|
الآية السادسة
بالرغم من أني مولود وطبيعتي لا أفنى،
وبالرغم من أني رب كل الكائنات،
إلا أني أبقى في طبيعتي الخاصة،
وأولد من خلال قوتي الخاصة في الخليقة
في هذه النقطة هناك إيضاح عن تقنية نفسية مهمة. كما أكّد المولى أصالة
نظام اليوغا هذا في وقت سابق ، معلناً بأنّه قديم وله تقاليد عظيمة، يجب
عليه أن يوضح أيضاً إلى أرجونا بأنّه هو الذي يعطي هذه الحكمة الأبديّة وهو
عظيم بذاته، وهو وحده الذي يمكن أن تؤخذ كلمة بكل ثقة.
كان اتّجاه الحديث بشكل يجعل أرجونا يسأل المولى على النقطة عينها التي
يريد أن يتكلّم عنها فيما يلي. وبما أن كلاّم المولى في هذه الآية والآية
السابقة كان في سياق مختلف وليس جواباً على سؤال أرْجونا (الآية الرابعة)،
ولم يكن كلامه فعّالاً
ومقنعاً جداً. لكن عظمة المعلّم هي التي تُخرج السؤال الصحيح من التلميذ.
وفي الإجابة عليه، يتوسّع المعلّم بحرية في موضوعه الخاص وفي الوقت ذاته
يبقي اهتمام التلميذ نشيطاً بفعالية أكثر مما قد يكون لو تكلّم المعلّم
فقط.
بالرغم من أن الخليقة الظاهرة، والتي تتضمّن الإنسان والمخلوقات
الأخرى، تنبع من غير الظاهر، يكون ظهورها استنادا على براكريتي. لكن الظهور
القدسي للكينونة غير الظاهرة، الذي يأتي لتجديد الحكمة المنسية للحياة،
يستند على "ليلا شاكتي"، الذي هو القوّة الحقيقية للمطلق، والعنصر المكمّل
لطبيعته القدسية التجاوزية.
الجراحة هي القوّة المتلازمة للجرّاح. تكون أحيانا نشيطة، عندما يعمل
الجرّاح في غرفة العمليات، لكن في الأوقات الأخرى هي مستتر، عندما يرتاح في
البيت. "ليلا شاكتي" (قوّة مسرحيّة البراهان) تعمل على نحو مماثلة،
واستنادا على ذك يظهر غير الظاهرين، الذي يبقى دوماً في المطلقة، في
الخليقة. وهكذا تحافظ الطبيعة الكلية القوة للكينونة الأبدية على الحقيقة
في وجهتيها، المطلق والنسبي.
يقول المولى: "أبقى في طبيعتي الخاصة وأولد". تماماً كما يظهر النسغ في
الشجرة كالورقة والزهرة من دون أن يخسر صفته كالنسغ، كذلك تولد الكينونة
غير الظاهرة، ومع بقائه أبدي وخالد وغير ظاهر. لا يحدث شيئاً للمطلق، ومع
أن تجسد المطلق يبرز استناداً لطبيعته الخاصة.
هنا يقول المولى: ومع بقائي في طبيعتي الخاصة أولد من خلال قوّتي في
الخلق، ومن خلال ذلك أعمل؛ وهكذا أبقى غير مقيّد وفي الوقت ذاته أكون
قادراً على إعادة القانون والنظام في الخليقة.
سيتم التوسع بهذا المبدأ الآية التالية.
الآية السابعة
كلما تتدهور الدْهرْما
وتعم الآدهارما، يا بهاراتا،
عندئذ، أخلق نفسي.
"الآدهارما": هي عكس
الدهارما.
كلمة "دهارما" مشتقّة من الجذر دهري، وتعني "الذي يؤيّد". الدهارما هي
التي تؤيّد أو تؤازر كلّ ما هو موجود. ما هو الذي يؤازر الخليقة؟ يعتبر كل
من تشاراكا وسوشروتا، وهما من قدماء الحكماء الهنود في الأيورفيدا، تعاليم
الصحة، بأن التوازن للغونات الثلاثة – الساتفا والرجس والطمس – هو الذي
تؤازر كلّ الأشياء. تزداد الخليقة تكاملاً بارتفاع الساتفا وتتحلّل بارتفاع
الطمس. إنّ توازن الغونات الثلاثة يتم الحفاظ عليه بشكل آلي، تماماً كما
يتم الحفاظ على القانون والنظام بشكل آلي من قبل الحكومة. لكن حينما تظهر
الأزمة، يجب على رئيس الدولة أن يمارس قوّته الخاصّة. حينما تكون الدهارما
في الانحطاط، ويكون ميزان الغونات الثلاثة مختل، ويكون التوازن في الطبيعة
مفقودة، و يحرّف طريق التطور و تسود الفوضى. في مثل هذه الأوقات الخاصّة،
يتجسّد المولى. إنّ تجسد المولى كريشنا هو الظهور الخاص للبراهان، الكينونة
الثابتة والأبدية.
