اضغط هنا للعودة إلى الصفحة الرئيسية للموقع الفصل الرابع 1 إلى 5
 

  موقع الإشراق الشبكة العالمية

Home المدخل
Up فوق
الفصل الرابع 1 إلى 5
الفصل الرابع 6 إلى 10
الفصل الرابع 11 إلى 15
الفصل الرابع 16 إلى 20
الفصل الرابع 21 إلى 25
الفصل الرابع 26 إلى 30
الفصل الرابع 31 إلى 35
الفصل الرابع 36 إلى 40
الفصل الرابع 41 إلى 42

الآية الأولى

 

قال المولى المبارك:

لقد كشفت هذه اليوغا الخالدة

إلى فيفاسْوات، وفيفاسْوات علّمها

إلى مانو ومانو نقلها إلى إيكشْفاكو

 

"هذه اليوغا الخالدة": كرّست الفصول السابقة إلى اليوغا – سانكهيا يوغا وكارما يوغا. وبقوله "هذه اليوغا"، يتكلّم المولى عنها وكأنهما واحدة. هذا أن يعطي الطمأنينة إلى أرْجونا أنه وبالرغم من الإعلان عنهما أنهما مختلفتين، لكن لهما القاعدة ذاتها وتعطيان النتائج ذاتها. إنّ القاعدة "كن من دون الغونات الثلاثة" التي تجلب الاكتمال إلى حكمة السانكهيا وإلى ممارسة الكارما يوغا، إلا أن كامة "يوغا" في هذه الآية تشير إلى السانكهيا يوغا والكارما يوغا معاً.

إنّ اليوغا كما يشرح المولى كريشنا هي خالدة لأنها تكشف حكمة المطلق وحكمة النسبي. إنّ النسبي والمطلق، كلاهما أبدي؛ وكذلك اليوغا، التي تشرح حقيقة الاثنان، التي هو حقيقة الحياة في امتلائها. إنها أبدية لأنها تخدم الغاية الكونية وهي طبيعية إلى عقل الإنسان.

يقول المولى بأنّه علّم هذا اليوغا الأبدي إلى فيفاسْوات في بداية الخليقة لكي يصبّ القوّة إلى الكشاتريا ويمكنهم على المحافظة على القانون والنظام وحماية طريق الصواب لخير المجتمع. فيفاسْوات كشفها إلى الابن مانو، مانح القانون إلى العالم. ، ومانو أعطاه إلى إبنه إيكشْفاكو، الذي حكم في آيودها كالملك الأول للسلالة الشمسية.

إنّ البهاغافاد غيتا هي التعبير الأعلى للذكاء القدسية القابل فهمه من قبل الإنسان. وبالتعامل مع الأوجه غير المرئية للحياة، تلامس أيضاً على الماضي والحاضر للعالم في حياتنا اليومية. علاوة على ذلك، البهاغافاد غيتا، بينما يشرح الحقيقة الكونية، هي بذاتها سجل تأريخي وتروي أحداثاً حدثت قبل خمسة آلاف سنة.

من أجل فهم الأهمية التاريخية للبهاغافاد غيتا، يجب على الفرد أن يكون متآلفاً بالمفهوم الهندي للتاريخ والزمن.

لدراسة التأريخ غاية مؤكّدة ومكان في حياة الفرد. هدفها هو في تثقيف العقل في الحاضر بالمعلومات من الماضي لكي تضمن حاضراً أفضل ومستقبلاً أفضل. بهذه الطريقة يستفيد كلّ جيل من إنجازات الماضي ويتقدّم نحو الحكمة الأعظم في الحياة.

لكنّ معرفة الترتيب الزمني للأحداث ليست هي التي تعلّم طلاب التاريخ؛ بل قيمة الأحداث هي الأهم، وعلى الوجهة للتاريخ هي التي ركّز عليها المؤرخين الهنود. لقد أرخوا، لكي تقرأ كلّ الأجيال، فقط مثل هذه الأمثلة، في المدى السحيق للزمن، ما يمكن أن يساعد لتكامل حياة الإنسان. إن غايتها في إلهام الناس كأفراد وكأعضاء في المجتمع.

