|
الآية الأولى
قال أرْجونا:
إذا كنت تعتبر أن المعرفة هي أهم
من العمل، يا جنرْدانا، لماذا إذاً تدفعني
إلى هذا القتال الفظيع، يا كيشافا.
إن سؤال أرْجونا، الذي به يفتتح هذا الفصل، لا يشير بأنّه كان مربكاً
وقد فاته فحوى حديث المولى في الفصل الثاني، كما توحي التفسيرات في أغلب
الأحيان. إن مثل هذه التفسيرات تظهر قدرة المفسرين الخاصة لإتّباع تسلسل
كلمات المولى. لقد أخفقوا
بشكل واضح في فهم كفاءة أسئلة
أرْجونا في المساعدة
على تطوير موضوع المولى. تمثّل أسئلته الروابط المجيدة بين التعاليم التي
تسبقها والتي تتليها في الترتيب التصاعدي لحديث المولى.
سوف يكشف الفحص الدقيق لسياق الكلام بأنّ أسئلة
أرْجونا
تقدّم ذاتها على نحو
طبيعي. وهذا ليست فقط بسبب مهارة تعاليم المولى ومبادرة
أرْجونا
في متابعتها، لكن
أيضاً بسبب طبيعة الموضوع قيد الدرس. تعالج التعاليم العديد من النقاط حول
الحياة، حتى تلك النقاط المتناقضة لبعضها البعض، لأنها تعالج الحقول غير
المحدودة للمراحل النسبية والمطلقة للوجود. والتي توجد حتى الآن بشكل مجزأ
بحيث أنه لا يوجد رابط بينها في طبيعتها الأساسية. يمكن للعقل، على أية
حال، أن يلعب دور هذا الرابط، لأنه قادر على البقاء في النشاط وفي حالة
الكينونة المطلقة في آن واحد. علاوة على ذلك يستعمل النشاط كوسيلة للتوقف
عن النشاط وهكذا لجعل حالة الوعي التجاوزي ممكنة. وبذلك تصبح الكارما وسيلة
لليوغا.
مثل هذه المراحل المتناقضة على ما يبدو للتعاليم حول الحياة، هي التي
جلبت أسئلة
أرْجونا الانتباه إليها. لذلك، من
الواضح بأنّ أسئلته وثيقة الصلة ونشأت من فهمه الصحيح للحديث. إن صلة
الأسئلة التي سألها التلميذ تكشف نجاح التعليم. يعطي المعلّم أيضاً الفرصة
للتلميذ كي يسأل كلّ سؤال، وهكذا يؤازر اهتمامه ويتأكّد بأنّه يتبع الحديث
بشكل صحيح. وعندما تتقدّم التعاليم بهذا الأسلوب، عن طريق السؤال والجواب،
تتجلّى كلّ الحكمة للتلميذ.
"ما دمت تعتبر أن المعرفة":
لكي يتقصّى بعمق في طبيعة فهم
أرْجونا
حول "المعرفة"، من
الضروري تحليل تعاليم الفصل الثاني.
الحياة لها وجهتان، النسبي والمطلق، إن الوجهة النسبية هي فانية أما
الوجهة المطلقة فهي خالدة. لكي نعطي معنى للحياة، من الضروري أولاً جلب
الوجهة الفانية للعيش بالتناغم مع الخالدة. يتم تحقيق ذلك من خلال العمل
المتطابق مع دهرما الفرد التي تحافظ على الوجود بطريقة تعزز تطور الفرد
الخاص وتطور الآخرين. ومن أجل جعل المجرى الكامل للحياة يتدفّق بشكل طبيعي
في التيار التصاعدي للدهرما، من الضروري صقل الفكر المصمم الحازم. هذا ما
سيضمن بأنّ وجهتي حياة الفرد، الفانية والخالدة، الجسم والذات، ستحافظ بشكل
طبيعي على
الدهرما
وتكون بالانسجام المثالي، وتبقى الذات في حالتها من الحرية الأبديّة في
الكينونة المطلقة ويستقبل العقل النشاط الذي سيكون بشكل طبيعي متناغماً مع
عملية التطور.
