اضغط هنا للعودة إلى الصفحة الرئيسية للموقع الفصل الثالث 16 إلى 20
 

  موقع الإشراق الشبكة العالمية

Home المدخل
Up فوق
الفصل الثالث 1 إلى 5
الفصل الثالث 6 إلى 10
الفصل الثالث 11 إلى 15
الفصل الثالث 16 إلى 20
الفصل الثالث 21 إلى 25
الفصل الثالث 26 إلى 30
الفصل الثالث 31 إلى 35
الفصل الثالث 36 إلى 40
الفصل الثالث 41 إلى 43

الآية السادسة عشر

 

إن من لا يتبع في حياته

هذه الحلقة من الدوران،

وحياته ممتلئة بالخطايا،

ويتمتّع بمدركات الحواس،

إنه يعيش في الفراغ، يا بارتا

 

"هذه الحلقة من الدوران": تمرّ الحياة من خلال المجالات المختلفة من الوجود، السطحي والمرهف، وبهذه الطريقة تستمر عملية التطور. إنّ بداية الحياة في الوعي غير الظاهر الصافي، "الأزلي" في الآية السابقة. إذا ببقي الإنسان دائماً في حقل الحواس وأخفق في الوصول إلى مصدر الوجود، إذا لم ينتقل عقله من السطحي إلى المرهف كي يدرك بأنّ الأزلي هو المصدر النهائي لكلّ الخليقة، "يعيش في الفراغ" إنه لم  يستفد من فرصة التمتّع بالسعادة العظيمة التي تقع وراء مجال الحواس؛ ولم يعبر الحقل الكامل للحياة؛ ولم يذهب من الأصل ويعود إلى الأصل؛ إنه "لا يتبع هذه الحلقة من الدوران". لقد ارتكب إثماً ضدّ نفسه وذنباً ضدّ الله، لأنه أخفق في الارتفاع إلى الاكتمال. لذلك يقول المولى بأنّ "حياته ممتلئة بالخطايا".

إن من أدرك الحياة من خلال كلّ الطبقات المرهفة والسطحية للوجود والكينونة النهائية من خلال كلّ الأعمال، والذي يعيش الاكتمال في وعي الله، يمكن أن يقال عنه بأنه اتبع "حلقة" الخليقة - ذهب إلى ذاك من حيث أتى.

في الآيات التالية، يظهر المولى بالتفصيل حالة الفرد الذي يتمتّع بهذه الحياة الكاملة.

 

الآية السابعة عشر

 

ولكن من يجد الغبطة في الذات وحدها،

ومن يكتفي بالذات،

ومن يبتهج فقط بالذات،

لن يكون هناك عملاً يحتاج أن يفعله.

 

إن "من" هو ثابت بحزم في الذات، الكينونة الأبدية، ولم يرتبط بأي شيء آخر؛ الذي أدرك أن الكينونة هي منفصل عن حقل النشاط وأنها منفصلة دائماً من كلّ شيء ما عدا ذاته الخاص؛ والذي، وعلى الرغم من أيّ نشاط على سطح الحياة، يبقى إلى الأبد في وعي الذات؛ والذي، وبالعيش بها خلال الحالات النسبية للوعي؛ اليقظة والحلم والنوم، يكون ثابت أبداً في الحالة المطلقة للوعي، حالة الكينونة، إدراك الذات.

كلّ الأعمال التي يؤدّيها الإنسان تكون مندفعة بالرغبة لإنجاز شيء ما وللتمتّع به. عندما يصل إلى حقل وعي الغبطة المطلق، تلك الحالة التي هي الاكتمال لكلّ الرغبات، يصبح ممتلئاً بديمومة الطمأنينة، لأن غاية كلّ الرغبات والأعمال تكون قد تحققت. لهذا السبب يقول المولى " لن يكون هناك عملاً يحتاج أن يفعله".

ولكن هل هو سيتوقّف عن العمل؟ يجيب المولى في الآية التالية.

 

الآية الثامنة عشر

 

ولا يهتم في جني الربح من العمل

 الذي يقوم به، أو العمل الذي لا يقوم به،

 ولا يحتاج إلى الاعتماد على أي

 مخلوق من أجل أي غاية.