إنّ الحكيم صاحب الرؤية المطّلعة، فيدا فياسا، الذي يُعتبر المؤرخ الأعظم للثقافة الآرية في الهند، كان أمامه المدى الواسع من الزمن للأخذ في الحسبان. كونه شخصاً واعياً ومتكاملاً كلياً، لم يكن باستطاعته أن يكتب تاريخ تلك الفترة السحيقة بلا حدود كتسلسل زمن للأيام والسنوات. كان باستطاعته أن يختار أحداثاً معيّنة فقط ويسجّلها بطريقة تلهمّ وتوجّه الناس بشكل لم يسبق له مثيل، على طريق التطور وتعلّمهم على تكامل حياتهم. لهذا السبب لا يوجد ترتيب زمني في التواريخ الهندية. اعتبر فياسا أنه أمر سخيف لتفنيد كلّ حدث بتسلسل زمنيا فقط من أجل تثبيت كلّ رابط على الطريق الطويل للزمن.

علاوة على ذلك، إنه من غير الممكن بشكل مادي كتابة تاريخ ملايين السنوات في السلسلة الزمنية. في حالة البلدان الصغيرة مع بضعة ألف السنوات من الحضارة، إنه عملي جداً، ومع النظرة على تلك المنطقة الصغيرة وذلك المدى القصير للزمن، للحفاظ على الترتيب الزمني. لكن فياسا كان عنده الرؤية الواضحة للمدى الكامل للزمن الذي يبدأ منذ يوم الخلق. مثل هذا العقل لم يستطع ولن يستطيع أن يولي أيّ قيمة إلى الترتيب الزمني.

إن المفهوم الهندي للزمن، كما يعرض لاحقاً، سيظهر الحالة بشكل واضح الوضع الذي واجه فياسا وكتّاب آخرون من التاريخ الهندي.

الزمن هو مفهوم لقياس الأبدية. يسند المؤرخون الهنود مفهومهم عن الزمن على الكينونة الأبدية؛ بالنسبة لهم الأبدية هي الحقل الأساسي للزمن.

من أجل الوصول إلى مفهوم تقريبي للأبدي، سيكون الإجراء الأفضل فترة حياة لشّيء ما له العمر الأطول في الحقل النسبي للخليقة. هذا، طبقاً للرؤية المتنورة لفياسا، الأمّ القدسية، الأمّ العالم، التي هي في النهاية مسؤولة عن كلّ ما كان وما يكون وما سيكون في الكون كله.

إن أبدية الحياة الأبديّة للكينونة المطلقة يتم تصورها من ناحية الحياة للأمّ القدسية المتكررة بشكل غير المعدودة، إن الحياة الواحدة لها تشمل ألف مرة من حياة المولى شيفا. ومدة حياة واحدة للمولى شيفا يغطّي ألف حياة للمولى فيشنو. ومدة حياة واحدة للمولى فيشنو تساوي ألف حياة لبراهما، الخالق. ومدة حياة واحدة لبراهما تساوي مئة سنة لبراهما؛ تشمل كلّ سنة لبراهما 12شهراً لبراهما، ويشمل كلّ شهر ثلاثون يوم لبراهما. يوم واحد لبراهما يدعى كالبا. ويساوي الكالبا الواحد أربعة عشر مانو. ووقت المانو واحد يدعى مانفانتارا. يساوي المانفانتارا الواحد، واحد وسبعون تشاتوريوكي. يشمل التشاتوريوكي الواحد المدى الكليّ لليوكات الأربعة وبمعنى آخر: . السّات يوكا والتريتا يوكا والدويبارا يوكا والكالي يوكا. إنّ مدة اليوكات تقاس بانسبة إلى مدّة السّات يوكا. وهكذا تساوي مدّة تريتا يوكا ثلاثة أرباع من السّات يوكا؛ ومدة دويبارا يوكا نصف السّات يوكا، ومدة كالي يوكا تساوي ربع السّات يوكا. تساوي مدة الكالي يوكا 432,000 سنة من حياة الإنسان.