لكي يتم صقل الفكر الحازم، يجب أن يكون الفرد "من دون الغونات الثلاث"
وخارج حقل النشاط بالكامل ، ومثبّت في الحالة التجاوزية للكينونة. عندما
يتم، من خلال الممارسة الثابتة، كسب الحالة "من دون الغونات الثلاث" يكسب
العقل ثباتاً في الكينونة، ويصبح الفرد مدركاً للذات، أو الكينونة، بأنها
منفصلة عن النشاط. في هذه الحالة يعمل الفرد في العالم بينما يكون ثابتاً
في الطمأنينة الأبديّة وحرية الوعي القدسي.
لذلك وبالرغم من أن المعرفة تبدأ بالفهم الفكري لوجهتي الحياة، الفانية
والخالدة، لكنها تصبح حقيقة حيّة فقط عندما، ومن خلال ممارسة التأمل
التجاوزي، يصبح الفرد مدركاً بشكل مباشر للذات بأنها منفصل عن النشاط. هذا
الإدراك هو حالة المعرفة، وحالة الفكر المثبت.
لقد فهم
أرْجونا
بشكل صحيح كلّ ما
تكلّم به المولى حول المعرفة. لكنّه يطلب تأكيداً بأنّ ما فهمه هو صحيح. إن
كلمة "إذا" تظهر هذا المعنى.
"المعرفة هي أهم من العمل":
يسأل
أرْجونا
سؤاله ليس لأنه أخفق
في استيعاب مبدأ العمل في حالة المعرفة، لكن لأنه يفهم ذلك بعمق؛ عندما
يتصرّف الإنسان من دون تشوّق، بعد أن ترك كلّ الرغبات، ومتحرراً من الشعور
بالأنا أو بما لي، يصل إلى السلام. لقد فهم بأنّه بالقتال سوف لن يجلب على
نفسه الخطيئة. لكن بالنسبة للقلب العظيم لأرْجونا، إن مجرّد الهروب من
الخطيئة هو ليس السبب الكافي للاندفاع إلى العمل. إنه يحكم على العمل
القتالي بقيمته الظاهرة ويجد أن قتل الأشخاص الأعزاء سيكون"عملاً فظيعاً".
لقد رفع السؤال ليستفسر ما إذا كان يستطيع، وبالاعتماد على قوّة المعرفة،
وبعد كل شيء، أننل يتفادى "العمل
الفظيع" في المعركة. بعد أن وصل إلى هذه الحالة العالية للفكر الثابت، ألا
يجب على الإنسان أن يكون له الحرية في التصرّف أو عدم التصرّف؟ هذا هو سؤال
أرْجونا
من حالته العالية
للوعي. يستعمل
أرْجونا
هنا بشكل صامت تعاليم المولى حول الحرية
التي تعطيها المعرفة، لمصلحة الحرية في اختيار الأعمال التي يتمنّى أدائها.
ويتقصّى بعمق في تعاليم المولى ويجد بأنّ هذه النقطة لم يتم الإجابة عليها
بعد. يشير هذا السؤال أيضاً بأنّ فهم
أرْجونا لم يكن عن العلاقة بين العمل
والمعرفة فقط، لكن كان أيضاً عن العلاقة بين العمل والدهرما. لقد فهم
تعاليم المولى حول
الدهرما، وفهم بأنّ الدهرما
الخاصة بالفرد هي أفضل معيار للحكم ما
إذا كان العمل مناسباً، وأنه بالنسبة للكشاتريا، إن مثل هذه المعركة هي
متوافقة مع
الدهرما.
لكن التشديد الذي وضعه المولى على المعرفة يعطي
أرْجونا الفرصة كي
يسأله عن العلاقة بين المعرفة والدهرما، التي لم توضح بعد ومن دونها تبقى
التعاليم حول العمل ناقصة.
