|
الآية السادسة والعشرين
على الحكيم أن لا يخلق انقساماً
في عقول الجهَلة المتعلّقين بالعمل.
وبوعيه الثابت عليه أن يوجههم
للقيام بكل عمل، وذلك بأن يقوم هو
بذاته بالعمل على أكمل وجه
"على الحكيم أن لا يخلق
انقساماً في عقول الجهَلة": إنّ حالة الإنسان المدرك هي نتيجة العديد من
سنوات التطوير الداخلي المؤسسة على القيم الصحيحة في الحياة. هذا ما يجعل
حياته تسير بشكل طبيعي في القنوات الصحيحة من التصرّف. وبالرغم من أن
الكينونة هي فوق عوالم الصواب والخطأ، تكون أعماله أعمالاً صحيحة بشكل
طبيعي جداً. في هذا الآية، توجه إليه النصيحة بأن يسمح للإنسان الجاهل بأن
يقوم بواجبه. يجب عليه أن يمتنع عن إخباره بأنّ حالة التنوير متحررة من كل
الخير والشر، وبأنّ الحقل الكامل للنسبية هو فقط مسرحيّة الغونات الثلاث،
الذي لا تنتمي إلى الكينونة.
إنه ربما مهم بدرجة أكبر أن لا يربك الرجال الحكماء الجاهل بإخباره عن
الطبيعة الذات غير المتورطة. إن فكر الإنسان الذي لم يدرك بعد هو مرتبط
كلياً بالنشاط. يجب على المدركون أن لا يخلقوا انقساماً في عقل مثل هذا
الإنسان. يجب عدم التكلم معه عن الانفصال بين الذات والنشاط، وإلا قد يفقد
الإنسان الجاهل اهتمامه في الحياة العملية، وإذا حدث هذا، فلن يكون قادراً
على اكتساب الإدراك. إنه ليس الفهم الفكري عن انفصال للقدسي عن النشاط ما
هو مطلوب، لكن الأجدى هو اختبار تلك الحالة التي تجلب التنوير للإنسان. لكي
يكتسب الفرد هذا الاختبار ويصبح ثابتاً فيه، من الضروري القيام بالنشاط
الواعي على مستوى الحقول السطحية والحقول المرهفة أيضاً. يحثّ المولى
الحكماء: بأن يعلموا التأمل التجاوزي إلى الإنسان الجاهل بحيث قد يشغل ذاته
في المراحل المرهفة من النشاط وبذلك يدرك الكينونة التجاوزية، الذات، في
طبيعتها الحقيقية كونها مجردة من أيّ نشاط. وبأن يعلموه أن بعد أن يكسب هذا
الإدراك، يجب عليه أن يواصل التصرّف في الحياة اليومية بحيث قد يصبح ثابتاً
بحزم في الطبيعة الحقيقية لعقله. ومن ثم أعطيه المصل بقيامك بنفسك "بالعمل
على أكمل وجه".
"بكل عمل": إن كلّ نوع من النشاط هو ضروري للحياة في العالم، نشاط
الأنا والفكر والعقل والجسم. كلّ النشاطات السطحية والمرهفة، وفي كلّ حقل
الحياة، لها مكانها في مخطط تطوره.
إن النشاط على المستويات المرهفة أكثر هو نشاط عملية التفكير. في أثناء
التأمل، تصبح عملية الاختبار، وفي كلّ لحظة، صافية أكثر فأكثر، ويتجاوز
العقل في النهاية المستوى الألطف للنشاط. يشير المولى ضمناً إلى أنّ هذا
النشاط الأدق، هو أيضاً، لا يجب أن يكون مهملاً في وسط النشاط السطحي
للتفكير والكلام والعمل. لقد أعطي الحكماء بأن يروا أن كلّ نشاط، أكان
سطحياً أو مرهفاً، يقوم به كلّ إنسان في المجتمع وبالنسب المطلوبة - يجب أن
يكمّل نشاط الحياة اليومية بالتأمل في الصباح والمساء.
"بكل عمل" لا يجب أن نفهمها
بأنها تضمن الأعمال الخاطئة. هذا ما يظهر في الآية الثامنة والتاسعة.