للنظر الآن في زمن الخليقة: لقد كان العالم منذ بليون تريليون سنة! حتى لو كانت أحداث سنة واحدة تدون في صفحة أو ربما سطر واحد، كيف يمكن لأي فرد أن يقرأ مثل هذا التاريخ ويطبّق درسه في حياته؟ لهذا السبب لم يتم الحفاظ على الترتيب الزمني من قبل المؤرخين الهنود. بمعزل عن كونه غير واقعي، لقد اعتبر بأنه غير ضروري وعديم الفائدة وضار للغرض الحقيقي للتاريخ.

إن كلّ هذا يجب أن يؤخذ في الاعتبار من قبل أولئك المؤرخين المعاصرين الذين يميلون إلى رفض أيّ سلسلة من الأحداث يخفقون في إيجاد ترتيب زمني صحيح لها ويعتبرونها غير تاريخية. من المحزن أن مثل هذه البيانات الثمينة للحياة على المستوى الأعلى للإنسان كتلك الموجود في المادّة التاريخية للهند القديمة ينظر إليها بأنها من الأساطير. يجب أن ينظر إليها بشكل معاكس ويكون معترفاً بها وكأنها التاريخ الأكثر إفادة لحضارة الأكثر رقياً التي لم يوجد مثلها أبداً على الأرض.

تشكل البهاغافاد غيتا الصميم المركزي للديوان الأكثر أصالة من التاريخ الهندي، المهابهاراتا. لا يمكن أن يطرد هذا لاعتباره من أساطير فقط بسبب الرؤية الضيّقة للمؤرخين المعاصرين، إن الربط الصارم بالترتيب الزمني، يفشل في فهمه كديوان تاريخي ويضعه في خانة الأدب الخيالي.

من مؤسف أن بعض المفسرين المعاصرين للبهاغافاد غيتا ساروا على خطى المؤرخين المعاصرين ورفضوا الاعتراف بأصالتها التاريخية. علينا أن نأمل بأن النور سيكون ساطعاً وستكون الحقيقة معترف بها كحقيقة.

عندما يذكر المولى كريشنا لأرْجونا أن الحكمة العظيمة للبهاغافاد غيتا قد أعطية إلى فيفاسْوات في بداية هذا الكالبا. إنه لم يعدّد بالتفصيل كلّ الأمناء على هذه المعرفة السامية. ومن أجل إرضاء أرْجونا حول المصدر الأصلي للتعاليم، كان كافياً إعطائه الفكرة عن هذه الحكمة الأبديّة وعن تناقلها من جيل لجيل.

 

الآية الثاني

 

وبانتقالها من شخص إلى آخر،

عرفها الملوك الحكماء، ولكن على

مرّ الزمن السحيق، يا لهّاب الأعداء

ضاعت هذه اليوغا عن العالم

 

يقول المولى بأنّ هذه التقنية لتكامل الحياة انتقلت إلى الملوك الفلاسفة، الرجال الذين قادوا الحياة النشيطة وكان عندهم مسؤوليات عظيمة في العالم. في تلك الأيام، كان الحكّام يتحمّلون مسؤولية كلّ أوجه لتطوير شعبهم، روحياً وعقلياً وبدنياً. أعطوا هذه الحكمة من اليوغا إلى الناس عموماً. أما في العالم الديمقراطي الحديث فيجب أن يعتني كلّ فرد بشؤونه الخاصة. هكذا وبالتوافق مع وقتنا هذا، يجب على كلّ فرد أن يتحملّ مسؤولية تطوره الخاص.

