اضغط هنا للعودة إلى الصفحة الرئيسية للموقع الفصل الرابع 16 إلى 20
 

  موقع الإشراق الشبكة العالمية

Home المدخل
Up فوق
الفصل الرابع 1 إلى 5
الفصل الرابع 6 إلى 10
الفصل الرابع 11 إلى 15
الفصل الرابع 16 إلى 20
الفصل الرابع 21 إلى 25
الفصل الرابع 26 إلى 30
الفصل الرابع 31 إلى 35
الفصل الرابع 36 إلى 40
الفصل الرابع 41 إلى 42

الآية السادسة عشر

ما هو العمل وما هو عدم العمل؟
حتى الحكماء يرتبكون في ذلك.
سأشرح لك عن ذلك العمل،
الذي بمعرفته ستتحرّر من الشر
 

في الآية السابق، أعطى المولى الأسباب لأرْجونا كي يعمل؛ لذلك من الطبيعي أن يظهر له في هذه الآية الجاذبية والتأثير البعيد المدى من العمل لكي يهيّئ عقل أرْجونا على تفاصيل ذلك العمل الذي سيكون مفيداً له ويحرره من كلّ "الشرّ".

إن جهل الفرد لطبيعته القدسية الممتلئة بالغبطة كونها غير متورطة ومستقلة عن النشاط تبقي الفرد تحت التأثير الملزم للعمل، تسبّب التعقيدات والمعاناة في الحياة.

يقول المولى بأنه: "حتى الحكماء يرتبكون في ذلك"ّ في قضية العمل وعدم العمل. إنّ الرجل الحكيم هو الذي يفهم بأنّ العمل يستند على الغونات الثلاثة وبأنّه هو بنفسه يبقى غير متورط لأن طبيعته الحقيقية تجاوزية. لكن مثل هذا الفهم، يقول المولى، ليس كافي، حتى الحكماء يستمرّوا في الإرباك.

إن "الحكماء" قد عرفوا الذات بأنها منفصل عن النشاط وبذلك حققوا التحرر. يقول المولى بأنه حتى الحكماء يرتبكون في العمل وعدم العمل. إن كسب التحرر من العمل هو شيء واحد؛ أما كسب المعرفة الكاملة حول العمل وعدم العمل فهو شيء آخر مختلف. يقول المولى في الآية القادمة: "إن مجال العمل متعذراً فهمه". من مستحيل معرفة المدى الكامل للعمل على مستوى الفهم الفكري. لهذا السبب يقول المولى؛ "حتى الحكماء يرتبكون".

قد نتذكّر بأنه في حين كان يعطي التنوير لأرْجونا بحكمة السانكهيا في الآية الثامنة والثلاثون من الفصل الثّاني قال المولى: "بعد أن تقبّلت التساوي  …  سوف لن تقترف أي خطيئة": في الآية الحالي يقول؛ "سأشرح عن لك ذلك العمل، الذي بمعرفته ستتحرّر من الشر". إن الدراسة الدقيقة لهذه العبارات تكشف الترتيب التصاعدي لتعاليم المولى؛ كلما تزداد القدرة على الفهم، تلقن التعاليم بشكل مرهف وسهل. تشير الآية السابق ضمناً إلى أنّه يجب القيام بشيء ما لكسب التساوي الذي سيؤدّي إلى التحرر من الخطيئة. في الآية الحالي، يظهر المولى بأنّ لا شيء يجب القيام به، وأنه ببساطة وبمعرفة النشاط سيتحرّر أرْجونا من الشرّ. انتقلت التعاليم من مستوى العمل إلى مستوى المعرفة. ربّما يكون الأمر أنه كلما تقدّمت التعاليم، كلما تبدلت المعرفة بعملية أسهل على المستوى الحسّي المشترك للسمع أو النظر. هذه هي تقنية تعليم السانكهيا -  سلسلة من المناقشات ستتتوّج في النهاية ببعض الكلمة المنطوقة البسيطة التي ستحدث تغييراً أساسياً في الفهم الكامل للحياة وسترفع بشكل نهائي الإنسان إلى حالة الحرية الأبديّة من العبودية.