تقدم الآيات التالية تبرير المولى كريشنا لأداء النشاط الصالح من قبل
الجاهل.
الآية السابعة والعشرون
تُنجز الأعمال في مطلق الأحوال
نتيجةً لتفاعل غونات الطبيعة؛
أما من ضُلِّل عقله بالشعور بالأنا،
يعتقد أنه هو الفاعل
يكشف هذه الآية الفاعل لكلّ الأعمال وتعطي جواب مبارك إلى السؤال الذي
يطرح نفسه بشكل طبيعي عندما، ومن خلال ممارسة التأمل التجاوزي، يبدأ الفرد
في العيش في وعي الغبطة، يبدأ بالشعور بالاكتفاء الذاتي. كيف يمكن للعمل
المندفع دائماً ببعض الرغبة، يكون ممكناً في حالة الطمأنينة الكاملة؟
الجواب على هذا السؤال: "تُنجز الأعمال في مطلق الأحوال نتيجةً لتفاعل
غونات الطبيعة ".
إن الساتفا والرَجَس والطَمَس ، هي الغونات الثلاثة للطبيعة (براكريتي).
وبراكريتي هي القوة المحركة الأساسية. هي المكوّن الأساسي للمخلوقات
الظاهرة وفي أساس كلّ النشاط. هذا ما يعني به المولى عندما يقول بأنّ كلّ
الأعمال وكلّ الأحداث في الخليقة تنشأ عن الغونات الثلاثة ومن التقلبات
والتجمعات.
إن كيفية تفاعل الغونات قد يوضح بمثال التالي.إنه من قوانين الطبيعة
بأنه عندما يتكون الفراغ في مكان ما في الجوّ، يبدأ حالاً تدفق التيار من
منطقة الضغط المرتفع، ويقع السبب لذلك على الفراغ. إن الفراغ هو الذي كوّن
هذه الحالة. وبالطريقة ذاتها، تجري تيارات الغونات الثلاثة من أجل أن تبقي
متوازنة فيما بينهم. تتدفّق التيارات بشكل مستمر بين حقول الوجود، وبهذه
الطريقة تخلق النشاطات مختلفة وتحافظ عليها بشكل طبيعي. إن العالم الظاهري
بكامله هو لا شيء سوى تفاعل الغونات الثلاثة.
تتفاعل الغونات وتظهر، على سبيل المثال، في العمليات الأيضية للجسم،
وعلى أساسها يأتي الشعور بالجوع والعطش. إنّ الحاجة للغذاء والماء هي في
المجال الفسيولوجي، لكن الأنا يشعر " أنا جائع" أو "أنا عطشان". هكذا تكون
الغونات، وعلى نحو مماثل، مسؤولة عن كلّ اختبار. إنها أساس كلّ الأحداث
والنشاطات، لكن الأنا تأخذ الأمر على عاتقها وتشعر "أنا أتصرّف".
طالما لم يتم اختبار الذات بأنها منفصل عن النشاط، يبقى العقل
"مخدوعاً" حول منزلته الخاصة وعلاقته بالنشاط؛ وبربط ذاته مع طبيعة
الغونات، يتخذ دور الفاعل للعمل، الذي في الحقيقة يعود إلى الغونات. هكذا،
ونتيجة لجهل ذاته الخاصة، يقع الإنسان في عبودية العمل.
الآية الثامنة والعشرون
ولكن من يعرف حقيقة تقسيم
الغونات وأعمالها، يا أيها
المسلّح الجبّار، ويعرف إن
الغونات هي التي تعمل بالغونات،
يبقى دون تعلّق وغير مقيّد بها
هذه الآية، وبالمقارنة مع الآية السابقة، تظهر الحالة العقلية للإنسان
المدرك، وفي الوقت ذاته، تعطيه نظرة عميقة على عملية الإدراك من خلال معرفة
الغونات الثلاثة.
هناك ثلاثة غونات التي تشكّل براكريتي. وبراكريتي لها ثمانية طيات. هذا
ما يسبّب الانقسامات الأساسية إلى أربع وعشرين في حقل الغونات. إن معرفة
هذه الانقسامات الأربعة والعشرون ومعرفة أعمالهم تحرّر الإنسان من عبودية
العمل بإظهار كيفية انبثاق الوجهتين الذاتية والموضوعية في حياتنا من
الغونات، وكيف تكون الذات غير مرتبطة بأيّ شيء إلى الأبد في الحقل الظاهر
للحياة.