بما أن التطور الروحي هو أساس كلّ الأشكال الأخرى من التطور، من الضروري نشر هذا العلم العظيم وفنّ المعيشة الناجحة الآن إلى كلّ شخص في كل مكان في العالم.

يقول المولى: "بانتقالها من شخص إلى آخر". بهذا، يظهر الأصالة المؤكّدة إلى هذا النظام من اليوغا. إنه كان منذ بداية التأريخ. وأيضاً يقول: "عرفها الملوك الحكماء"، مظهراً بأنّه مذهب نفيس تم إتباعه من قبل أولئك الذين كانوا في مواقع المسؤولية العظيمة.

إنّ السبب لخسارته، يقول المولى، هو "مرور الزمن السحيق". لكن في الآية الأولى تكلّم عن هذه اليوغا بأنها "خالدة". هذا ما يشير ضمناً إلى أنّه بينما يكون مبدأها خالداً تحتاج ممارستها إلى إحياء دوري، تماشياً مع الظروف المتغيّرة للمعيشة من جيل لآخر. لأنها توقظ وعي البشر على النقاوة القصوى، هذا النظام من اليوغا هو مناسب على حد سواء للناس في كلّ عصر. ربما، أحيانا لم يتم إتباعها بشكلها الصافي؛ فتكون النتائج المطلوبة غير محققة وهذا ما يؤدّي في النهاية إلى اللامبالاة في ممارستها. هكذا يصبح هذا المبدأ العظيم للحياة مفقوداً من وقت لآخر. لكنّه لا يمكن أن يفقد إلى الأبد لأنه حقيقة الوجود، ويجب أن يُكشف مراراً وتكراراً. وتساعد الطبيعة لإعادته. يجيئ من وقت إلى آخر معلمون عظماء ملهمون بالإلهام الصحيح لكشف الطريق مرة أخرى. يجدّدون التقاليد التي تبقي التعاليم. تبقى التقاليد المجدّد سائدة طالما تستمر في إلهام الناس. لكن عندما تخفق في الردّ على الحاجة المطلوبة للمعلمين الجدّد في المعاصرين. تتكرّر هذه الدورة مراراً وتكراراً.

يجيء البعض لإنعاش شرف تقاليد خط القديم للمعلمين؛ والآخرون الذين يخفقون في الربط بين الحلول التقليدية وحاجتهم الحالية، ينفصلوا عن التقاليد الثابتة. وتشكّل تعاليمهم أغصاناً جديدة للجذع القديم.

يتصرف أمناء التقاليد القديمة للحكمة الفيدية كحماة للجذع الرئيسي، الذي منه تنبت الفروع المختلفة من وقت لآخر على شكل أديان مختلفة ومعتقدات وفلسفات وثقافات في الأجزاء المختلفة من العالم.

في أيامنا هذه، إن التقليد الأكثر إعزازاً للحكمة الفيدية هو تقليد الشانكراتشاريا الذي، في وضعه الحالي، ابتدأ منذ حوالي 2,500 سنة مع تعاليم أول شانكراتشاريا. لقد أحي الحقيقة المنسية. وبتفسيره المخلص لجوهر الأدب الفيدي، جدّد مبدأ أحادية الكينونة المتغلغلة في الكل في وسط تنوع الحياة. أسّس الفلسفة الموحّدة للامتلاءين بأنها التعاليم الضرورية للفيدانتا. كانت تفسيراته عن البرهما سوترا والأوبانيشاد والبهاغافاد غيتا ممجدة لعمقها في الحكمة والشرح الرائع لحقيقة الحياة.

