول المولى، "دعه يجلس متوحداً، ينظر إليّ كأني
الأسمى".
إنّ تقنية وضعها "جميعها" تحت السّيطرة هي في إشغال أي حاسة واحد في تزويد
السعادة المتزايدة للعقل على طريق التجاوز – وذلك، في البدء بممارسة التأمل
التجاوزي. في هذه العملية يتجاوز العقل الاختبار المرهف، مستخدماً حاسة
معيّنة لعبور المستويات الأدق للاختبار وتجاوز الاختبار المرهف، يتجاوز حقل
أيضاً تلك الحاسة وحقول كلّ الحواس. وباكتساب وعي الغبطة بهذه الطريقة،
يربح العقل السيطرة التلقائية على جميع الحواس.
"دعه يجلس متوحداً، ينظر إليّ كأني الأسمى": إنّ الإنسان الذي يجلس متّحداً
هو من تكون ذاته متّحد مع الذات الكلية، أو الكينونة بالرغم من انشغاله في
النشاط. من خلال الممارسة المتكرّرة للتأمل التجاوزي التي أدرك بها
الكينونة بمثل هذا الامتلاء التي لا يحجبه أي نشاط؛ وبمعنى آخر، أدرك
الكينونة أنها منفصلة عن النشاط. وبعد أن كسب هذه الحالة، يقول المولى، دعه
يحافظ عليها وفي تلك الحالة يكون مكرّساً لي، السيد لكلّ الخليقة، الذي
يترأّس الوجود بالناحيتين: المطلقة والنسبي.
إنّ التعاليم هي في أنه، بعد كسب الوعي الكوني وبالتالي خلق حالة يبقى فيها
كلّ من العقل والحواس منظّمة بشكل طبيعي، مستخدماً إمكانيتها الكاملة
لاكتمال الرغبات التي تعزز الحسنة في العالم، على الإنسان أن يكرّس نفسه
إلى الله ويدع قلبه يتدفق ويفيض عاشقاً له، بأنه المولى العظيم للكلّ. إنه
وحده الذي يمكن أن تستدير إليه الحياة في الوعي الكوني؛ لأنه، وكونه القدير
وكلي العلم، يصنّف في مرتبة أعلى من الحياة في الوعي الكوني. إن غاية هذه
التعاليم للولاء إلى الله على ذلك المستوى العالي حيث وصل الإنسان إلى قوته
الكامنة الكاملة أن تمكّنه على اختبار الموجات الكبيرة للغبطة في بحر الوعي
الكوني – إنه اختبار ذلك الامتلاء لبهجة للحياة الأبديّة التي تجلب
الاكتمال الكامل لوجوده.
الآية الثانية
والستّون
بالتفكّر في مدرَكات الحواس،
يُنمي الإنسان تعلّقه بها؛ ومن
التعلّق تنبع الرغبة، وتسبّب
الرغبة الغضب.
تصوّر هذه الآية الفرد الذي لم يستدير نحو القدسيّ، لكنه يستدير نحو مدركات
الحواس. يظهر المولى كيف أن مثل هذا الإنسان يغرق بعمق أكثر فأكثر في
مستنقع الوهم حتى يهلك.
إن الفكرة هي قوة عظيمة في الإنسان. إنها تتطوّر في الرغبة، التي بدورها
ترجم نفسها في العمل، جالبة المجد أو الخزي. ينشأ "الغضب" عن الضعف أو عدم
القابلية على اكتمال رغبات الفرد، بالرغم من أنّه ينسب ذلك عموماً إلى
العقبات في طريق مثل هذا الاكتمال. وهكذا يقال أن الرغبة هي السبب المباشر
للغضب.
الآية الثالثة
والستّون
من الغضب يأتي الضلال؛ ومن الضلال
عدم استقرار الذاكرة؛ ومن عدم استقرار
الذاكرة يتشتت الفكر، وبتشتت الفكر
يهلك الإنسان.
يثير الغضب العقل، الذي يفقد توازنه وقوّة التمييز؛ إنه يفقد الرؤية
والبصيرة الصحيحة والحس الصحيح للقيم. تحجب هذه الحالة من "الضلال" مسار
الذاكرة، وبذلك يشعر الفرد كما وأنّه منقطعاً عن الإيقاع المنسجم للحياة.
تفشل الحكمة، ويتوقّف الفكر عن العمل. يُترك مركب الحياة دون سيطرة؛ فتلاقي
الكوارث كأمر طبيعي.
إنّ الفكر هو الوجهة الأكثر رقة لطبيعته الفرد الذاتية. طالما يكون الفكر
سليماً يكون هناك كلّ أمل لتقدّم واكتمال الحياة. لهذا السبب يقول المولى
بأنّ تشتت الفكر يؤدّي إلى هلاك الإنسان.
الآية الرابعة
والستّون
ولكن من هو ذاتي الانضباط، من يتنقّل
بين مدرَكات الحواس،
وحواسه متحررة
من التعلّق بها ومن
الكره لها وتحت
سيطرته الخاصة،
يصل إلى النعمة.
"النعمة" هنا تعني البهجة والشمولية، الناتجة عن حالة الوعي الصافي.
تتغاير هذه الآية عن الآيتين السابقتين. بعد أن شرح إلى أرْجونا محنة أولئك
الذين يسلّمون أنفسهم إلى نداء الرغبة من بدون امتلاك السيطرة على الحواس،
يظهر له المولى، في هذه الآية، المكافأة التي يكسبها الإنسان يضبط ذاته قبل
الغوص إلى الحياة الدنيوية.
يوضّح المولى هنا منزلة الإنسان المتكامل. إنه ثابت في الذات، واستنادا إلى
ذلك، حتى عندما يعمل في حقل الحواس ويختبر مدركاتها، لا يضيع فيها؛ محافظاً
على منزلته في الكينونة، إنه يحافظ بشكل طبيعي جداً على تساوي العقل. يكون
إحساسه بالقيم متوازناً. يعمل في العالم، ولا يضيع فيه. إنه فوق التعلّق
وعدم التعلّق، مطمئناً في ذاته، غير مقيّد بأيّ شيء.
إنّ نتائج الوصول إلى هذه الحالة من الحرية الممتلئة بالغبطة يتم وصفها في
الآيات التي تتبع.
الآية الخامسة
والستّون
يولد في النعمة السكون يجد نهاية لكل
أحزانه. وحقاً سيصبح فكر الإنسان ذو
الوعي السامي، ثابتاً بحزم.
يضع اختبار وعي الغبطة الصافي حداً لكلّ معاناة؛ وبامتلاء القلب بالسعادة
يجلب الهدوء المثالي إلى العقل.
إنّ المبدأ هو أنّه في حال وجدت الرغبة للتحرر من المعاناة والسلام الدائم
والصحة والاكتمال، يكون من الضروري كسب وعي الغبطة. |