 

إنّ الإنسان الذي يكون مطمئناً في نفسه يواصل بالتأكيد عمله في العالم، لكن سلوكه يصبح سلوكاً طبيعياً. إنه لا يكون مندفعاً بالرغبات الأنانية، ولا تفسد فعاليتها من أي عيوب قد تنشأ عن البلادة من ناحيته.

يحدث هذا لأنه أكمل غاية كلّ رغباته المحتملة وكلّ أعماله المحتملة في حياته. إنه يشغل نفسه الآن ولكن ليس بالأعمال المندفعة بالفردية الأنانية بل بالأعمال المندفعة بالغاية الكونية. من خلاله يعمل الذكاء القدسي، لأنه أصبح آلة ملائمة لتنفيذ الخطة القدسية في العالم. إن مثل هذه الحياة هي الحياة الطبيعية. إنها نتيجة للفكر الثابت.

لقد كان الاعتقاد السائد بأن هذا الآية تدعو إلى الوصول إلى العمل بلا رغبات وذلك بخلق الحس العقلي في النزاهة في العمل، لكن هذا التفسير خاطئ. إن مثل هذا الحس في النزاهة ليس له أي تأثير على إدراك الوعي الكوني أو الوعي الذاتي، أو وعي الله، ولا يضيف بأية حال إلى الفاعلية في الحياة. إنه فقط يضعف كلّ مراحل الحياة، الروحية والعقلية والمادية. في الآية القادمة، يؤكّد المولى على صلاحية العمل لتكامل الحياة.

 

الآية التاسعة عشر

 

هكذا وبدون أي تعلّق،

قُم دائماً بالعمل الذي يستحق الأداء.

لأنه بالقيام بالعمل دون التعلّق به،

يصل الإنسان إلى الأسمى

 

هكذا، يقول المولى، وبالانفصال كما أنت، ومن دون التعلق كما أنت، بالتباعد إلى الأبد من حقل العمل كما أنت بشكل طبيعي، قم " بالعمل الذي يستحق الأداء".

يطلب المولى عملا في حالة الحرية ويعلن بأنّ الحرية موجودة، إنها طبيعية للإنسان – إن حياة الإنسان هي في التحرر. ليس هناك حاجة لأي جهد لنيل الحرية؛ إنه موجودة.

إن مذهب الكارما يوغا، يتطلب من الإنسان فقط أن يكون في حالته الطبيعية والعادية للوعي الذاتية، ولكي يكون في طبيعته الخاصة. وفي الحقيقة ينصحه المولى بأن يعمل. وهذه النصيحة هي من أجل أن التثقيف على التحرر في وعي الله.

يتجه العقل، متحرّكاً بطبيعته الخاصة للتمتّع أكثر، نحو الحقل المرهف للاختبار في أثناء التأمل التجاوزي ويصل إلى حالة الكينونة بشكل تلقائي جداً. وهكذا يكون النشاط المكتسب بعد هذه الحالة للكينونة منقاداً بشكل تلقائي جداً بواسطة الطبيعة. لذلك إن تطوير الوعي الكوني، الذي يشكّل قاعدة للوصول الأسمى لوعي الله، هو عملية طبيعية، خالية من الجهد.

إن "الأسمى" لله، الذي يترأّس النسبي والمطلق هو امتلاء كليهما. هذا الآية تذكّرنا بالآية السابعة والأربعون للفصل الثاني. يكشف المولى أهمية العمل الطبيعي غير المقيّد في طّريقنا إلى إدراك وعي الله. أظهرت الآيات السابقة قدرة الإنسان على التصرّف وفقاً لأسلوب طبيعي استناداً إلى امتلاك الوعي الكوني. تظهر الآية الحالية بأن أداء العمل بأسلوب طبيعي غير مقيّد هو وسيلة إدراك "الأسمى". في حالة الوعي الكوني، تكون صلاحية العمل مقبول لأجل تطوّر وعي الله. هذا الآية يجب أن يتم درسها بعناية جداً كي نفهم الوسائل التي بها قد نبلغ وعي الله. لا يجب أن تكون الوسائل مربكة بالنهاية. إن الوعي الكوني، الذي فيه يتم اختبار الذات بأنها منفصل عن النشاط، هو ليس النهاية، إنه ليس الحالة النهائية للتطوّر؛ إنه الوسيلة إلى وعي الله.

