اضغط هنا للعودة إلى الصفحة الرئيسية للموقع الفصل الثالث 11 إلى 15
 

  موقع الإشراق الشبكة العالمية

Home المدخل
Up فوق
الفصل الثالث 1 إلى 5
الفصل الثالث 6 إلى 10
الفصل الثالث 11 إلى 15
الفصل الثالث 16 إلى 20
الفصل الثالث 21 إلى 25
الفصل الثالث 26 إلى 30
الفصل الثالث 31 إلى 35
الفصل الثالث 36 إلى 40
الفصل الثالث 41 إلى 43

الآية الحادية عشر

بهذه اليغْيا أنت تساند الآلهة،
وهؤلاء الآلهةستساندك،
وبمساندة الواحد للآخر
ستحقّق السمو الأعلى

إن الأنواع المختلفة للياغْيا التي تم  شرحها بالفيدا تربط بين الفرد والعملية الكاملة للتطور الكوني. لذلك للياغْيا مستويات مختلفة من التأثير، تراوح من المستوى السطحي إلى الحالات المرهفة من الخليقة، لكننا يشير دائماً نحو الهدف النهائي لوعي الله.

توضّح هذه الآية ميكانيكاً التأثير الواسع التي تخلقه أعمال الفرد في كل أنحاء الكون – تتفاعل كلّ قوانين الطبيعة على مستوى الفاعل مع كلّ عمل.

تعتبر الياغْيا كوسيلة إلى ذلك النجاح الكامل في الحياة التي تشمل كلّ الإنجازات المحتملة في العالم سوية مع الحرية من العبودية. في الحقيقة إن الياغْيا هي الوسيلة لإنجاز كمال الحياة. إنها تجلب بركات القوى التي تسيطر وتوجّه تطور الخلق بالكامل، وتكسب إحسان الطبيعة القوية وتجلب اكتمال وعي الله بشكل نهائي.

إن الياغْيا هي عملية جلب الفرد إلى الانسجام مع مجرى التطور، التي تتمتّع بإحسان كلّ قوى الطبيعة العاملة على تقدّم الحياة، الفردية والكونية.

إن الآلهة المذكورة هنا هي الكائنات المؤلهة التي تترأّس القوانين غير معدودة من الطبيعة، والتي هي حاضرة في كل مكان وفي كلّ أنحاء الحياة النسبية. إنها القوى التي تحكم الاندفاع المختلف من الذكاء والطاقة، التي يخطط لتطور كلّ شيء في الخليقة. وجود الآلهة قد نفهمه بالمثال التالي: إن كل خلية من الخلايا التي لا تعد ولا تحصى في الجسم البشري لها مستواه الخاص للحياة والطاقة والذكاء؛ وسوية، تنتج هذه الأحياء غير المعدودة الحياة البشرية. إن الكائن البشري هو مثل الإله لكل هذه النبضات الصغيرة للطاقة والذكاء، وكلّ واحد منها وبشكلها الخاص وميولها ومجالها للنشاط والتأثير، تعمل لتحقيق غاية التطور.

يتمنّى المولى أنه عن طريق الياغْيا، فعل المجيء إلى التجاوزي، يجب على الإنسان وبشكل متزامن أن يرضي عالم الآلهة. ويكون ذلك ممكناً فقط إذا كانت وسيلة كسب الوعي التجاوزي بشكل يكون التأثير المنتج بواسطتها يساند مجرى التطور ويكسب إحسان الكائنات المؤلهة التي تترأّس قوانين الطبيعة، الآلهة. نأخذ الكلمة التي تنتج مثل هذه التأثير من الانسجام في الخليقة ونختبر حالاتها المرهفة إلى أن يتجاوز العقل المستويات المرهفة ويكسب حالة الوعي التجاوزي. هكذا يريدنا المولى أن نخلق ونحافظ على الانسجام المتبادل مع القوى العلوية للطبيعة في الطّريق إلى أن نصبح واحداً مع القدسي الأبدي التجاوزي.

 

عندما يتم إدراك النشاط، من خلال ممارسة التأمل التجاوزي، بأنه منفصل عن الذات، عندئذ يمكن القول بأن كلّ نشاط في الحياة قد تم تقديمه كهبة إلى الآلهة. هذا ما يعني بأنّ النشاط يستمرّ في مجاله في الحياة النسبية، التي تترأسها الآلهة، بينما تبقى الذات في حرية المطلق. هذه هي الطريقة لإرضاء كلّ الآلهة من خلال كلّ نشاط في جميع الأوقات. وهكذا يتم خلق الحالة التي يصبح فيها كلّ نشاط ياغْيا بشكل آلي.