يريد
أرْجونا أن يعرف ما
إذا كان ممكناً للمعرفة أن تتجاوز
الدهرما
إلى حدّ السماح
للفرد التخلّي عن "العمل" المعيّن؛ وما إذا كانت المعرفة تعطي الإنسان
الحرية الكافية لتمكنه على القيام بخياره الخاص حول العمل. يشير
أرْجونا
ضمناً إلى أنّه إذا
كان ذلك ممكناً، فهو يودّ أن يختار التخلّي عن "هذا العمل الفظيع".
إن السؤال الذي رفعه أرْجونا
هو في غاية الأهمية
وله قيمة عظيمة في التعجيل في موضوع حديث المولى. إن هذا السؤال لأرْجونا
هو الذي أطلق العقيدة الكاملة عن العمل من شفاه المولى.
أما المفسرون والمعلّقون بشكل عام، فلقد فاتهم فهم العمق العظيم الذي
منه
كان
أرْجونا يتكلّم ويسأل أسئلته، لأنهم أساؤوا فهم موقفه منذ الفصل الأول.
كان أرْجونا، من مستواه العالي للوعي، قادراً على تمييز النقاط الدقيقة
لحديث المولى ووزنهم من ناحية الحياة العملية. وقد حدّد عقله اليقظ مكان
العديد من العبارات المتناقضة في التعاليم حتى الآن، وقام بالإشارة إلى ذلك
في الآية التي تلي.
هذا ما يوضّح كم هو ملائم سؤال
أرْجونا
وكيف يخدم بشكل حسن
لكشف حكمة العمل على ضوء المعرفة، التي تشكّل الموضوع الرئيسي في هذا الفصل.
الآية الثانية
بهذه العبارات التي تبدو متناقضة،
إنك، وإذا جاز التعبير، تحيّر ذكائي.
لذلك وباتخاذك القرار الواضح
أرشدني إلى ما يوصلني إلى المنفعة الأسمى.
إن نبرة هذه الآية تجلب للضوء مودة
أرْجونا
مع المولى وفهمه
الجيد للتعاليم. كما تكشف أيضاً وإلى مدى أبعد اليقظة في عقل
أرْجونا
في تقييم الأوجه
المختلفة من الحديث.
"تبدو متناقضة": في الآية الثامنة والثلاثين من الفصل السابق، وجّه
المولى
أرْجونا إلى "الخروج إلى القتال". لكن
في الآية الخامسة والأربعين قال له، "كن من دون الغونات الثلاث" ما تعني:
بأن يخرج من حقل النشاط. ومرة أخرى في الآية السابعة والأربعين، قال: "أنت
تستطيع أن تتحكّم بالعمل فقط"، ولا "تتوقف عن القيام بالعمل". ثمّ، في
الآية الثامنة والأربعين، أظهر تركيبة العمل والفكر الثابت في الكلمات:
"اثبت في اليوغا، يا أيها الفائز بالثروة، وقم بالأعمال". وفي الآية
التاسعة والأربعين، أيضاً، استمرّ لتحطيم المبدأ ذاته لهذه التركيبة
بالإعلان: "بعيد جداً عن توازن الفكر هو العمل المنجز من أجل المكافأة".
يريد أرْجونا
التحقق سواء كانت "هذه العبارات التي
تبدو متعارضة" تشير إلى مبدأ ما لا يزال مخفياً ولم يتم كشفه بعد، أو سواء
كان هناك رابطاً ما يربطها سوية.
في الآية السابع للفصل الثّاني، اسلم أرْجونا نفسه إلى المولى قائلا:
"قل لي، وبشكل قاطع، ما هو الأفضل لي". و يجد نفسه الآن بأنّه مجهّز
بالمركبين، كلّ واحد على ما يبدو يسير بالاتّجاه المعاكس. ويطلب منه بشكل
متزامن المجيء بهذا والذهاب بذلك. لذلك يقف متحيّراً ويسأل: أخبرني أي مركب
علي الركوب، هذا أو ذلك، لأني إذا ركبت المركبين من المؤكد إني سوف أغرق.