إنه لأمر غريبة كيف تصبح الحقيقة والتعاليم مشوّهة مع مرور الزمن! لقد تم الإساءة في تقديم حقيقة تعاليم شانكرا من قبل أتباعه بحيث أن الكتابات الحديثة عن فكره لا تحتفظ سوى بالقليل من روح التعاليم. السنياسي أو الرهبان النساك في تقاليد شانكرا قد فسروا الفيدانتا لشانكرا بأنها قريبة بالكامل إلى نمط أرباب البيوت الذين يشكلون القسم الرئيسي للمجتمع، والمنفتحون فقط إلى أنفسهم. هذا ما أدّى إلى الانحطاط الروحي والسقوط الأخلاقي للمجتمع الهندي.

إن مثل هذا الانحطاط هو ليس بالشيء الجديد. إنه يحدث، كما يقول المولى كريشنا، "على مرّ الزمن السحيق". تحجب الحقيقة، تأخذ التفسيرات المحرّفة مكانها. لكن عندما تبتعد هذه التفسيرات كثيراً عن الحقيقة بحيث يصبح المبدأ بذاته مهدداً بالضياع، عندئذ يأتي الانبثاق الجديد لإنقاذها.

إنّ التقاليد المقدّسة للمعلمين العظماء، المسؤولة عن إحياء التعاليم بعد كلّ ارتداد عنها، قد امتلكت عقول وقلوب المحبين للحقيقة في كلّ عصر. لم يكن تقديرها بمجر احتراماً كبيراً، بل كان يصل فعلاً إلى العبادة من قبل الباحثين عن الحق والعارفين للحقيقة. أن الآية التي تدون أسماء المعلمين العظماء والأكثر تبجيلاً لم تلهم الباحثين فقط، لكنها كانت البهجة حتى للقلوب المكتملة للأنفس المدركة عبر الممر الطويل للزمن.

"ملهب الأعداء": باستعمال هذا التعبير، يشير المولى إلى أرْجونا بأنّ هذه اليوغا فقدت بسبب سقوطها في أيدي الضعفاء، وإنها الآن، بإيجاد طريقها إلى الأيدي القوية لأرْجونا، ستثبت جدارتها وتساعد العالم لإعادة طريق الصواب والحفاظ عليه.

يشير تعبير المولى إلى أرجونا أيضاً بأنّه سوف لن يثبت عدم جدارته بهذه البركة العظيمة.

في الآية التالية يعطي أسباب أخرى لتعليم هذه الحكمة إلى أرْجونا.

 

 الآية الثالثة

 

هذه اليوغا ذاتها المعروفة منذ القِدم،

التي هي حقاً السرّ الأسمى،

إني أكشفها إليك اليوم

لأنك مُريدي وصديقي

 

"اليوغا المعروفة منذ القِدم" يشير بأنّ التعاليم قد قاومت اختبار الزمن، وبأنّها لا يمكن الإثبات سوى أنها مفيدة. لا يجرب المولى أيّة طريقة جديدة؛ هو يعيد التقاليد القديمة فقط. وهكذا كان ما أعن عنه كل المعلمين العظماء منذ الأزل؛ لم يدعو قط بأنّ تعاليمهم كانت جديدة، لكنهم، وعلى عكس ذلك، كانوا يكشفون الحكمة المنسية للحياة. تكلّموا فقط عن استعادة المعرفة، لأن الحقيقة لأيّ مبدأ مفيد تبقى مستمرة مع الزمن.

يذكر المولى هنا صفتان لأرجونا اللتان تؤهّلانه لاستلام هذه الحكمة السرية العظيمة: "مُريدي وصديقي". وأيضاً صفتان لنظام اليوغا: " السرّ و الأسمى". أن الأمر السري هو الذي يمكن نقله إلى الصديق، لكن الأمر الأسمى هو الذي يمكن نقله فقط إلى المريد. المريد لا يجادل أبداً أسئلة معلمه. ومن أجل أن يعطي لأرْجونا الحرية لطرح الأسئلة، يدعوه المولى كريشنا صديقه.

يستعمل أرْجونا هذه الحرية في الآية التالية.