هذا الأسلوب في تقديم الأعمال إلى الآلهة لا يدلّ على الاستسلام إليها أو الخضوع لها. لكن الذات في هذه الحالة تصبح متحررة بالكامل من كلّ تأثيرات الحياة النسبية، بما في ذلك الآلهة.

"السمو الأعلى": تنتج الوجهة الطقسية للياغْيا التأثيرات في الحقل النسبي للحياة؛ وقمة منالها هي السماء، قمّة العالم النسبي، حيث تكون الحياة خالية من المعاناة. إن تقنية التجاوز من خلال عملية الياغْيا، ومن الناحية الأخرى، تقود الفرد إلى وعي الغبطة التجاوزي، التي هي حالة الحرية الأبديّة في الحياة، ومن هناك إلى وعي الله، الذي هو "السمو الأعلى" للكل – إنه أعلى من الأعلى في المجال النسبي للحياة.

 

الآية الثانية عشر

 

برضاهم من اليغْيا ستنعم

عليك الآلهة بالفرح والسرور

الذي تتمناه، ولكن من يتمتع

بهباتهم دون أن يكرّمهم

يكون لص خسيس

"دون أن يكرّمهم": من دون التخلّي عن التملك لصالحهم، من دون أداء فعل تحويل الملكية إليهم. إنّ ثمار كلّ عمل هو ردّ الطبيعة إلى ذلك العمل وهو بالتالي لا شيء سوى هبة قوى الطبيعة، الآلهة. كيف يمكن التخلّي عن امتلاك كلّ شيء نكسبه في الحياة؟ من الممكن فقط بواسطة تطبيق تعاليم الآية الثامنة والأربعون من الفصل الثّاني وندرك أن الذات هي منفصل عن حقل النشاط. عندما يصبح الإنسان مثبت في الحالة حيث يكون مدركاً بأن كلّ شيء هو منفصل عن الذات، عندئذ، وفي الواقع، يكون قد أعطى على كلّ شيء بالكامل إلى الطبيعة، أو إلى قوى الطبيعة، الآلهة. بهذه الطريقة، يرتفع فوق تهمة السرقة المذكورة في هذه الآية، ويكون قادراً على التمتّع بالفائدة الظاهرة في الآية التالي.

إن خلق المزاج من تكريمهم هو الاستهزاء "بتكريمهم". إنّ تعاليم هذا الحديث هي تعاليم الحياة العملية – إنه حديث يوغا شاسترا، الكتاب المقدّس عن يوغا، علم الإتحاد القدسي. إن حقيقته هي بعيدة كل البعد عن التخيل أو صنع المزاج. لسوء الحظ، بسبب تيار التفسيرات السطحي لعدّة قرون، تم تحريف التعاليم الأساسية كثيراً لهذا الحديث الكامل، ونجد المجتمع اليوم محاطاً بالخرافات والتي تفتقر إلى الحس الصحيح لقيم الحياة.

إن الازدهار والسعادة الذي يأتي من بركات الآلهة، المكتسبة بواسطة الياغْيا، يجب أن لا تسبّب للإنسان أن يصبح مستغرقاً في المتعة إلى حدّ نسيان مصدر ازدهاره. يقول المولى بأنّ من يقوّض القوى العلوية في الطبيعة بامتلاك ذاته لحقل العمل، والذي ينتمي إليهم في الحقيقة، يتصرّف مثل اللصّ. هذا لأنه لم يدرك ذاته بأنها منفصلة عن النشاط. إن أي فرد لم يكسب الثبات في الكينونة بشكل آلي يبقى مرتبطاً بالنشاط؛ يأخذ على عاتقه صنع العمل وينال ملكية ثماره، والذي في الواقع ينتمي إلى الطبيعة أو إلى الآلهة، قوى الطبيعة. لهذا السبب إن مثل هذا الإنسان يدعى "لصاً" ومغتصب لأملاك تعود إلى الآخرين.