إن سؤاله هو وثيق الصلة بالموضوع.
إن الكلمات متعارضة "على ما يبدو" يشير إلى تواضع
أرْجونا. متمنياً جلب الانتباه إلى الحقيقة بأنّ المولى كريشنا يقدم له
العبارات التي تتعارض بعضهم البعض، فيلطّف التعبير بإضافة "على ما يبدو".
ومرة أخرى، عندما يريد الإفصاح بأن المولى يحيّر ذكائه، يظهر تواضعه بإضافة
"إذا جاز التعبير".
احتاج
أرْجونا إلى نوع من الصدمة الفكرية،
وسيلة ما لاهتزاز الفكر بسرعة لإخراجه من حالة التعليق. ومن أجل الوصول إلى
هذه النهاية أمطر المولى
أرْجونا
على ما يبدو
بالعبارات المتعارضة للحقيقة. هكذا نجح المولى كريشنا في جلب عقل
أرْجونا
إلى المستوى حيث
يستطيع أن يفكّر بطريقة عملية. وأصبح عملي جداً بقوله: " إنك ... تحيّر
ذكائي" يبدأ المولى الآن الدرس الثاني من تعاليمه، الوجهة الأكثر مجداً من
حكمة الحياة العملية.
الآية الثالثة
قال المولى المبارك:
كما هو مشروح من قبلي منذ القدم، يا من لا ملامة عليه،
يوجد في هذا العالم طريقان:
يوغا المعرفة للذين يتبعون التمعّن،
ويوغا العمل للذين يتبعون العمل.
في هذا الآية، إن كلمة "يوغا" هي مشتركة لكل من غيانا يوغا، أي يوغا
المعرفة، وكارما يوغا، أي يوغا العمل. إنّ حالة الوعي التجاوزي هي حالة
اليوغا، أو الإتحاد، حيث يبقى العقل متّحد بشكل تام مع الطبيعة القدسية
التي يصبح فيها. عندما يتم الحفاظ على هذا الإتحاد بشكل طبيعي، وبصرف
النّظر عن أنماط العقل في حالة اليقظة أو الحلم والنوم، عندئذ تدعى هذه
الحالة من الوعي بالوعي الكوني.
ثمّ الذي يذكر من الوعي يقال بأنه كان وعي كوني.
عندما تكون حالة الوعي التجاوزي، أو اليوغا، مكملة بعملية التفكير
والتمييز من أجل تطويرها إلى الوعي الكوني، تدعى هذه الطريقة بيوغا
المعرفة، غيانا يوغا؛ بينما عندما تكون حالة الوعي التجاوزي مكملة بالعمل
على المستوى الحسّي من أجل تطورها إلى الوعي الكوني، تدعى الطريقة كارما
يوغا، يوغا العمل. هذان النوعان من أنواع اليوغا يحققان حاجات كلّ إنسان،
سواء كان بالتمعن أو بالعمل.
إنّ اختبار التجاوز في أثناء التأمل هو إدراك ناحية واحدة فقط من
الحقيقة - الوجهة المطلقة وغير الظاهرة. من أجل إدراك الحقيقة الكاملة، يجب
أن يتماشى هذه الاختبار مع اختبار الوجهة الظاهرة، التي هي المرحلة النسبية
للوجود.
من أجل أن يتم العيش في وعي الغبطة التجاوزي في جميع الأوقات، من
الضروري أن لا يكون مفقوداً عندما يخرج العقل من التأمل وينشغل في النشاط.
لهذا ولكي يكون ذلك ممكناً يجب أن يصبح العقل متآلف بشكل حميم جداً مع حالة
الكينونة التي يبقى مستقرة في العقل في جميع الأوقات، وخلال كلّ النشاط
العقلي للتفكير والتمييز والتقرير، وخلال كلّ مراحل العمل على المستوى
الحسّي. لهذا وبالتالي، من الضروري أن تكون عملية كسب الوعي التجاوزي من
خلال التأمل ومن خلال الانشغال في النشاط، تتم بشكل متناوب، لكي يقترب كل
من الوعي التجاوزي وحالة وعي اليقظة من بعضهما ويندمجا أخيراً مع بعضهما
للتسبّب في حالة الوعي الكوني، الحالة التي فيها يعيش الفرد في وعي الغبطة،
الإدراك الداخلي للكينونة، في خلال كلّ نشاط حالة اليقظة وحالة الحلم وخلال
صمت حالة النوم العميقة.