تعرض طريقة التحرر من العبودية هنا الميزّات الهامّة التالية:
1.
يجب أن
تكون المعرفة شاملة وعميقة، لذلك يقول المولى: "هو من يعرف الحقيقة".
2.
يجب أن
تكون المعرفة حول:
(أ)
"الغونات"
(ب)
"انقساماتهم"،
(ج)
"أعمالهم".
3.
يجب أن
تكون المعرفة أيضاً حول تفاعل الغونات؛ يجب على الفرد أن يعرف بأنّ الغونات
هي بذاتها الذاتية، وهي بذاتها الموضوعية وهي بذاتها علاقة الذات بالموضوع؛
وبأنّها تشكّل شمولية الوجود الظاهري. يقول المولى: "إن الغونات هي التي
تعمل بالغونات".
وبما أننا، في الآية السابق، وضعنا مسؤولية العمل على الغونات الثلاثة،
يقول المولى، في هذا الآية بأنّ من يعرف الحقيقة حول الغونات وأعمالهم
"يبقى دون تعلّق"
وقد يطرح السؤال: هل أن الفهم الفكري للغونات هو كافٍ لجلب الحرية؟ إذا
أمكن للفهم الفكري أن يكمل شروط المعرفة الواردة أعلاه، عندئذ وطبقاً لهذه
الآية، من الممكن وبالتأكيد جعل الإنسان "دون تعلق" بما فيه الكفاية كي
يصبح حرّاً بشكل كامل. لكنّ من المشكوك فيه ما إذا أمكن "للحقيقة" حول
الغونات الثلاثة وتفاعلهم أن تُعرف فقط على مستوى الفهم الفكري، من دون
الفهم المباشر لطبيعة الغونات في المستوى المرهف للخليقة.
وعندئذ يطرح سؤال آخر: ما هي الطريقة إلى مثل هذا الفهم المباشر؟
الجواب بسيط. إن الغونات هي الوجهة الألطف للخليقة. لذلك، إذا تمكن الإنسان
في أخذ انتباهه إلى المستوى المرهف للخليقة، سيكون ممكناً له معرفة ماهية
الغونات وانقساماتهم وكلّ التفاصيل التي تتعلّق بأعمالهم. في الحقيقة، يتم
كسب كلّ هذه المعرفة في أثناء التأمل تجاوزي عندما يوشك العقل أن يتجاوز
الحالة المرهفة لغرض الانتباه. وبناء عليه، وبقول المولى: " من يعرف حقيقة
... الغونات" يمكن أن نضيف في مجال التعاليم: "كون من دون الغونات
الثلاثة" لأنها هي الطريقة لمعرفة "الحقيقة" في المستوى المرهف للخليقة.
عندما نثبت في الوعي التجاوزي، الحالة التي هي من دون الغونات الثلاثة
، يعرف العارف للحقيقة بالاختبار أن نطاق العمل متواجد على سطح حياته
ومنفصل عن وجوده الحقيقي. هكذا لا تعني عبارة "من يعرف الحقيقة" فقط من
يعرف "انقسامات الغونات وأعمالهم"، بل يكون أيضاً قد أدرك الذات بأنها
منفصلة عن النشاط. هذه الحالة الطبيعية للافتراق عن العمل، التي يتم كسبها
من خلال ممارسة التأمل التجاوزي، هي أساس بقائه "دون تعلّق". عندما تثبت
حالة الكينونة، أو الوعي الصافي، بحزم في الطبيعة الحقيقية للعقل، يعيش
الفرد بشكل طبيعي جداً هذه الحالة من الوجود الصافي منفصلة عن حقل النشاط،
حتى حينما تكون كل من الأنا والفكر والعقل والحواس منشغلة بالعمل. يجد
الفرد أن حقل النشاط يبقى في دائرة الغونات الثلاثة ودون أن يرتبط بوجوده
بشكل حميم. هكذا "يبقى دون تعلّق" بشكل طبيعي وفي وسط النشاط. تملأ هذه
الحالة من المعرفة الحقل الكامل من فهم الفرد. لذلك يقول المولى: "ويعرف إن
الغونات هي التي تعمل بالغونات، يبقى دون تعلّق".