يتمتّع اللصّ بثروة الأشخاص الآخرين عموماً، ولكنه لا يقوم بأية محاولة لزيادة ثروته بجهوده الخاص. وهنا التحذير الذي يعطيه المولى: لا يجب أن يكون الفرد راضياً فقط بنمو الازدهار المادي والحكمة والإبداع في الحقل النسبي للحياة، لكن يجب أن يتطلّع لتجاوز كل هذا وينجز وحدانية الحياة الأبديّة للكينونة المطلقة في وعي الله. هكذا يصبح الفرد ثابتاً في مستوى الحياة الذي يقع تحت كلّ الخليقة وينتج التأثيرات المساندة للحياة بشكل آلي لكلّ قوى الطبيعة، وفي الحقيقة، لكلّ شيء موجود في جميع الأنحاء في كلّ الطبقات السطحية والمرهفة للخليقة. هكذا يبدأ الفرد في العيش بالتعاليم الأساسية لهذه الآية.

 

الآية الثالثة عشر

 

إن الصالحين الذين يأكلون

من بقايا اليغْيا هم متحرّرون

من كل خطاياهم. لكن الأشرار

غير الصالحين الذين يحضّرون

الأكل لأنفسهم فقط،

حقاً إنهم يأكلون الخطيئة

 

"بقايا اليغْيا": ما هو متروك بعد الانتهاء من أداء اليغْيا.

اليغْيا هو العمل الذي يسرع عملية التطور، من حالة وعي اليقظة إلى الوعي التجاوزي، ومن الوعي التجاوزي إلى الوعي الكوني، ومن الوعي الكوني إلى وعي الله. هذه هي الحالات المختلفة التي تتطوّر من خلال الأنواع المختلفة من الممارسات. إن كلّ ممارسة بحد ذاتها هي أداء اليغْيا. ويجد التطور إنجازه النهائي في وعي الله، وعندما يتم اكتساب ذلك يكون هدف اليغْيا قد تحقق. لهذا السبب "بقايا اليغْيا" بمعناها الأسمى تشير إلى حالة وعي الله.

إن حالة الوعي الكوني، التي تشكّل قاعدة وعي الله، قد يمكننا أن نقول عنها أيضاً بأنها بقايا اليغْيا. وكذلك قد تكون حالة الوعي التجاوزي، التي تشكّل قاعدة الوعي الكوني.

إن البقايا المتروكة بعد أداء اليغْيا للتأمل التجاوزي هي وعي الغبطة. هذه هي البقايا لليغْيا الأولى والأساسية في الطريق إلى وعي الله وتشكّل قاعدة الوعي الكوني ووعي الله؛ إن من يشارك في تناولها هم "الصالحون"، كما يقول المولى، لأنه في هذه الحالة تتحوّل حياة الصالح إلى حياة من دون خطيئة، إلى حياة مستقيمة كلية. إنه في هذه الحالة يخلق الفرد الصالح ومن خلالها كلّ فكرة وكلمة وعمل، تأثيرات مساندة لحياته وللخليقة بالكامل، لأنه مثبت في الكينونة الأبدية، التي هي قاعدة كلّ حياة في الخليقة.

وبما أن الوعي التجاوزي هو بقايا الأساسية لليغْيا، يكون التأمل التجاوزي هو اليغْيا الأكثر أهمية.

إنّ الرجل الحكيم، الثابت في وعي الغبطة، هو خالٍ من المواقف الشرّيرة بسبب الطمأنينة الداخلية التي يختبرها في حالة الوعي المطلق. وعلى النقيض من ذلك، يصف المولى أولئك الذين يعلّقون أنفسهم بأمور فرديتهم التافهة ولا يحاولون كسب المنزلة غير المحدودة للمطلق. والذين يتحرّكون بدافع الأناني، إنهم يتخلّون عن فرصة التطور الأعلى؛ ولانقطاع بصيرتهم بالأنانية، تكون بهجتهم فقط في حقل الحواس. يقول المولى بأنّهم يرتكبون إثماً من لا يعملون على اتصالهم بالقوى العلوية للطبيعة أو لتطورهم الخاص.