عندما يصل العقل، من خلال التأمل، إلى الوعي الذاتي التجاوزي من ثم يعود من حقل الكينونة المطلقة، يصبح من الضروري له الانشغال بالنشاط. بهذه الطريقة تتغلغل طبيعة الكينونة التجاوزية في العقل، ويكون لها الفرصة في الحفاظ على ذاتها  حتى عندما يكون العقل منشغلاً في اختبار الحقل النسبي للحياة من خلال الحواس. هكذا يبقى الفرد بشكل دائم في الوعي الذاتي وبذلك يتمتّع بالحياة في الوعي الكوني.

هكذا، واستناداً إلى العمل، تتغلغل الطبيعة القدسية التجاوزية إلى الحياة العملية، وتجعل الإنسان متكامل كلياً، كي يعمل في الحقل النسبي للوجود في حين يبقى ثابتاً في الكينونة المطلقة. في هذه الحالة من الطمأنينة تكون أعماله عادية وطبيعية، "تستحق الأداء"

عندما يتم إدراك الذات، في حالة الوعي الكوني، على أنها منفصل عن كلّ نشاط، يكون "العمل الذي يستحقّ الأداء" عمل مكرّس إلى الله. إن نشاط التكريس هو النشاط الأرقى والأعلى والأكثر صفاءً، لأنه يرفع بشكل مباشر إدراك الافتراق بين الكينونة والنشاط، كما يتم اختباره في حالة الوعي الكوني، وصولاً إلى حالة موحدة لإدراك لله وحده. يفسح إدراك الذات وإدراك النشاط، إدراك الاثنان، المجال للوحدانية في إدراك الله، في وعي الله. إن ثنائية الذات والنشاط تجدان نفسها متغلغلة باللّه. هو وحده يبقى، هو وحده يسيطر على الحياة، وفي نوره هو، ومتغلغلة به، تقف الذات في الأحادية معه ومع الحقل الكامل للعمل المسيطر عليه من قبله. فيه نجد الاثنان متّحدان إلى الأبد إنهما الذات والنشاط للوعي الكوني.

هذه هي حالة الحياة في وحدانية وعي الله التي تم التعبير عنها بالكلمات " يصل إلى الأسمى" في هذا الآية التي تمجد العمل في حالة الوعي الكوني.

إن العمل الذي يستحقّ الأداء قد يتم اعتباره في خمسة مستويات مختلفة من الحياة؛ الأولى، في أثناء حالة اليقظة العادية للوعي؛ والثانية، عندما يتم اكتساب وعي الذات ويتطوّر إلى الوعي الكوني؛ والثلاثة، العمل في حالة الوعي الكوني؛ والرابعة، العمل الذي يساعد الوعي الكوني للتطوير إلى وعي الله؛ والخمسة، العمل في حالة وعي الله. تعنى هذا الآية بالمستويات الثلاث الأخيرة من العمل. أما التعبير "تستحق الأداء" يؤكّد على نوعية العمل المساعد لكسب الحالات الأعلى من الوعي.

إن من أدرك الذات في الوعي التجاوزي، وأدرك الذات بأنه منفصلة بالكامل عن النشاط في الوعي الكوني، والذي اكتسب الاكتمال بإدراك الذات في التوحد مع الله في وعي الله، وصل إلى الحالة حيث تكون غاية كلّ نشاط مكتملة. لأن ذاته هي ثابتة في الذات الكونية، لا يوجد هناك شيء يمكن أن يكسبه من غيره. إن ذاته هي غير متورطة بأي طريقة – هي غير مرتبطة بالنشاط (الآية السابعة عشر) وهي غير مرتبطة بذات الكائنات الفردية (الآية الثامنة عشر). وتكون ذاته هي ذات كل الكائنات.

  

الآية العشرون

 

بالعمل وحده، اكتسب الملك جناكا

والمحاربون الآخرون الكمال.

علاوة على ذلك، حتى في النظر في

مصلحة العالم يجب أن تقوم بالعمل.

تمجد هذه الآية العمل لقيمته إلى العالم وفي كونه وسيلة لتحرر الأبدي من العبودية. وفي نفس الوقت تعطي بالأمثلة الملموسة، المبادئ المجرّدة للكارما يوغا وتأثيراتهم.