كما يوجد نوعان من الناس، أشخاص الفكر وأشخاص العمل، كذلك هناك طريقتان
للحياة، طريق التنسك لأشخاص الفكر وطريق ربي البيت لأشخاص العمل. ينشغل رجل
الفكر، بعد التأمل، في النشاط العقلي للتمعن وبذلك ينجز التكامل لحالات
الوعي التجاوزي ووعي اليقظة؛ بينما رجل العمل، بعد التأمل، ينشغل في حقل
العمل وبذلك ينجز نفس الهدف.
وهكذا، تختلف غيانا يوغا
للناسك وكارما يوغا
للرب البيت عن بعضهما الآخر في مرحلة النشاط فقط. هناك نوع من الناس
يكرّسون أنفسهم إلى النشاط العقلي في التفكير والتمييز والتقرير حول طبيعة
العالم وطبيعة القدسي؛ والآخرون يكرّسون أنفسهم للعمل من دون جعل عملية
التفكير وسيلة للاكتمال. بهذه الطريقة، كلاهما ينشغل في النشاط بعد كسب
الوعي التجاوزي.
يقول المولى إلى أرْجونا بأنّ هاتان الطريقتان للإدراك قد تم تناقلهما
من جيل إلى جيل، منذ الأزل. إنهما طريقان متميّزان للنوعين المتميّزين من
الناس الذين يسيرون في طريقتا الحياة المتميّزتان.
لسوء الحظ
لقد خلقت الفوضى في فهم هذا المبدأ
للإدراك، الطريق السريع إلى التطور. إذا يتبنّى رب البيت وجهة نظر يوغا
المعرفة، عندئذ يهبط إلى عالم الفكر ويصبح أقل عملياً. وبنفس الطريقة، إذا
أعتنق الناسك وجهة نظر يوغا العمل، يفقد فرصة التمييز النزيه والتدفق
الثابت للتمعن. ويهبط إلى حقل العمل، إلى صخب الحياة.
إن كلا الطريقين صحيحين على حد سواء لتطوير الوعي الكوني. تمثل كل من
كارما يوغا
وغيانا يوغا
الطريق المباشر إلى الاكتمال. لكن الطريق الذي يتم اختيارها يجب أن يناسب
طريقة الحياة والميول الطبيعية للشخص الطامح. يجب أن لا يحاول رب البيت
الوصول إلى الإدراك من خلال السانكهيا أو غيانا يوغا: بل عليه سلوك طريق
كارما يوغا، الذي به ينجز تطلّعاته في الحياة في العالم، سيكسب الوعي
الكوني بأسلوب طبيعي ومنسجم. وبنفس الطريقة يجب على الناسك أو السنياسي أن
لا يتطلّع لإتباع طريق كارما يوغا، يجب عليه أن يتبع تعاليم السانكهيا أو
غيانا يوغا، وينجز تطلّعاته بطريقة حياة التنسك، هو أيضاً سيحقق الوعي
الكوني بأسلوب طبيعي ومنسجم.