الحياة لها وجهتان النسبي والمطلق. وكلاهما كامل: المطلق هو كامل في
أبديّته ذات الطبيعة غير المتغيرة، والنسبي هو كامل في طبيعته المتغيّرة
باستمرار وإلى الأبد. يتم المحافظة على هذه الطبيعة المتغيّرة باستمرار إلى
الأبد للحياة النسبية في كلّ أوجهها في الخليقة والتطور استناداً على
القوّة الظاهرية للطبيعة المسماة الدهارما، التي هي أساس العمل السلس
للغونات الثلاثة. إنها مثل التيار القوي الذي يجرف معه بالقوّة كلّ ما يجيء
في طريقه.
تؤيّد الدهارما التطور؛ لكن عندما تصبح قوّة الدهارما، وكنتيجة للأعمال
الخاطئة للغالبية الكبيرة من الناس على الأرض، محجوبة بشكل كبير، تصبح
القوة الطبيعية للتطور في الطبيعة ضعيفة. ما يخلق عنها حالة يبدأ فيها
العالم المتغيّر باستمرار للوجود النسبي بفقدان نمطه الطبيعي. هذا ما يعرّض
امتلاء النواحي النسبية للحياة للخطر. فتضطرب القوّة الكلية القدرة التي
تضبط سلامة امتلاء المطلق مع امتلاء النواحي النسبية للحياة. وتتجسد تلك
القوّة الكلية القدرة.
إن انحطاط الدهارما - تشويه طريق التطور، وهبوط الأحقية في المجتمع –
يدعو إلى الحاجة لإعادة المبادئ الحقيقية للحياة؛ يجيء التجسد ، وتبتهج
الطبيعة كلّها بهذا المجيء , وتعود الدهارما إلى مجراها ويوضع حداً للشرّ.
وهكذا يكون الصالح مجبراً بالطالح لأنه، كلما يزيد الشر ويسيطر على
العالم، تخلق الحاجة للكلي القدرة أن يأخذ شكلاً لكي يتمتّع به المستقيمين.
إنّ الغرض الكامل للتجسد سيوضح في الآية التالية.
الآية الثامنة
من أجل حماية الصالحين وتحطّم
الأشرار، لتثبيت الدهارما بحزم،
أولد في جيل بعد جيل.
يقول المولى بأنّ غايته ثنائية: حماية الصالحون
وتحطيم الأشرار. إنّ حماية الصالحين هي متضمنة في سحق الأشرار؛ لكن
عندما يتكلّم المولى هنا عن حماية الصالحين. يعني شيئاً أكثر من مجرّد
إزالة الأشواك من طريقهم.
يستمرّ الصالحون في تأييد الدهارما وهم ينجحون في ذلك، حتى في الأوقات
التي يسود فيها الباطل والشر على المجتمع، استناداً على القوّة العظيمة
التي ينالونها عندما يتواصلون مع القدسي في أثناء تأملاتهم اليومية. بينما
تنمو عقولهم في الوعي القدسي، تزيد نقاوة حياتهم حتى يبدءون في النهاية
بالشعور في الحاجة القوية للنعمة المجرّدة لوعي الله لكي تتجسّد، وكي يتم
جلبها إلى مستوى الحواس، حيثما تصبح غرض كلّ الحواس ويتمتّعون بها. تصبح
قلوبهم ممتلئة أكثر فأكثر بالمحبّة، وتصبح الحاجة قوية جداً لإيحاء القدسي
بجسد ما. عندما لم يعد باستطاعة الطبيعة مقاومتها، سيأخذ المولى ولادة
ويحقق رغبة الصالحين. هكذا يكون الصالحون محميين من قبل المولى.
يقول المولى: "أولد في جيل بعد جيل" يظهر ذلك أنّه في كلّ جيل يوجد
أولئك المكرسين الغيورين والمحبّين لله والذي من أجلهم يأخذ جسداً؛ وعندما
يجيء لإرضائهم، إنه ينقّي الأرض أيضاً بتحطيم القوى السلبية التي تلوّث
الجوّ بمعارضة الصلاح.
إن دمار الأشرار ، وبالرغم من أنه السبب لتجسد المولى، ليس هي غايته
الرئيسية. إنه يجيء لإرضاء وحماية الصالحين. وينزل على الأرض أرضاً بدافع
من الصالحين، ولمحبّة الصالحين، والاكتمال الصالحين؛ وبنزول على الأرض كي
يعطي محبّته إلى المكرسين له يعطي البهجة لله الكلي القدرة. ينزل على
الأرض، ويشع النور؛ فينقرض ظلام الجهل ويهلك الأشرار. يعيد التوازن في
الطبيعة، وتصبح قوى التطور أقوى. وتصبح الدهارما ثابتة بحزم في العالم.
إنّ تثبيت الدهارما في خليقة الله هو من عمله الخاص. هو يفعل ذلك. وهو
يفعل ذلك مراراً وتكراراً، أمّا من خلال الترتيب الآلي لحكمه، هو بنفسه
يبقى متوارياً عن الحواس، أو بأخذ الجسد والمجيء ليكون فاعلاً في شؤون
العالم.