ها هي التقنية للارتفاع فوق تأثير كلّ إثم. إنها كما وضعها المولى كريشنا، إلى "يأكلون من بقايا اليغْيا". إن هذه هي استعارة توضّح بأنّ حالات الوعي التجاوزي، الوعي الكوني ووعي الله، يجب أن يتم استعمالها في الحياة اليومية، لكي تكون أعمال خالية من الإثم والخطيئة. يعني المولى بأنّه إذا لم يكمل العقل طريق اليغْيا - إذا لم يغطس في الذات ولم يصبح مرتبطاً بالكينونة المطلقة، وإذا لم يدرك بأن الذات هي منفصلة عن النشاط، وإذا لم يبلغ وعي الله – عندئذ لا يكون في التناغم مع الكينونة الكونية ولا يكون نشاطه متوافقاً مع الغاية الكونية. وبالتالي لا تكون الأعمال متوافقة كلياً مع عملية التطور. وفي ظل هذه الظروف لا يمكن أن يكون أي تأكيد بأن نشاط الإنسان سيكون صحيحاً بشكل كلي؛ هناك دائماً إمكانية لعنصر الخطأ.

حتى في حالة الوعي الكوني، وقبل الوصول إلى وعي الله، يكمل كلّ عمل الغاية الكونية ويخدم مثل اليغْيا. ولكن إذا لم يصل الفرد إلى الوعي الكوني ولم يخلق حالة بحيث يعيش الذات كونها منفصلة عن النشاط، لن يكون النشاط مباركاً؛ بل ستتمسك به الفردية، ولن يكون النشاط حراً كي يصبح كونياً. إن مثل هذا النشاط لا ينتمي إلى كرامة الحياة الكونية. عندما ينشغل بالعمل أولئك الذين لم يدركوا الكينونة على أنها منفصلة عن النشاط، فهم يخصّصون العمل لأنفسهم، وفي القيام بذلك يأخذون الشّيء الذي لا يعود إليهم، الشّيء الذي يعود إلى عالم خارج الذات، يعود إلى الحياة الكونية. إنهم يصنفون بصنف من اللصوص (الآية الثانية عشر) ويتناولون، في الآية الحالية، ما يدعى الخطيئة.

عندئذ لن يكون من حق للذات أن في اغتصاب النشاط، لأن النشاط يعود إلى الحياة الكونية. هناك أيضاً اعتبار آخر. إن النشاط المغتصب على هذا النحو سيتلف عملياً الذات بحجب طبيعتها. إنّ حجب الطبيعة الحقيقية للذات، التي هي وعي الغبطة، هي أساس كلّ معاناة، والشيء الذي يسبّب المعاناة يدعى الخطيئة. لهذا السبب تتكلّم الآية الحالية أيضاً عن ترابط الذات مع النشاط بأنه "خطيئة" - جهل هو خطيئة.

فقط عندما يصبح الإنسان مثبت بشكل دائم في الحرية الأبديّة للكينونة المطلقة يكون "متحرّر من كل خطاياه". إن مثل هذا الإنسان هو وحده الإنسان "الصالح" الإنسان الذي هو على صواب دوماً. من خلال كلّ نشاط له ينتج تأثيرات مساندة حياة في الطبيعة، لأنه، بعد أن كسب الحرية من النشاط، تصبح أعماله منتمية إلى كرامة الحياة الكونية. إنهم ينجزون الغاية الكونية للتطور؛ لهذا السبب هم لا يسقطون أبدا إلى عالم الخطيئة. هذا ما يعني به المولى عندما يستعمل الكلمة "صالحين".

إن لم يصبح الإنسان "صالحاً" وإن لم يضع حياته بالتناغم مع الحياة الكونية للكينونة المطلقة، عندئذ قد يرتكب الخطأ في كلّ ما يقوم به. إما المخرج الوحيد من حقل الخطيئة، أو من التأثير الملزم للكارما، فهو في الوقوع  تحت تأثير الحرية الأبديّة للكينونة المطلقة. هذا المستوى المرهف لرسالة هذه الآية. في مستوياتها الأكثر وضوحاً فهي تشير إلى الحقول السطحية للحياة، التي تطلب أداء طقسية لليغْيا لتطويرهم.

تعتمد نوعية العقل على صفات العوامل المختلفة، مثل الغذاء والبيئة والإختبارات، الماضية والحاضرة، التي لها يأثيراً عليها. تؤثّر نوعية الغذاء مباشرة على نوعية العقل. إنه يعتمد على العديد من العوامل، مثل المواد بحد ذاتها والأسلوب الذي بها تم اكتساب الغذاء، سواء كان ذلك قانونياً أو غير قانونياً، وأيضاً أسلوب الطبخ وغايته. يؤكّد المولى هنا على الغاية من طبخ الغذاء. يقول بأنّه إذا كان الغذاء مطبوخاً لكي يقدم إلى الله وتم أكله من قبل الإنسان بعد أداء التقدمة، عندئذ سيتمتّع الإنسان ببركات الله بواسطة ذلك الغذاء؛ وهكذا يكون العقل الناتج عن مثل هذا الغذاء تقياً وتقدمياً وممتلئ بالنعمة. إن مثل هذا العقل بالتأكيد سيكون طبيعيا خارج مجال الخطيئة تماماً. أما العكس فسيكون صحيحاً، إذا كان الغذاء محضّراً من دون غاية تقدمة الأضاحي، وكان بنية وحيدة لإرضاء جوع الإنسان الخاص.