إنه من المهم أن نلحظ بأن الآيتين السابقتين أعلنتا عن التحرر من العبودية من خلال معرفة الطبيعة غير المتورطة للمولى التجاوزي؛ في حين تعد هذه الآية بالحرية من خلال معرفة التساوي من الحقل النسبي، معرفة العمل وعدم العمل. إن هذه المعرفة تعطى في الآيات الخمسة التالية.

  

الآية السابعة عشر

العمل، في الحقيقة، يجب أن يفهم،
والعمل الخاطئ يجب أن يفهم أيضاً
وعدم العمل يجب أن يفهم كذلك.
من المتعذر فهم مجال العمل.
 

"العمل": من أجل فهم العمل من الضروري معرفة الحالات المختلفة للوعي عند الفاعل، لأن قيمة العمل تعتمد بشكل رئيسي على مستوى الوعي للشخص الفاعل. إنّ الحالات الممكنة للوعي هي: اليقظة والحلم والنوم والوعي تجاوزي والوعي الكوني ووعي الله.

تستخدم كملة عمل هنا لتدل على العمل الصحيح، الذي ينتج تأثيرات مساندة لحياة الفاعل والخليقة بأسرها، العمل الذي يساعد على تطور الفرد ويخدم الغاية الكونية بشكل متزامن. إن مثل هذا العمل ممكناً فقط عندما يكون عقل الإنسان في الانسجام الكامل مع الكينونة التجاوزية، التي تتواجد في خلفية كلّ الخليقة والتي هي في أساس كلّ الحياة وكلّ قوانين الطبيعة. هذه هي الحالة في الوعي الكوني. أما حالة وعي الله هي حالة أخرى حيث يتم تنفيذ مثل هذا العمل بشكل آلي. في الوعي الكوني يؤدي الإنسان الثابت في الحياة الكونية عمله كفرد؛ في حالة وعي الله، يكون نشاط الفرد الموضوع في نور الله، على المستوى الذي يقابل مستوى النشاط الكوني. يعيش الأحادية الأبديّة للحياة من خلال كلّ النشاط.

"من المتعذر فهم مجال العمل": إن نشاطات الفرد الطبيعية في الحالة الثلاثة النسبية للوعي - اليقظة والحلم والنوم – هي محكوم بالدهارما لمستويات تطور الفرد. علاوة على ذلك، حتى في ذات المستوى تختلف الدهارما في الظروف المختلفة وفي المجالات المختلفة من الحياة. ومع كلّ هذه الاختلافات هناك التعقيد الإضافي بأنه في كلّ حالة للدهارما لا تعود فقط للنشاط وتأثيره على الفرد، بل للتأثير على العائلة والمجتمع والوطن والعالم. يبدأ كلّ فكرة أو كلمة أو فعل موجات من التأثيرات في الجوّ. تسافر هذه الموجات عبر الفضاء وترتطم بكلّ شيء في الخليقة. وحيثما ترتطم تحدث بعض التأثيراتً. إن تأثير الفكرة المعيّن على أيّ غرض معيّن لا يمكن أن يعرف بسبب التنويع والمدى الواسع في الخليقة. يتجاوز هذا التعقيد إمكانية الفهم. لهذا يقول المولى: "من المتعذر فهم مجال العمل"

"العمل الخاطئ" يمكن أن يكون من عدة أنواع: الأعمال التي تؤذي الفاعل في الحاضر أو في المستقبل؛ تلك الأعمال التي لا تنجح؛ تلك الأعمال التي  تعيق التطور؛ تلك الأعمال التي يؤدّي إلى عدم الحلول؛ تلك الأعمال التي تقيد الفاعل بدورة الولادة والموت؛ تلك الأعمال التي تنتج التأثيرات الضارّة للحياة في البيئة المحيطة وعلى الآخرين؛ تلك الأعمال التي هي ضدّ قوانين الطبيعة. حتى هذا الحقل للعمل الخاطئ هو كذلك من "المتعذر فهمه".