تتكلّم الآية الحالية عن العمل من ناحية الحرية من خلال معرفة
السانكهيا، لكن وبينما تكسب هذه المعرفة كمالها من خلال عملية الاختبار
المباشر فقط، فهي تشمل تقنية وفلسفة اليوغا. لذلك يجمع المولى، في هذا
الآية، فلسفات السانكهيا واليوغا، التي تم وصفها بشكل منفصل في الفصل
الثاني، ويطلق مبدأ التحرر من عبودية الكارما الناتجة عن التأثير المشترك
من التعاليم الفلسفتين. هذا يما يؤمن القاعدة للكارما يوغا وضروريات
إنجازها.
إنّ الغاية الشاملة لهذا الآية،و بالرغم من أنّها تتكلّم من ناحية
الغونات، هي في تسليط الضوء على حالة امتلاء الحياة في وعي الغبطة المطلقة
– جيفان موكتي.
الآية التاسعة والعشرون
أولئك المضلّلون بغونات الطبيعة
هم متعلّقون بأعمال الغونات.
ولكن من يعرف الشمولية عليه
أن لا يربك من يعرف الجزء منها فقط
يحذّر المولى ثانية الإنسان المتنور أن لا يذيع ما يفهمه عن الحياة على
الجهلة. ويعود سبب ذلك في أن الإنسان المتنور، الثابت في الكينونة، يقف على
أرضية صلبة؛ ومن هذا المنطلق يرى العالم بأنه تفاعل الغونات الثلاثة ويعرف
من اختباره أن تأثيرات الساتفا والرجس والطمس، ليس لها تأثيراً عليه. لكن
إذا حاول الإنسان الجاهل تقليد حالة المتنور في حياته الخاصة، عندئذ سيخلق
الإرباك في سلوكه، وعمله قد يهبط إلى النمط الذي فيه يقوّض صلاحية الخير
والشر في حقل الحياة العملية. إن مثل هذا الرجل لن يثبت جدارته لنفسه ولا
إلى الآخرين. وإذا ارتكب عملية السرقة، قد يقول الرجل الجاهل بأنّ هذا هو
فقط تفاعل الغونات الثلاثة فيما بينهم، وأن ذاته عير متورطة بالعمل
وبالتالي هو غير مسؤول. إنه لم يفعل أي شيء! لهذا يحذّر المولى المتنورين
بعدم كشف الحالة الداخلية لعقلهم إلى الجاهل.
إنّ الاستدلال من ذلك هو بأنه إذا أراد الإنسان المتنور أن يبارك من هو
جاهلاً، يجب عليه أن يقابله على مستوى جهله ويحاول رفعه من هناك بإعطائه
المفتاح للتجاوز، وبذلك قد يكسب وعي الغبطة ويختبر حقيقة الحياة. يجب أن لا
يخبره عن مستوى المتنورين، لأنه يربكه فقط.
الآية الثلاثون
أسلّم كل أعمالك لي،
وحافظ على وعيك في
الذات الكلية، متحرّراً من
التشوّق والشعور بالتملّك،
حارِب، مبتعداً عن حمّى الضلال
بما أن الخليقة كلها هي مسرحيّة الغونات الثلاثة، يقول المولى لأرْجونا
بأن يتصل بمصدر الغونات الثلاثة. بأن يجلب الانتباه إلى الوعي التجاوزي
ويصبح ثابتاً في ذلك الحقل للوجود، يقول، أنت ستتحرر من كلّ النشاطات
وتأثيراتها. في تلك الحالة من الحرية والطمأنينة، انهض وحارب.
هذه الآية مكمّلة للآية 28 لأن معرفة النسبية يكسب الاكتمال في إدراك
الأسمى. وعلاوة على ذلك، حتى بالمعرفة الكاملة للغونات الثلاثة، التي تشكّل
قاعدة الخليقة الكاملة، يظل التآلف الشامل مع الخالق أساسياً.