الآية التاسعة
إن ولادتي ونشاطي هما قدسيان،
ومن يدرك ذلك بعمق،
لن يولد مرة أخرى بعد ترك جسده.
إنه يأتي إلي يا أرْجونا
"ولادتي": إن ولادة المولى ليست تماماً مثل ولادة الإنسان. هو قدسي بمعنى
أنه هو، القدسي، وببقائه الأبدي في حالته الكونية للكينونة التجاوزية،
يتجسد وينزل على الأرض. لن يحتاج القدسي إلى أية فترة للانتقال ويدخل في أي
عملية للولادة الجسدية: إن الكينونة القدسية لن تصبح غير قدسّية وغير
كينونية؛ وببقائه قدسي وبقائه كينونة، يظهر على شكل إنسان لإنقاذ الحياة
البشرية على الأرض ويجدّد طريق الصواب.
"نشاطي": إن القدسي التجاوزي غير الظاهر، يأخذ شكلاً بشرياً، ويبقى في
طبيعته القدسية ويعمل. إنّ الطبيعة القدسية هي كلّ من الكينونة وأبديّة
وثابتة وغير نشطة، بالرغم من أنّها المصدر اللانهائي لطاقة الحياة. لأن
المولى يعمل في حين يبقى في طبيعته القدسية، تكون أعماله أيضاً قدسية.
لكي نفهم الولادة القدسية ونشاط التجسد القدسي، يجب أن يرتفع الإنسان إلى
حالة الإلوهية. بعد أن يرتفع إلى هذه الحالة، وبعد أن يصبح ثابتاً في
الكينونة الأبدية للمطلق، يرتفع فوق عبودية الزمان والمكان والسببية.
بالنسبة له لا يوجد هناك سؤالاً عن الولادة والموت. له الحياة الأبدية،
ويمتلكها في كلية الوجود غير المحدودة الخالدة للمولى؛ تكون حياته في حياة
المولى. "يأتي إلي"، يقول المولى. وليس هناك أي سؤال عن إعادة ولادته في
العالم.
الآية العاشرة
متحرّر من التعلّق والخوف والغضب،
ممتلئ بي، وتتخذني ملجأ لك،
نقي بتقشف الحكمة،
كثيرون أتوا إلى كياني
إنّ تسلسل العبارات هو هامّ جداً: "متحرّر من التعلّق والخوف والغضب" هي
المتطلبات الأساسية" للامتلاء بي".
"متحرّر من التعلّق والخوف والغضب": يجد التعلق والخوف والغضب أرض خصبة في
تربة الجهل، حيث لم تكتشف الذات الصغرى معناه في الذات الكبرى. يأخذ التأمل
التجاوزي، كما تم شرحه في الفصل الثّاني، الآية الخامسة والأربعون، العقل
إلى حقل وعي الغبطة والطمأنينة الأسمى والطاقة اللانهائية، دون ترك المجال
لأيّ نوع من الضعف. يجلب العقل إلى حالة الكينونة، التي تشكّل أساس وعي
الله، كما واردة في العبارة "ممتلئ بي، وتتخذني ملجأ لك ".
"نقّي بتقشّف الحكمة": تعني التقشّف بنكران متع الحواس، أو الخروج من حقل
النشاط والمتعة الحسّية. إنّ غاية التقشّف هي في التنقية بتحرير العقل من
تأثير أغراض الحواس. وعلى نفس النمط، تفصل المعرفة الذات عن الحقل الكامل
للنشاط. هذه هي أهمية العبارة: "تقشّف الحكمة". لا يجب أن يفسر ذلك، بما أن
ممارسة تقشّف تتضمّن المشقّة، كذلك يجب أن تموت طريق المعرفة. بل بالعكس
تماماً، إن اكتساب المعرفة هو ممتع من البداية حتّى النّهاية: من حالة
الوعي التجاوزي ومروراً بالوعي الكوني إلى وعي الله. حينما يسير العقل
باتجاه التجاوز، يصبح متحرراً أكثر فأكثر من الحقول السطحية للاختبار وهذا
ما يجعله يقترب أكثر فأكثر إلى حالة النقاوة. وفي النهاية، وعندما يتجاوز
العقل الحالة المرهفة للاختبار، يُترك لذاته، وعندئذ يصل إلى حالة النقاوة
المطلقة.
هذه الحالة من النقاوة المطلقة، المكتسبة في أثناء الوعي التجاوزي، تصبح
دائمة في الوعي الكوني وتجد غايتها واكتمالها في حالة النقاوة المولودة من
معرفة الوحدانية النهائية للحياة في وعي الله. في هذه الحالة من المعرفة
يجد الإنسان ذلك التوحيد بالله الذي يقول المولى عنه: "كثيرون أتوا إلى
كياني"
باستعمال كلمة "كثيرون"، يعطي المولى الأمل للتوحيد بالله إلى أي إنسان
كان.
بعد أن تم الآن وصف الطريق المباشر لبلوغ المعرفة النهائية في وعي الله،
يتكلم المولى في الآية التالي، عن ردّ فعله لطرق المقاربات المعتمدة من قبل
الباحثين. |