إن مثل هذه الأعمال الخاطئة ممكنة مادام الفاعل في حالة من الجهل للدهارما الخاصة به، ومادام غافلاً عن الطبيعة الأساسية لذاته الخاصة وطبيعة النشاط وطبيعة الله، ومادامت حالة وعي اليقظة غير مدعومة بالوعي الصافي التجاوزي.

"عدم العمل": غياب النشاط. إن النوم العميق هو حالة من عدم العمل، ولكنّه ليس مثل هذه الحالة فقط. إنّ حالة عدم العمل توجد أيضاً في الوعي التجاوزي. وعلاوة على ذلك، عدم العمل هو المكوّن الأساسي للوعي الكوني وأيضا لوعي الله، الحالة الأعلى لتطور الإنسان. من ناحية عدم العمل هو الخمول في النوم، في حين ومن ناحية أخرى يصبح قاعدة الحقيقة الحيّة للكون بأكمله. هذا ما يعنيه المولى عندما يقول: "وعدم العمل يجب أن يفهم كذلك". هذا ما يظهر أن ليس العمل فقط هو المتعذر فهمه بل عدم العمل كذلك.

"في الحقيقة": بهذه الكلمة، يؤكّد المولى الحاجة لمعرفة العمل. الحياة تعني العمل - لا أحد يمكنه التهرب من النشاط. وبما أن ذلك صحيحاً، من الحكمة معرفة ما سيقوم به الفرد، وليس ذلك فقط، بل معرفة أين سيقوم بالعمل وما هي النتائج التي سينتهي بها.

سيكون أمراً مثيراً في الملاحظة عن قرب كيف تمكن المولى، بعد أن أقر بأنّ العمل "متعذر فهمه" وبعد أن أكّد بأنّه يجب أن يفهم، من توجيه التقدم البارع بين هذه الحقائق المتعارضة. لتبرير تعبيره "متعذر فهمه"، تطلبت الحكمة عدم الدخول في فحص مجال العمل. لكن الكلمة "في الحقيقة" تتطلب بأنّه مهما كانت الطريق التي يتبنّاها، سواء دخل في التفصيل أم لا، يجب التوصل إلى معرفة العمل. لقد تبنّى المولى نمط من التعليمات التي بها، ومن دون معرفة الحقل الكامل للعمل، يمكن للفرد أن يكتسب كلّ منفعة يمكن أن تمنحها مثل هذه المعرفة. لقد كشف فنّ العمل حيث، من دون الحاجة لكسب معرفة العمل، يمكن للفرد أن يتمتّع بالبركات التي ستعطيها مثل هذه المعرفة. هذا الفنّ للعمل هو مثل فنّ البستاني الذي،في قيامه بريّ الجذور، يجعل النسغ يرتفع إلى كلّ جزء في الشجرة من دون الحاجة لمعرفة أيّ شيء عن ميكانيكية النسغ المتصاعد.

هذه هي روعة كمال الحديث. قال المولى بأن معرفة العمل ضرورية وحتى ولو كان مجال العمل متعذر فهمه، ومعرفته يجب أن تبقى ناقصة. لذلك، يكشف لنا التقنية التي فيها سيتم اكتساب تأثيرات المعرفة من دون الضرورة لكسب المعرفة. هذا بسبب أن تعاليم المولى هي ليست لأجل المعرفة بحد ذاته؛ بل هي فقط لإنتاج تأثيراً معيّناً في الحياة العملية. وما هو المهم هو التأثير وليس المعرفة. هذا هو حديث يوغا شاسترا، إنها الفلسفة الأكثر عملية للتوحيد القدسي. وغايتها في إعطاء الحكمة العملية التي بها قد يكسب كل إنسان الخير الأعلى بشكل طبيعي من خلال نشاطه.

توضّح الآيات التالية هذه التعاليم.

 

الآية الثامنة عشر

مَن يرى في العمل عدم العمل
وفي عدم العمل يرى العمل
هو حكيم بين البشر.
إنه متحِّد وقد حقّق كل عمل
 

"يرى في العمل عدم العمل": هذا يعني بأنّه عندما يكون العقل منشغلاً بواسطة الحواس ومن خلالهم في عملية النشاط. إنه يرسو في الصمت للكينونة الداخلية. يزوّد هذا المرسى اختبار الصمت في وسط كلّ النشاط.