"حمّى الضلال": يذكّر
المولى أرْجونا بالحيرة التي انتاباه في الآية الثانية.
"متحرراً من التشوّق": لأن
الفرد قد اكتسب الاكتمال في الحياة (الآيات 17 و18).
"متحرراً من ... الشعور
بالتملك": عندما يكسب الفرد الوحدة مع الكينونة والانشقاق عن حقل النشاط
(الآيات 27 و28)، تتوقّف الأنا عن أخذ الأعمال على عاتقها وبالتالي تتوقّف
عن التقيد بثمارها. وهكذا ينقل كلّ العمل بشكل آلي إلى سيد الخليقة.
في أثناء التوجه الداخلي للتأمل، يكسب الفرد اختباراً واضحاً للكينونة
التجاوزية. وبالممارسة المتكرّرة للتجاوز، يختبر الفرد ذاته أنها بعيدة عن
النشاط ويدركها بأنه غير فاعلة، بالرغم من أنّ الفرد يكون منشغلاً بالعمل.
في هذه الحالة ينسب الفرد كلّ نشاط يقوم به إلى قوّة الكلي القدرة الذي يقع
خلف الغونات وانقساماتها وأعمالها (الآية 28). فيبقى الفرد ثابتاً في
الذات، بينما يتم إدراك المولى بأنه القائم بكل الأعمال، ينفّذها من بواسطة
الغونات.
إن الخطوات التي فيها يتم بلوغ هذه الحالة هي كالتّالي: خلال ممارسة
تأمل تجاوزي يختبر الفرد أولاً الذات، أو الكينونة، وبعد ذلك، كنتيجة لهذا
الاختبار التي تصبح أعمق وأوضح، يختبر الفرد انفصال الكينونة عن النشاط.
وكذلك وعندما يصبح اختبار الانفصال أعمق وأوضح، يبلغ الفرد التنور بالمعرفة
حول ميكانيكية النشاط (الآيات 23, 24, 27, 28). تكشف هذه معرفة موقع الفرد
الحقيقي والخاص نسبة إلى موقع الأشياء وعلاقتها بالنشاط وبسيد الخليقة
كلّها. هذا يؤمن للفرد القاعدة الصحيحة للحياة الأبديّة في وعي الله. إما
مجد الحديث الحالي فهو: إن الصلة المباشرة مع الله يتم تثبيتها إلى الأبد
استناداً على اكتساب الفرد البراعة في فنّ العمل.
إن تسليم كلّ الأعمال إلى الله هو الحقيقة الحيّة من حياته. إنها ليست
بفكرة خيالية أو مزاج الاستسلام. هي حقيقة حياة الفرد في النشاط.
إن مدى الاستسلام ليس محدداً إلى أي وجهة من أوجه الحياة: يشمل كلّ
مجالات وجوده البدني والعقلي والروحي. وبالتالي فهو يتضمّن العقل والفكر
بالتأكيد. لكن فيما يتعلق بهذه الحالة من تسليم العمل إلى الله وكأنه فعل
مجرّد للعقل أو الفكر أو الشعور، سيكون ذلك غير منصف للمبدأ الذي تكشفه هذه
الآية.
"حافظ على وعيك في الذات
الكلية" تعني الحفاظ على الوعي الذاتي في حين القيام بالعمل. إن الحفاظ على
الوعي الذاتية التجاوزي سويّة مع النشاط في حالة وعي اليقظة يتطلّب التعايش
في الحالتين من الوعي. إنّ قدرة الجهاز العصبي للإنسان، التي الآلية
البدنية والتي من خلالها يظهر الوعي ذاته، يجب أن تتطوّر لاحتواء هاتان
الحالتان بشكل متزامن. هذا ما يمكن تحقيقه بالمقاطعة المنتظمة للنشاط
الدائم في حالة وعي اليقظة، بفترات من الاستكانة في الوعي التجاوزي. عندما
يتكيّف الجهاز العصبي بشكل دائم، من خلال هذه الممارسة، على الحفاظ على
هاتين الحالتين سوية، عندئذ يبقى الوعي متمركزاً دائماً في الذات. يوضّح
المولى هذه المركزة للوعي في الذات في طريقة "تسليم كلّ الأعمال لي". |