لقد كان مجد العمل الذي جلب تكامل الحياة في وعي الله إلى "جناكا والآخرون" ومكّنهم في فعل الخير إلى العالم.

يعتمد تكامل الحياة على العقل ويعبر في دورة بين حقل المطلق وحقل النشاط. يذهب العقل إلى غير الظاهرة ويرجع إلى الظاهر، وهكذا يختبر حقولي الحياة والمطلق والنسبي. هذه هي حالة الإنسان المتكامل في الوعي الكوني.

عندما تبيّن أن الملك جناكا والآخرون مثله كانوا مثبتين في الحقيقة بينما هم نشيطون بالكامل، في العالم، لم يكمن السرّ في نشاطهم الخارجي المستمر. بل كان كمن في الحقيقة بأنّ مثل هذا النشاط قد اكتمل باختبارهم التجاوزي من خلال النشاط الداخلي للتأمل. إذا نظرنا إلى مسيرة العقل من النشاط الخارجي السطحي إلى التجاوزي، يمكننا أن نقول بأنّه نشاط في اتجاه إنهاء النشاط الذي يعطي العقل منزلة المطلق. إن التأمل بحد ذاته هو نشاط. وعلى ضوء ذلك، يمكن بالتأكيد أن نعتبر بأنّ "العمل وحده" هو الذي يجلب الكمال.

إنّ الذات هي كلية الوجود وأبدية. وهي ليس بحاجة إلى أيّ شيء لإدراك ذاتها. يفقدها الإنسان بالبقاء في حقل النشاط. لذلك ومن أجل أن يدركه، يجب عليه ببساطة أن يخرج من النشاط، لينشغل في الحقول المرهفة من النشاط إلى أن يخرج بالكامل من حقل النشاط، في الحقل التجاوزي. هذا ما يوضّح مبدأ التنوير من خلال العمل.

وكنتيجة مباشرة لهذا النشاط الداخلي للتأمل، يصبح النشاط الخارجي في العالم أكثر ناجحاً وأكثر مثالية. هذا ما يعني به المولى عندما يقول: " بالعمل وحده، اكتسب الملك جناكا والمحاربون الآخرون الكمال"

يبدأ كلّ عمل من الطبقة المرهفة للحياة النسبية، التي هي واحدة تقريباً مع مستوى المطلق، مع الكينونة الصافية. يبدأ كفكرة. وتمر الفكرة بحد ذاتها من خلال العديد من المراحل من المستوى المرهف إلى السطحي. في مرحلة معينة تصل إلى ذلك مستوى حيث يقدرها العقل بشكل واعٍ كفكرة، ويكونها أن تتحول عندئذ إلى الكلام أو النشاط.

خلال ممارسة التأمل التجاوزي، يبدأ تقدير الفكرة المستوى الألطف. وفي هذا المستوى يكون أكثر قوّة ويؤدّي إلى العمل الأكثر ناجحاً. هكذا، بالاختبار المباشر للكينونة التجاوزية من خلال التوجه الداخلية للعمل أثناء تأمل، لا يكسب الإنسان التحرر الروحي فقط بل يكسب أيضاً نجاحاً أعظم في العالم.

إن الطمأنينة والصفاء المكتسبة من خلال هذا العمل للتأمل تنتج التأثيرات المنسجمة والمساندة للحياة في العالم بأكمله. وبرفع وعي الإنسان، فهي تملأ قلبه بالمحبّة الكونية، التي تقنعه بالعمل من أجل "مصلحة العالم" على نحو طبيعي أكثر.

يجب علينا أن نتذكّر بأنّه لا نحتاج إلى وقت طويل من التأمل الصامت للوصول إلى الكينونة التجاوزية: فقط وبعملية غطس واحدة في أعماق الذات لبضع دقائق ويكون العقل متغلغلاً بطبيعة الوعي الصافي، الذي تبقيه معززاً خلال كلّ نشاطات اليوم. هذه هي الطريقة كي نعيش الحياة الروحية، التي تجعل أيضاً الأوجه البدنية والمادية مجيدة من الحياة في العالم.

Back السابق Home المدخل Up فوق Next التالي