|
الآية السادسة والثلاثون
قال أرْجونا:
ما هي دوافع الإنسان كي
يرتكب الخطيئة، وكأنه منجذب
بالقوة دون إرادته، يا سيد فرشنايا؟
"فرشنايا": المولى كريشنا،
عضو عائلة فريشني التي تعود إلى عشيرة يدافا.
إنه سؤال أساسي وعملي الذي يسأله أرْجونا؛ يريد أن يعرف ما هي القوة
التي تقود دوريودهانا ومؤيدوه والتي قد تجعله شخصياً يرتكب الخطيئة العظمى
لقتل أقربائه.
يعرف اللصّ بأنّه يرتكب الخطأ وبأنّ ذلك سيؤدّي إلى العقاب. بالرغم من
ذلك فهو ليس قادر على المقاومة. لماذا هذا؟
بعد أن سمع الفلسفة العميقة انفصال الذات القدسية الداخلية عن حقل
النشاط، وبعد أن فهم بوضوح من الآية السابقة بأنّه من الخطر للذات أن تسقط
من الدهارما الخاصة بها للوجود الأبدي إلى مجال الدهارما في الطبيعة
المتغيّرة باستمرار للغونات الثلاثة، يندهش أرْجونا لرؤية بأنّ الحقيقة هذه
لانفصال للذات عن النشاط، التي هي الحالة الطبيعية للحياة، ليست ظاهرة في
الحياة اليومية للناس. هذا ما جعله يسأل السؤال في الآية الحالي. ويريد أن
يفهم تلك القوة التي تسلب الإنسان من حقيقة وجوده.
الآية السابعة الثلاثون
قال المولى المبارك:
إنها الرغبة، إنها الغضب، المولودة
من راغو-غونة، تبيد الكل، والأكثر شراً.
اعلم أن هذا هو العدوّ هنا على الأرض
"راغو-غونا": الرجس، إحدى الغونات الثلاثة للطبيعة. وهي المسؤول عن
الحركة والطاقة.
إن الرغبة هي التي تربط الحواس مع مدركاتها وبذلك تؤثّر على الذات عن
طريق التجاذب والتنافر (الآية 34)، والتي بدورها تخلق حافز للنشاط الذي
يورط الذات.
إن الوعي الذاتي، الوعي الصافي غير الظاهر، يظهر على شكل اهتزاز -
يتذبذب الوعي ويصبح عقلاً واعياً، وتظهر الفكرة. تستمرّ عملية الظهور،
وتطوّر الفكرة إلى رغبة. الرغبة هي الوعي المتذبذب يوضع في الحركة ويسلك في
اتّجاه معيّن. إنها كلّية الحركة وتمتطي الوعي الصافي الساكن دائماً؛ وهذا
يحدث استناداً إلى راغو-غونة.
عندما يكون تدفق رغبة معيّنة معرقلاً بتدفق آخر، تنتج الطاقة في نقطة
الاصطدام، وهذا ما يندلع كغضب، الذي يزعج ويربك ويكسر الانسجام والتدفق
السلس للرغبة. وهكذا يتم خلق الإرباك في الحقل الظاهر للحقيقة، وتفسد غاية
الظهور، التي تعمم السعادة؛ وتخذل الغاية الحقيقية للخليقة.
لذلك يدعى الغضب "العدو" من قبل المولى. إنه مثل الدوّامة في النهر
التي تهدّد بإزعاج التدفق السلس لكلّ شيء يمرّ فيه. إنه مثل النار التي
تحرق كلّ شيء في طريقه. يقال أن الغضب هو الشر الأكبر، يشوّه الغاية
الحقيقية للخليقة.
هنا يقف كل من الرغبة والغضب في قفص الاتهام. في حين يحطم الغضب غاية
الخليقة، تبقي الرغبة العقل يعوم في حقل الاختبار الحسّي وبذلك تكون مسؤولة
عن جعل العقل يورط الذات بالعمل ما لم تكسب الذات استقراراً في طبيعتها
الخاصة. وهكذا يتم حجب الحرية الأبديّة الطبيعية للذات. تحجب الرغبة في
حالة الجهل الطبيعة الصافية للذات، التي هي وعي الغبطة المطلقة، وهذا ما
يبقي الحياة في العبودية والمعاناة.