إن أولئك المهتمّين بالتقدّم الروحي قد اتبعوا ولعدة قرون وجهة النظر
التي تناسب فقط طريقة حياة التنسك. التي هي ملائمة بشكل تام للقلة من الناس
الذي تقاعدوا من العالم، ولكن مثل هذه الوجهة النظر ليس لها مكان في حياة
الأغلبية الواسعة للبشرية الذين يتبعون طريقة حياة رب البيت. إن طريق
الكارما يوغاهي ليست مثل طريق المعرفة، التي تسير في طريق التفكير أو الفهم
الفكري والمنطقي؛ إنها الطريق البريء للعمل، المكملة بالتأمل التجاوزي. إن
التفكير بالذات القدسية أو الله، ليس له مكان على طريق الكارما يوغا. أما
أولئك الذين يحاولون إبقاء عقلهم على الله في حين يكونون منشغلين بالعمل
فلا ينجحون في أخذ العقل إلى وعي الله في مستوى الإلهية التجاوزية، ولا
ينجحون بشكل صحيح في حقل العمل، لأن العمل يصبح ضعيفاً عندما يقسّم العقل
ولا يكون على العمل بالكامل. هذا ما يؤدي إلى خسارة في كلا الاتجاهين. فهم
لم ينالوا وعي الله بالكامل ولم ينجحوا كالرجال في العالم.
إلى أولئك الذين يريدون أن يكونوا ناجحين في الحقل القدسي وفي العالم
كليهما معاً، يكون الطريق إلى ذلك الكارما يوغا – بضعة دقائق من التأمل في
الصباح وفي المساء والعمل الطبيعي في بقيّة اليوم. يجب أن يكون التأمل، على
أية حال، من النوع ذلك يأخذ العقل مباشرة إلى الوعي التجاوزي، و يجب أن
ينجز النشاط خلال اليوم بالسهولة ومن دون إجهاد.
يجب أن يرسخ في ذهننا أنّ ممارسة التأمل هي ضرورية لكل من الناسك ورب
البيت. وفي نفس الوقت، ومن أجل بلوغ التنوير من الضروري وبعد الممارسة أن
يقوم الاثنان بالانشغال في النشاط – ولا يهم نوع النشاط، سواء كان النشاط
الفكري، كما هو في حالة الناسك، أو نشاط الحواس، كما هو في حالة رب البيت.
إن الناسك هو مجهّز بنمط معيّن من التفكير الذي يخدمه على البقاء
ثابتاً في طريقه من التنسك. أما رب البيت، وعلى نفس النمط، فهو مجهّز بنمط
من العمل لإبقائه ثابتاً في طريقه العمل. هذا النشاط بعد التأمل مهم لتكامل
حالة وعي اليقظة مع الحالة الوعي التجاوزية، لكن المحتوى الفعلي لتفكير
الناسك وعمل رب البيت لا يمكنهما بأية حال المساعدة على جلب تكامل الحالتين
من الوعي. بل إنه النشاط في حد ذاته، الجسدي أو العقلي، هو الذي له القيمة
في جلب التكامل. إن محتوى الفكر والعمل له قيمته بالتأكيد في طريقتي الحياة
لكنّه لا يمسّ حقل الكينونة.
إنّ غاية كلتا الطريقين هي في تثبيت الإنسان على مستوى الوعي حيث
سيتمتّع بحياة ذات مغزى، ويكون ثابتاً في الحرية الأبديّة لوعي الغبطة.
يصبح مثل هذا الإنسان أكثر قوة ونجاحاً في طريقة حياته الخاصة - ويكون نشاط
رب البيت وخلوة الناسك محمياً بالكامل ويصل إلى الاكتمال.
الآية الرابعة
ليس بالامتناع عن العمل
يتحرّر الإنسان من العمل،
وليس بمجرد التخلّي والزهد
يحقّق الكمال.
"التحرر عن العمل" هي
الترجمة الأقرب للكلمة السنسكريتية ناشكارميام، التي تظهر صفة معينة للفاعل
وهي صفة عدم الارتباط حيث يتمتّع بالحرية من عبودية العمل حتى أثناء نشاط.
إنها تظهر حالة طبيعية ودائمة للفاعل. سواء كان مشغولاً في نشاط اليقظة أو
حالة الحلم أو في خمول النوم العميق، فهو يحتفظ بالوعي الداخلي. إنها حالة
الحياة حيث لا يكون الوعي الذاتي محجوباً بأيّ من حالات الوعي النسبية
الثلاث – اليقظة أو الحلم أو النوم. في هذه الحالة "ناشكارميام"، يرتفع
الفاعل إلى الحالة الرابعة من وعي "توريا"؛ التي هي وبطبيعتها الأساسية،
الوعي الذاتي، الحالة المطلقة الصافية لوعي الغبطة – سات-تشيت-آناندا –
ولكنها ما تزال مشمولة في الحالات الثلاث النسبية للوعي.
