|
الآية الواحدة والأربعون
لذلك بعد أن تنظم الحواس أولاً،
يا أفضل البهاراتا، اقتلع منك هذا الشر،
المدمّر للمعرفة وإدراك الذات.
"تنظم": إنّ الكلمة السنسكريتية قد استعملت في النصّ النيايا، التي تعني
بشكل حرفي: بعد تطبيق القانون والنظام، وتنظيم الشيء ليعمل بشكل دقيقي
وبأسلوب منظّم. إن كلمة "تنظم" تبقى ناقصة لإعطاء المعنى الدقيق، لكنّه تم
اختيارها تفادي للشعور بالسيطرة والكبح، الذي تم الدلالة عليه عموماً من
قبل المفسرين والذي أدّى فقط إلى تشويه المعنى الكامل وغاية التعاليم.
تكشف هذه الآية مبدأ أساسياً وتظهر كيف يتم جعل الحياة خالية من "هذا
الشرّ" من الرغبة، ويتم تركها في امتلاء الحكمة والحرية في الوعي القدسي.
لقد ورد في الآية السابقة أن الحواس والعقل والفكر هي "مقرّ" الرغبة. في
تعليم أرْجونا كيف يضبط وينظّم تدفق الرغبة لكي تتوقّف عن حجب الطبيعة
الأساسية للذات؛ يبدأ المولى تناول حقل الحواس؛ إن الحواس هي المنبع الذي
منه تتدفق كل مجاري الرغبات.
في جبل، تتدفّق عدة تيارات مختلفة من الماء في باطن الأرض من كلّ الاتجاهات
وكلّها تجد المخرج المشترك في النبع. إن الطريق الوحيد لتنظيم كلّ هذه
التيارات في باطن الأرض أن تنظّم المخرج. تكون الرغبات في حقول الفكر
والعقل مثل التيارات تحت الأرض. وحقل الأحاسيس هو مثل المخرج الذي منه تظهر
التيارات إلى الهواء الطلق. أما السيطرة على المخرج، فيكون من الممكن جداً
استعمال الفيض الكامل للماء للإفادة. طبقاً لهذه الآية، إن تنظيم المخرج
وتنظيم الحواس، هو الطريقة للاستعمال الأفضل لتيارات الرغبة التحتية.
والنصيحة هنا ليست للتخلي عن الرغبات أو القضاء عليها، وكذلك ليست في
التحكم بالرغبات والسيطرة عليها، لكن للتحكم بمخرج الرغبات بتنظيم الحواس.
إنّ الغاية هي في إعطاء النمط لعمل الحواس لكي يكون نشاطهم دائماً، وكأمر
طبيعي، بالتوافق مع قوانين الطبيعة التي تقود عملية التطور. هذه هي الوسيلة
البسيطة والفعّالة "لاقتلاع هذا الشر المدمّر للمعرفة وإدراك الذات".
يكمن تنظيم الحواس في جذور كلّ الإنجازات الحقيقية في الحياة. وتشرح الآيات
التالية التقنية.
الآية الثانية والأربعون
يقال إن الحواس مرهفة؛
والذهن أرهف من الحواس
وأرهف من الذهن هو الفكر،
أما ذلك الذي هو وراء الفكر إنه هو
بعد التشديد في الآية السابقة، على ضرورة تنظيم الحواس، يشير المولى الآن
إلى تسلسل النواحي المرهفة للحياة الذاتية التي يقع خلف الحواس. هذا من أجل
إيجاد المفتاح إلى تنظيم الأحاسيس.
إذا واجه الفرد صعوبة في التعامل مع الضابط، يجب عليه أن يبحث عن رئيسه في
الرتبة. في حقل الحياة الداخلية، يقول المولى، إن من هو خلف الفكر هو
السلطة الأعلى للكلّ.
في الآية القادمة يوضح بأنّه، بالاتّصال به تخضع الحواس بشكل طبيعي.
الآية الثالثة والأربعون
لذلك، بمعرفة من هو الذي وراء الفكر،
باستكانة ذاتك بالذات الكلية،
يا أيها المسلّح الجبّار،
دمّر العدو المتمثل بالرغبات،
والصعب الإخضاع.
"بمعرفة من هو": هذا يعني بعد أن عرفت المقيم في الجسم بطبيعته الحقيقية
بأنه الكينونة، المنفصلة عن الحقل الكامل لنشاط الجسم، الحواس والعقل
والفكر. يشير التعبير ضمناً إلى أنّ هذه هي الطريقة من أجل " تدمير العدو
المتمثل بالرغبات".
"الصعب الإخضاع": سيكون إخضاع الرغبات صعباً بأيّ محاولة تهدّف لإخضاعها
بشكل مباشر. إن الرغبات هي نبضات العقل. وما لم يتّجه العقل إلى الكينونة
فهو منشغل بشكل طبيعي في الرغبة. بما أن هذه هي العلاقة الطبيعية للعقل
والرغبات، وبما أن العقل هو أساس وجود الرغبات، تكون الطريقة الوحيدة
لإخضاعها في توجيه العقل إلى الكينونة.