"تبيد الكل": يتقدم هذا
التعبير "المولودة من راغو-غونة". يشير هذا ضمناً، بما أن راغو-غونا هي
المسؤولة عن عمل الساتفا والطمس، وبما أن راغو-غونا موجودة في قاعدة كلّ
القوى البنّاءة والهدّامة للطبيعة، وكون الرغبة لها مصدرها في راغو-غونة،
فيكون للرغبة القدرة الطبيعية أيضاً في إسناد الحقل الكامل للغونات الثلاثة
أو تدمر غايتها بالكامل. لا يناقش المولى هنا وجهة التأييد والإسناد
للرغبة، لأنه في السياق الحالي يحلّل طبيعتها الحقيقية التي تخرج الذات من
ذاتها. وبحد ذاته، هي "تبيد الكل، والأكثر شراً"، لأنها تحجب الطبيعة
الحقيقية للذات كما تحجب وعي الغبطة المطلق، الطبيعة الحقيقية للحياة
أبديّة.
إن طبيعة الرغبة، كما تم كشفها هنا من قبل المولى، تنطبق فقط طالما لم
يكسب الفرد التنوير. إنها حقيقة فقط بالنسبة للباحث والإنسان الجاهل، وليس
للإنسان المدرك. عندما يكسب الفرد إدراك الذات بأنها منفصلة عن النشاط،
تتوقّف رغبة في أن تكون "العدوّ هنا على الأرض"، لأنه عندئذ تكون مدعومة
فقط بواسطة الغونات الثلاثة، بينما تبقى الذات متحررة بالكامل من تأثيرها.
في بقيّة هذا الفصل، يواصل المولى في إظهار طبيعة الغضب والرغبة، ويعرض
في النهاية الطريقة للتغلب على هذان العدوان في الحياة.
الآية الثامنة والثلاثون
كما هي النار مغطاة بالدخان
والمِرآة بالغبار والجنين بغلاف الرحم،
هكذا هو مغطى بذلك.
"هو مغطى بذلك": الوعي
الصافي مغطّى بالرغبات.
هناك ثلاثة استعارات في هذه الآية، ولكل واحدة أهميتها الخاصة.
يأتي الدخان عن النار ويغطّيه: وتأتي الرغبة عن الوعي الصافي وتحجبه.
المرآة مغطّاة بالغبار، التي تأتي من خارجها. إن مصدر الرغبة موجود
خارج حقل الكينونة في حقل الغونات. هذا المحفّز الخارجي يخلق الرغبة ويغطّي
الكينونة الصافية. لذلك من الممكن القول أن الرغبة تأتي من الخارج وتغطي
الكينونة كما تغطي الغبار المرآة.
بينما يغطّي غلاف الرحم الجنين فهو يدعمه ويبقيه على قيد الحياة، كذلك
تفعل الرغبة بحجب الكينونة وتدعم الكائنات وتعطيهم الحياة، فهي تغذّيهم
وتبقيهم على قيد الحياة.
لذلك إنها الرغبة التي يحجب في كلّ طريق الطبيعة غير متورطة للذات
وتتركها متورطة، إذا جاز التعبير وكما لو أنّها مقيدة بالنشاط.
الآية التاسعة والثلاثون
تُحجب الحكمة بلهيب لا يشبع
من الرغبة التي هي العدو الدائم
للحكماء يا ابن كونتي
"الحكمة"؛ أنظر الآية 32.
الرغبة، كما تم تعريفها في الآية السابع والثلاثون، هي مثل نار غير
قابلة للإخماد، لأن تدفق الرغبة هو في اتجاه معيّن، يستمرّ في الحركة
باختبار السعادة أو البحث عنها، يواصل التدفّق من النقطة إلى أخرى، حيت لا
يوجد هناك نقطة في الحقل النسبية ترضيه شهوته للسعادة الأعظم بشكل نهائي.
هكذا يستمر النشاط الذي لا يتوقف للرغبة في الحفاظ على الصلة الوثيقة
للترابط بين الذات والعالم الخارجي، وهذا ما يبقي الذات مقيدة، إذا جاز
التعبير، إلى حقل العمل. لا تسمح الرغبة للذات في البقاء غير متورطة في حقل
العمل، بالرغم من أنّ كلّ النشاط، في الواقع، تقوم به الغونات الثلاثة.
"الحكماء" في هذا السياق هم
الذين يعرفون "الحقيقة حول انقسامات الغونات وأعمالهم" والذي يعرفون "بأنّ
الغونات هي التي تعمل للغونات" كما هو واضح في الآية 28. الحكماء هم الذين،
ثبتوا في معرفة الغونات الثلاثة، يبقون غير مقيدين بحقل العمل. عندما يقول
المولى في هذه الآية أن الرغبة هي "العدو الدائم للحكماء"، إنه يحذر طلاب
السانكهيا بأنّ الفهم الفكري المجرّد للغونات الثلاثة غير كافٍ لتثبيت
الذات على أنها غير مرتبطة بالعمل وبثماره. من الضروري الارتفاع فوق تأثير
الرغبة. لكن طالما تستمرّ الحياة، يجب أن تكون في حقل الرغبات. لا يمكن
للإنسان العملي أن يكون أبداً من دون الرغبات. عندما يقول المولى: "تُحجب
الحكمة بلهيب لا يشبع من الرغبة التي هي العدو الدائم للحكماء"، هو لا ينوى
عرض المبدأ بأن الرغبة يجب أن تستأصل، لأن ذلك غير ممكن مادياً. وإن أيّ
محاولة في ذلك الاتجاه ستجعل فقط الحياة متوترة أو مملّة أو عديمة الفائدة.