  

الآية الرابعة

 

قال أرجونا:

فيما بعد كانت ولادتك وفيما قبل

كانت ولادة فيفاسْوات؛ كيف يمكنني

أن أفهم ذلك بقولك أنك صرّحت

بهذه اليوغا في البدء؟

 

يظهر هذا السؤال يقظة أرْجونا إلى كلّ كلمة يتكلم بها معه المولى، يقظته وفحصه بناية لكلّ نقطة. هكذا يكون عقل الباحث الجيد من الحقيقة. يتشجع المعلم الجيد فقط بمثل هذه الأسئلة.

في الآية السابقة، أوصل المولى كريشنا، من خلال ذاته، البعيد مع الحاضر. الآن يعزله أرْجونا بالزمن ويذكر صعوبته في فهم خلود الزمن بالنسبة للمولى.

جواب المولى كريشنا هو سهل وبسيط.

 

 

الآية الخامسة

 

قال المولى المبارك:

 

لقد مررت أنا في عدة ولادات،

كما أنت مررت أيضاً، يا أرْجونا.

أنا اعرف ولاداتي كلها، ولكنك أنت
لا تعرف ولاداتك، يا ملهب الأعداء

 

هذا الشعر قد يقال لإثبات ما تكلمت عنه الآيتان 12و22 من الفصل الثاني من حيث المبدأ: تتغيّر الأجسام من الزمن، لكن الزمن يتغيّر في الذات، في الكينونة، الذي تستمرّ موجودة، بغض النظر عن الماضي أو الحاضر أو المستقبل. كما تبقى الذات المتجسّدة من دون تغيير عندما يعبر الجسم في الحالات المتغيرة من الطفولة والشباب والشيخوخة، كذلك تستمرّ الذات من دون تغيير في خلود الزمن.

يقول المولى: " أنا اعرف ولاداتي كلها، ولكنك أنت لا تعرف ولاداتك". هذا يشير إلى اختلاف بين حياة الإنسان وتجسد الله. يولد الإنسان نتيجة لأعماله السابقة، الجيدة والسيئة، وبذلك تبقى رؤيته ملوّنة أو معرقلة بتلك التأثيرات. أما طبيعة التجسد الإلهي هي ذكاء صافي وغير محدود وأبديّة دائماً. تكون رؤيته واضحة جداً؛ لهذا السبب وبالنسبة له يتم الحفاظ على أبدية المعرفة ويفشل عامل الزمن في عرقلتها.

إنّ كينونة المولى هي ساحة لعب الزمن الذي يخلقه. إنه يجيء ويذهب، لكنّ المولى، صامداً في كينونته الأبدية، إلى دهر الدهور مستمراً في الوجود. إنه بحر الحياة، في حين يرتفع الزمن ويهوي كالمدّ والجذر على سطح البحر. بالرغم من أن الأمواج العارمة تسحب من الأعماق لكن لا يمكنها أبدا سبر غور الهاوية التي لا يمكن سير غورها.

إنّ حياة الإنسان هي مثل الموجة التي ترتفع للرؤية - يمكنها أن ترى لغاية الآن، ولا أكثر؛ لكن قوام المولى كريشنا هو مثل البحر الذي ينعكس عليه الفضاء كله. هكذا يعرف المولى "ولاداتي كلها" ولكن أرْجونا لا يعرفها "لا تعرف ولاداتك".

شعر أرْجونا بالتحدي من كلمات المولى كريشنا، والتعبير " لا تعرف ولاداتك" يظهر بأنّ المولى أرغم على استعمال سلطته. لكن في الوقت ذاته يخاطب أرْجونا بعبارة "ملهب الأعداء"، لكي يمنع معنوياته من الغرق. يستعمل المولى كريشنا سلطته بالمحبّة.

توضّح الآية القادمة طبيعة المولى بشكل أبعد.

Home المدخل Up فوق Next التالي