بالنسبة للإنسان الذي "يرى في العمل عدم العمل"، يكون اختراق الحقل الكامل للعمل بالكينونة غير العاملة والدائمة الصمت حقيقة حيّة. بالنسبة له لا يحجب العمل حالة عدم العمل، أو الكينونة التي تقع تحته. فهو يعيش الكينونة الدائمة الصمت والتي تتغلغل كلّ نشاطات الحواس والعقل والجسم؛ يرى الصمت في النشاط والنشاط في الصمت.

هاهي التعاليم التي تمكّن الإنسان على تعزيز التحرر الذي يتم التوصل إليه بالمعرفة القائلة "أن الغونات هي التي تعمل بالغونات" إنها تربط العالم النشيط مع الغونات الثلاثة بصمت الكينونة وهكذا، وعلى مستوى الصمت، تثبت التعايش بين الزائل والأزلي. إنها تؤكّد التعليم النهائي للأوبانيشاد: "بورنامادا وبورناميدام" - هذا العالم الظاهر للنشاط هو كامل (بورنا)، وتلك الحياة للكينونة المطلقة هي كاملة.

يأتي إدراك هذه الحقيقة في حالة الوعي الكوني، لكن تعاليم هذا الآية توسع ذلك إلى وعي الله.

يثبت إدراك الحقيقة الكاملة حالة الحياة التي تقع وراء وحدة المطلق وتعدّدية النسبي وينتج عنها شمولية الرؤية التي يحمل هذا (العالم) وتلك (الكينونة) كلاهما سوية في نور الله، في وعي الله. إن من حقق ذلك "هو حكيم بين البشر". طبقاً لهذه العبارة، "البشر" هم أولئك الذين أدركوا أمّا حقيقة النشاط أو حقيقة الصمت لكن "الحكيم" هو الذي أدرك حقيقة الاثنين، أمّا في حالة افتراقهما في الوعي الكوني أو في حالة إتحادهما في وعي الله.

إن تعريف الإنسان المعطى في هذه الآية يشير إلى الاستنتاج بأنّ الفرد الذي لم يدرك حقيقة النشاط أو حقيقة الصمت لا يستحقّ أن يدعى إنساناً. وبالتالي هناك ميزّة أساسية من حياة الإنسان وهي في أن يكون ثابتاً أمّا في طريق المعرفة أو طريق العمل. وإذا أراد أن يكون "حكيماً"، عندئذ يجب عليه أيضاً أن يرتفع إلى عناق هدف الاثنين.

"قد حقّق كل عمل" تعني بأنّ في حياته الفردية قد أدّى المجال الكامل للنشاط، السطحي والمرهف. علاوة على ذلك، أدّى نشاطه على مستوى الحياة الكونية كذلك. لا يتضمّن النشاط على المستوى الفردي نشاطاً عقلياً وبدنياً عادياً فقط لكن أيضاً النشاط المرهف للتجاوز وكسب التوحد مع الكينونة القدسية. إن النشاط على المستوى الكوني من نوعين: أولا، نشاط في الوعي الكوني، الذي يكون بالكامل متوافقاً مع عملية التطور، وثانيا، نشاط في وعي الله، الذي هو على مستوى الوحدة النهائية للحياة.

"قد حقّق كل عمل" تعني أيضا بأنّه حقق الكمال. إن العمل هو الطريق لتحقيق رغبات الإنسان. يعني عبارة "قد حقّق كل عمل" قد حقق كلّ الرغبات، ما يشير بأنّ الفرد قد اكتسب الاكتمال. يجب أن نلحظ بأن اكتمال العمل لا يكمن في كسب ثمار العمل فقط. بل يكمن في كسب ثمار العمل سويّة مع التحرر من التأثير الملزم للعمل ونتائجه. إنّ إدراك عدم العمل في العمل والعمل في عدم العمل هو نتيجة الاكتمال المكتسب خلال الاختبار المباشرة للغبطة المطلقة، ومن الحرية الأبديّة من العبودية التي تكمن في حالة الوعي الكوني، حيث يتم اختبار الذات بأنها منفصل عن النشاط.