بدأ المولى بتوضيح "التحرر عن العمل"، في الآية الثامنة والأربعين من
الفصل الثّاني، من ناحية التخلي عن الارتباط. وفي الآية الحالية يوضّح ذلك
من دون أيّ إشارة إلى الارتباط. وفي الآية الثلاثين سيوضّح ذلك بالإشارة
إلى ذاته - باستسلام كلّ الأعمال إلى الله. لكن وفي كلّ حالة، يشكّل
الاختبار المباشرة للكينونة الأساس للتحرر عن العمل.
" بالامتناع عن العمل" يقع
الفرد في حالة من التراخي أو خمول النوم. وهذه الحالة هي بعيدة كل البعد عن
حالة التحرر من العمل، حيث يكون العقل، في أعماق ذاته، يبقى متوافقاً مع
الكينونة المطلقة حتى عندما يتم الحفاظ على النشاط على السطح؛ حيث يكون
الحقلان للكينونة والنشاط مدركان كأنهما منفصلان الواحد عن الآخر.
"الزهد": هي حالة غير
الارتباط حيث يبقى الفاعل منفصلاً عن حقل النشاط؛ وهي حالة التحرر عن العمل.
إنّ بركة حالة الزهد، أو التحرر عن العمل، هي بأن تجد الذات ذاتها
منفصلة عن حقل النشاط. لكن إدراك الافتراق عن النشاط الذي يؤدّي إلى
الخسارة الكلية للنشاط للذات، سوف لن يجلب "الكمال". لا يتطلب الكمال
الافتراق من النشاط فقط ، لكن يتطلب الإتحاد الإيجابي مع الله. يعني ذلك
بأنّ الذات الفردية المنفصلة عن النشاط على مستوى الحياة الفردية، تجيء
لتوحيد ذاتها بالكونية، بالله، الذي هو مفصول عن النشاط على مستوى الحياة
الكونية. يرتفع الوعي الكوني، الحالة الدائمة للوعي الذاتي، إلى حالة وعي
الله؛ وترتفع حالة التحرر عن العمل إلى حالة عمل الله.
الآية الخامسة
في الحقيقة لا يستطيع أحداً أن يحيا،
ولو للحظة، من دون القيام بعمل؛
لأن كل فرد هو مقتاد لا محالة للعمل
بواسطة الغونات المولودة من الطبيعة
في كلّ حالات اليقظة والحلم والنوم العميق، التي تشكّل الحياة النسبية،
يستمرّ النشاط الجسدي بالاتجاه الخارجي والاتجاه الداخلي. إن كلّ شيء في
الخليقة يتطوّر، وعملية التطور تتم دائماً من خلال النشاط. هذا ما عناه
المولى عندما قال: " في الحقيقة لا يستطيع أحداً أن يحيا، ولو للحظة، من
دون القيام بعمل "
"الطبيعة": هذه هي الترجمة الأقرب لكلمة "براكريتي". إنّ الناحية
الأسمى للخليقة هي الكينونة المطلقة غير الظاهرة التجاوزية. و "طبيعتها"
تتضمن الغونات الثلاثة التي تشكّل تقلباتها وتجمعاتها المتنوعة كلّ الوجود
الظاهري. ويستمرّ نشاطها بشكل متواصل في كلّ حقول الخليقة، ولهذا السبب
يقول المولى بأنّ "كل فرد هو مقتاد لا محالة للعمل بواسطة الغونات". لأنه
فقط في الحقل التجاوزي للوجود لا يوجد نشاط.
تعرض هذا الآية، ومع التثبيت بأن النشاط هو كوني، استحالة كسب حالة
"التحرر عن العمل" من خلال عدم الانشغال في النشاط. |