هذه هي الحكمة العظيمة للحياة، وجوهر مذهب الكارما يوغا. لقد قدم المولى
عرضاً أساسياً حول السبب والنتيجة: قم بالتأثير على السبب لتعديل النتيجة،
اذهب إلى نطاق الكينونة لكي تعدّل طبيعة الفكر والذهن والحواس. اذهب إلى
الحقيقة النهائية المطلقة، و ستتوقّف كلّ المستويات النسبية عن أن تكون
العبء. كون متنوراً، و ستكون الحياة أبداً في الحرية والامتلاء، بعيدا عن
ظلام الجهل.
يقول المولى: إن إدراك النهائي هو سهل المنال. أنت تملك قوّة إدراك العليّ
الأسمى، بشرط أنك لم تقوّض تلك القوّة. تبلغها فقط في أن تكون كما أنت. وفي
كونك كما أنت، ستجد الحقل الكامل للوجود في وضع من الانسجام الأبدي. ستعمل
كل من الفكر والذهن والحواس بالتوافق، لا شيء يقهر الآخر، ولن يكون أي جانب
للحياة ضعيفاً. ستعيش الحياة في الامتلاء.
إن هذا هو إعادة تأكيد كلمات المولى الواردة في الآيات الخامسة والأربعون
والسادسة والأربعون للفصل الثاني. إنها مقاربة للتخلّص من الحاجة للسيطرة
على الحواس بالتقشّف غير الطبيعي أو الشاق. ويجعل أيّ ممارسة للانعزال أو
الزهد من أجل بلوغ حالة التنوير غير ضرورية.
إن الطريقة العملية جداً للإدراك هي مؤمنة، سواء كان الفرد على طريق
الغيانا يوغا، طريق المعرفة، أو على طريق الكارما يوغا، طريق العمل. وبصرف
النّظر عن طريقة حياة الفرد، أكان هو رب البيت أو المتنسك، هذه هي المقاربة
المباشرة إلى الاكتمال.
لسوء الحظ، هناك معتقد سائد بأنّه يجب إخضاع الرغبات للوصول إلى التنوير.
هذا الأمر هو خاطئ جداً. لقد نما سوء الفهم هذا خلال مئات السنين القليلة
الماضية، وفي النتيجة، أصبحت مهمّة أولئك الذين يريدون الحقيقة أكثر صعوبة
من أي وقت مضى. هنا يقول المولى: اذهب إلى حالة التنوير لكي تخرج من عبودية
الكارما، اجلب النور لكي تزيل الظلمة. هذا هو المبدأ الأساسي التحتي لهذه
الآية؛ لا يجب على الفرد أن يحاول إزالة الظلام لكي يدخل في النور.
لكي يتخلص أرْجونا من عبودية الكارما، تمنى عليه المولى أن يترك الحقل
الكامل للكارما. لقد أراده أن يعرف الحقيقة التجاوزية وبذلك يعزّز عقله إلى
درجة ترفعه فوق التأثير الملزم للرغبات والأعمال. هذه هي الطريقة المباشرة
لإدراك حالة التكامل وحالة الحرية الأبديّة خلال حياته هنا على الأرض.
بما أن هذه هي الآية الأخيرة للفصل، يلخّص المولى جوابه على أسئلة أرْجونا
في الآيات 1 و2 و36.
إن هذا الفصل، الذي يشرح علم العمل، يؤيد رغبة التجاوز كتقنية لإخضاع
الرغبات وأيضاً لجلب الاكتمال إليهم؛ أما الرغبات العديمة الفائدة كبتها
بالرغبات المفيدة والتي ستجد اكتمالها. إنّ مبدأ الحفاظ على حياة الشجرة هو
في تجاوز الشجرة. إذا وصل الفرد إلى المنطقة المحيطة بالجذر، إلى الحقل
التجاوزي للشجرة، يكون من السّهل جلب الغذاء إلى كلّ أجزاء الشجرة. إذا وصل
الفرد إلى الحقل التجاوز يمكنه أن يجعل شجرة حياته الكاملة سليمة ومثمرة.
إنّ بركة هذا الفصل هي في مبدأ تجاوز حقل العمل من أجل جلب الاكتمال للعمل.
إنه يؤيّد ويدعم حياة رب البيت وحياة المتنسك كليهما معاً.
هكذا، في أوبانيشاد البهاغافاد غيتا المجيدة،
وفي علم المطلق، وفي نصوص اليوغا،
وفي الحوار بين المولى كريشنا وأرْجونا،
ينتهي
الفصل الثالث، بعنوان:
يوغا العمل، الكارما يوغا.
|