في الآية التالية، يعطي المولى التسلسل المتدرج للخليقة.

 

الآية الرابعة عشر

بالقوت تحيى المخلوقات؛

ومن المطر يأتي القوت،

ومن اليغْيا يهطل المطر،

واليغْيا هي من العمل

 

"بالقوت تحيى المخلوقات": يقول المولى بأنّ الحياة الفردية ولدت من الطعام، يشير ضمنا إلى أنّه ليس لها الشيء الكثير بالعلاقة مع الكينونة القدسية، التي هي ذات الكلّ؛ إنها مولودة من الطعام، من الغذاء الذي لا يعود إلى حقل الكينونة. إن الأنا والفكر والعقل والحواس والجسم تعود كلها إلى الحقل النسبي للوجود.

"القوت" على نفس النمط ولد من المطر، الذي ليس له الشيء الكثير بالعلاقة مع ية مع الكينونة القدسية.

لقد تم اعتبار "اليغْيا" في الآيات السابقة بأنها العملية التي بها يتم اختبار الذات على أنها منفصلة عن النشاط. في هذه الحالة من الإدراك، يكون النشاط طبيعي جداً ومتوافق بشكل مثالي مع الغاية الكونية للخليقة والتطور. وبذلك، تنتج تأثيراً مسانداً للحياة في كلّ حقل من الخليقة وكنتيجة لذلك تبقى الطبيعة كلها متناغمة. فتشرق الشمس في الوقت المناسب، ويهطل المطر في الوقت المناسب، وتبقى الفصول كلّها منتظمة. هكذا ينظر إلى اليغْيا بأن السبب للمطر الذي، بدوره هو المسؤول عن إنتاج القوت.

" واليغْيا هي من العمل" : إنه من خلال العمل يتم أداء اليغْيا. يتم أداء اليغْيا أو النشاط ذو الطبيعة المعيّنة الذي به يصبح الفرد متّحداً مع الكينونة الكونية. هذا هو المعنى الحقيقي لليغْيا في السياق الحالي للحديث على اليوغا. لكن هذا التفسير لا يجب أن يكون مفهوماً كإنقاص من حقيقة العمل الفيدي، التي هي أداء المناسك الفيدية، المعروفة باليغْيا. تصف الفيدا بعض الأداءات الطقسية التي يقوم بها بعض الناس المؤهّلين من أجل إنتاج بعض التأثيرات المساندة للحياة في الطبيعة. هذا ما يؤدّي إلى كسب عطف قوانين الطبيعة أيضاً بخلق تأثيراً من الانسجام في الجوّ وبالحفاظ على إيقاع الطبيعة، لكي يجيء مطر في وقته المناسب لإنتاج الغذاء. من الطبيعي أن يكون هذا نوع من اليغْيا أيضاً "مولود من العمل" - له أساسه في العمل.

إنّ الوجهة الأكثر سطحية لليغْيا، التي تؤدي المناسك والطقوس لإرضاء القوى العلوية للطبيعة من أجل التحسن المادي، تحتاج للعمل في الحقل السطحي للحياة من أجل إنجازها. وهكذا، تحتاج الوجهة المرهفة أكثر لليغْيا، التي هي عملية الاتّصال بالمطلق القدسي التجاوزي، إلى النشاط في الحقول المرهفة. هذا النشاط في الأوجه المرهفة للحياة هو عملية التأمل التجاوزي حيث يمر العقل عبر كلّ المستويات المرهفة للوجود ويتجاوز المستوى المرهف للحياة الظاهر للوصول إلى حالة الكينونة المطلقة.

هذا ما يوضّح لماذا تم التشديد على تمجيد العمل والنشاط هنا.

 

الآية الخامسة عشر

اعرف أن العمل هو من بْرهما

من الفيدا. وبْرهما هو من الأزلي.