إنّ غرض المولى هو في وضع الحقائق أمام أرْجونا، وبعد ذلك في إعطائه
التقنية التي بها يمكنه أن يرتفع بسهولة فوق التأثير الملزم للرغبة ويجعل
حياته زاهية وأكثر ونجاحاً واكتمالاً على كلّ مستوى. يشرح المولى بوضوح
ميكانيكية العبودية، لكي يكون أرْجونا قادراً أفضل على إدراك أن الارتفاع
فوق هذه العبودية وعيش الحياة بالحرية الأبديّة ليست صعبة ولكنها سهلة. إن
تشدد هذه الآية بشكل كبير على عداوة الرغبات يظهر ضمنياً بأنّ المولى سيقود
أرْجونا إلى الطريق الذي سيحوّل تأثير الرغبة من العداوة إلى الفائدة.
ستتوقّف الرغبات عن أن تكون "عدو الحكماء"؛ هم سيثبتون أنهم يؤيدون الحكماء
وسيجلبونهم الاكتمال من كل الجهات.
سيعطي المولى، من دافع اللطف العظيم، إلى أرْجونا تقنية بسيطة لتحويل
الآليات الكاملة التي تسبّب الرغبة، ولتحويل العقل والقلب بحيث يخدم ارتفاع
الرغبات وكلّ نشاطاتها كالموج العارم من المحبّة والغبطة نعمة في البحر غير
المحدود لوحدانية وعي الله. هذا يتضمّن إعطاء النمط إلى الآليات التي تخلق
الرغبة – الحواس والعقل والفكر – وبذلك ومع بقائها في حقل الرغبة، تبقى
متحررة من تأثير الرغبة. هذا ما سيسمح للذات في البقاء غير متورطة، تاركاً
الرغبات كي تعتني بها الغونات الثلاثة، بما يتعلق بنشأتها ونموها ولعب
دورها.
تحلّل الآية التالية الآليات التي تسبّب الرغبات، أما الآيات الباقية
هذا الفصل فهي مكرسة لإظهار الأساس، وفي نفس الوقت، التعاليم الأكثر
تقدّماً للتقنية حيث يخرج بها الفرد من التأثير الملزم للرغبات.
الآية الأربعون
الحواس والعقل والمنطق
هي مقرٍ لها (للرغبات)
فتُحجب الحكمة بسببها،
وتضلّل المقيم في الجسم
بعد أن أوضح إلى هذا الحدّ بأنّ خسارة الحكمة بشكل رئيسي هي بسبب ارتباط
العقل المستمر في حقل النشاط، بسبب الرغبة، يبدأ المولى الآن في وصف
الطريقة التي بها يمكن للوجهة الذاتية لحياة الفرد، التي هي مسؤولة عن كلّ
الرغبة والنشاط، أن تتأثر بالأسلوب الذي، من ناحية، لا يسمح للرغبات في حجب
الكينونة ومن ناحية أخرى، يجلب الاكتمال إليها، وبالتالي جلب النجاح
والخلاص للحياة.
يصف المولى الآليات الذاتية المسؤولة عن جعل الجوهر المجرّد للرغبة
ملموساً. من خلال الفكر والعقل والحواس، تأخذ الرغبة المجرّدة، التي هي على
شكل الفكرة، شكلاً ملموساً. كنتيجة لذلك، تصبح الذات كما لو أنّها متورطة
في حقل النشاط. هكذا تكون الطبيعة غير المتورطة للذات مخدوعة، إذا جاز
التعبير. إن الحكمة التي تحمل الذات كي تكون غير مرتبطة وخارج قيود
العبودية، تُحجب بالحواس والعقل والفكر التي تدخل إلى عمل تحت سيطرة
الرغبة.
بعد أن أظهر الحواس كونها الوسيلة المباشرة التي من خلال تعمل الرغبات،
يشدد المولى، في الآية التالية، على ضرورة تكيّف الحواس كي تصبح متحررة من
طبيعة الرغبات الحاجبة. |