في هذا الآية، إن تسلسل العبارات هو مهمة جداً. من أجل أن يقنع أن "مَن يرى في العمل عدم العمل وفي عدم العمل يرى العمل" هو ليس مجنون، يضيف المولى بأنّ مثل هذا الإنسان له فهم أفضل من الناس الآخرين: "هو حكيم بين البشر". إضافة إلى ذلك ولكي يشر إلى أنّ هذا الإنسان الحكيم هو ليس مجرد إنسان نظري يشغل نفسه في التفكير المثالي المجرّد، يقول المولى: "إنه متحِّد"، ويشير ضمناً إلى أنّه رجل عملي، اكتسب الاكتمال في الحياة.

هناك أربع عبرات في هذا الآية، تحتوي كلّ منها على أفكار متميّزة ومستقلة: 

1.    يرى عدم العمل في العمل

2.    يرى العمل في عدم العمل

3.    الحكيم بين البشر هو متحِّد

4.    لقد حقق كلّ العمل.

إنه لأمر ممتع أن نلاحظ أن كلّ من هذه الأفكار قد تتطور بشكل متتالي في الآيات الخمس القادمة. لقد تطورت الفكرة الأولى في هذه الآية في الفكرة الأولى لكلّ من الآيات الأخرى. أما الأفكار الثانية والثالثة والرابعة من هذه الآية تطوروا على نفس النمط في أفكار الثانية والثالثة والرابعة المطابقة من الآيات الخمس الأخرى.

تقدّم دراسة المقارنة لهذه الآيات الخمس علم العمل الملخّص في نهاية التفسير في الآية الثالثة والعشرين

أعطى المولى لأرْجونا نظرة عن العمل في عدم العمل وعن عدم العمل في العمل وذلك عندما أشار إلى ذاته كمثال، في الآية الثالثة عشر والرابعة عشر. لهذا السب نكتفي في هذه الآية أن نعطي تصريح عن الحقيقة من دون الدخول إلى التفاصيل والتفسيرات.

على أية حال، تناقش الآيات التالية، ، هذه النقطة من النواحي الملموسة أكثر في الحياة العملية.

 

الآية التاسعة عشر 

مَن يكون في كل تعهد متحرّراً
من الرغبة به والحافز منه،
من يحرق أعماله بنار المعرفة،
هو مَن يدعوه عارفي الحقيقة بالحكيم
 

تقدّم هذه الآية فكرة الآية السابقة بشكل أكثر تقدّماً. ولكي نرى عدم العمل في العمل من الضروري الارتباط بالعمل في حين يبقى الفرد متحرراً من الرغبة في داخل نفسه. إن حالة الداخلية للإنسان "متحرّراً من الرغبة" هي حقل من "عدم العمل". هكذا "مَن يكون في كل تعهد متحرّراً من الرغبة به" و "يرى عدم العمل في العمل" (الآية 18).

يذكر المولى الصفات الخاصّة لعمل إنسان المتنور. يجب أن يكون للعمل بالتأكيد حافز وبداية فعّالة، لكن الإنسان "الحكيم" لا يكون مندفعاً بالتعلق الشخصي لا في بداية العمل ولا في أثناء القيام به ولا في إتمام انجازه. ولا يعتمد على ثماره. هكذا يكون، خلال المجال الكامل للعمل، مشاركاً في حين يبقى غير متورط. لهذا يقول المولى: "من يحرق أعماله بنار المعرفة، هو مَن يدعوه عارفي الحقيقة بالحكيم".

يتعهد الإنسان المدرك بالعمل ولكن، استنادا إلى معرفته بأن الذات هي منفصل عن العمل، يبقى متحرراً من التأثير الملزم للعمل. هذه المعرفة تشبّه هنا بالنار المشتعلة التي تحرق كلّ أعماله، بمعنى أن العمل قد وضع بشكل كامل متحرراً من التأثير الملزم للعمل أو لثماره.