لذلك إن بْرهما المنتشر في كل شيء

هو ثابت أبداً في اليغْيا

 

لقد قيل في الآية السابقة "بأنّ اليغْيا هي مولودة من العمل". ويقول هنا المولى بأنّ العمل (الكارما) وكلّ المعرفة عنه هي موجودة في الفيدا، وأن الفيدا هي تعبير الحياة الأبديّة.

تشرح الفيدا النظرية وكلّ ما يتعلق بها، أسبابها وتأثيراتها. هذا هو السبب الأول دفع المولى للقول بأن العمل ينشأ من الفيدا. أما السبب الثاني فيتم فهمه عندما نكتشف أن أصل الفيدا في الكينونة القدسية غير الظاهرة التجاوزية.

إنّ الظهور الأول للخليقة هو السطوع الذاتي الإضاءة للحياة. هذا هو حقل الفكر الثابت، أو الأنا الفردي في حالتها الخاصة الثابتة. إنّ السطوع الذاتي الإضاءة للحياة يدعى الفيدا. الخطوة الثانية في عملية الظهور هي في بزوغ ما نسميه اهتزازاً، الذي يظهر خواص براكريتي، أو الطبيعة – الغونات الثلاثة. تؤشّر هذه النقطة بداية اشتغال الأنا. هنا يبدأ الاختبار بشكله المرهف جداً: ثالوث صاحب الاختبار والغرض الذي يتم اختباره وطريقة الاختبار تجيء إلى الوجود. هذه هي بداية العمل في عملية الخليقة. إنها مباشرة قبل بداية العمل، ومباشرة قبل بداية الاهتزاز المرهف  في تلك الحالة الذاتية الإضاءة، يكمن مصدر الخليقة، إنه مخزن الطاقة بلا حدود. هذا المصدر للخليقة هو الفيدا، إنه حقل الذكاء المطلق تقريباً الذي يقع تحت ويتخلّل كلّ النشاط المسؤول عن الخليقة وتطور الحياة. إن هذا، وكونه مصدر كلّ الخليقة، ما يقال عنه براهما، الخالق. إن براهما، أو الفيدا هي طبيعياً مصدر كلّ النشاط. لهذا تقول الآية: "اعرف أن العمل هو من بْرهما"

إن اليغْيا هو ما يساعد على التطور. إنها الطريقة لكلّ الإنجازات في الحياة. تأخذ معنى اليغْيا في حقول الحياة المشتركة، يمكن القول بأنّ أيّ عمل يساعد التطور يمكن أن يدعى اليغْيا. هكذا نجد أن كلّ يغْيا هي متخلّلة في، وتسبّب بدرجة ما من الوعي القدسي. في وجهتها الأعلى، إن اليغْيا هي الطريق إلى الوعي الكوني وفي النهاية إلى اكتمال الحياة في وعي الله؛ أما في وجهتها الأدنى، فهي أداء المناسك والطقوس لكسب إحسان الآلهة. هذا هو المفهوم الكامل لليغْيا.

من الكؤكد أن القدسي هو كلي الوجود ولذلك هو موجود في شكل مستتر حتى في تلك الأشياء التي تعارض للتطور. لكن المولى يقول هنا بأنّ الوعي القدسي، البرهما، هو موجود في اليغْيا. هو لا يقول بأنّ الوعي القدسي موجود في الأعمال باستثناء اليغْيا.

يفترض أن تحتوي كلّ برتقالة على العصير، لكن البرتقالة المجففة لا تعطي أيّ عصير. لذلك يقال بأنّ العصير موجود في البرتقال الجديد. حتى البرتقالة المجفف لها عصير، لكن لأنه لا يمكن استخراجه، لا يمكن أخذ مثل هذه البرتقالة في الاعتبار عندما يكون العصير مطلوباً. وهكذا، يمكن للوعي القدسي أن يتطوّر من خلال أنواع العمل تلك التي تساعد على التطور. إنه لا يمكن أن يتطوّر من خلال الأعمال الشرّيرة أو الأثيمة، التي تميل إلى جعل العقل قاسياً وتؤدّي إلى القصور الذاتي. هذا ما يسلب العقل من قدرته على تجاوز النسبية وبلوغ الوعي القدسي.

لهذا السبب يقول المولى أن تلك الأعمال التي تصنف تحت أنواع اليغْيا تحمل معها الوعي القدسي.

Back السابق Home المدخل Up فوق Next التالي