"تعهد متحرّراً من الرغبة به": بشكل عام، يبدأ الإنسان عمله فقط عندما يصبح مدركاً لرغبة به. إنّ المستوى الذي يتم فيه إدراك الرغبة يختلف طبقاً لمستوى العقل الواعي للفرد. يدرك أصفياء العقل الفكرة والرغبة في المستوى المرهف جداً في أثناء عملية التفكير. يجب أن نفهم بأنّ الفكّرة تبدأ من المستوى الأعمق للوعي وتطوّر إلى الرغبة عندما تصل إلى المستوى الواعي للعقل. أما الإنسان الذي أصبح مستوى الوعي التجاوزي في مستوى العقل الواعي، فيدرك الفكرة في بدايتها الأولية قبل أن تطوّر فعلاً إلى رغبة. تصبح فكرته متحوّلة إلى العمل من دون أن تظهر نفسه كرغبة. هذا ما يوضّح أنه عندما ينجح الإنسان في تناغم عقله مع الوعي التجاوزي، "يكون في كل تعهد متحرّراً من الرغبة به"

إن هذه حالة من عدم التعلق هي أكثر تقدماً مما تم وصفه في الآية السابق، الذي فيه يرى الفرد عدم العمل في العمل والعمل في العدم العمل. كلما تتقدّم ممارسة التأمل التجاوزي، تبدأ الكينونة بأن تصبح ثابتة في طبيعة العقل ويبدأ الفرد بالشعور بأن ذاته منفصلة عن النشاط. عندئذ نجد النشاط ثمّ في المستوى الساكن للإدراك الداخلي. هكذا يبدأ الفرد بشكل طبيعي في إدراك الصمت والنشاط بشكل متزامن.

وكلما تقدمت ممارسة التأمل أكثر، يصبح صمت الكينونة مدركاً حتى في بداية النشاط، وبذلك تنشاً حالة طبيعية لكلّ عمل لكي يكون "متحرّراً من الرغبة به والحافز منه". يجب الملاحظة أن بداية العمل تشغل العقل بعمق أكثر من عملية تنفيذ العمل. لهذا السبب نختر الذات أولاً أنها غير متورطة في أثناء عملية العمل، والممارسة المتقدّمة جداً هي التي تجعلها تبدأ بأن تكون مدركة لعدم تورطها في بداية العمل. هكذا، وبنمو الكينونة في طبيعة العقل، تظهر حالة طبيعية يكون فيها "كلّ تعهّد" على مستوى الصمت للكينونة، التي في طبيعتها الأساسية هي وعي الغبطة. يعطي وعي الغبطة هذا مستوى من الطمأنينة والقناعة الأبديّة التي على أساسه يكون "كلّ تعهّد متحرراً من الرغبة به والحافز منه".

في هذه المرحلة لنمو الكينونة في طبيعة العقل، يشعر الفرد بأنه غير متعلق بالعمل في بدايته وفي أثناء تقدّمه. لكن وبما أن كلّ عمل يبدأ بتحقيق بعض الإنجازات في نهايته، تشغل غاية العمل العقل أكثر مما تشغله كل من البداية والتنفيذ؛ لذلك يتطلب عدم التعلق في ثمار العمل تغلغل أكبر للكينونة في طبيعة العقل. ومع اكتساب الوعي الكوني، يكون الفرد قد أكمل "التخلّي عن التعلّق بثمار العمل" (الآية 20). تجد هذه الحالة الأكثر تقدما لعدم التعلق اكتمالها في النهاية في وعي الله، الذي فيه "سترى كل الكائنات في ذاتك وأيضاً فيّ أنا" (الآية 35).

يعتمد كلّ عمل على حالة وعي الفاعل. لذلك إذا كان هناك رغبة في أن يكون لكلّ الأعمال نوعية معيّنة، من الضروري إنتاج حالة من الوعي تسمح في ظهور تلك النوعية من العمل.

إنّ الكلمة "كلّ" هي مهمة جداً في هذا السياق. إنها تتضمّن المجال الكامل للنشاط الحسّي والعقلي. من المقترح بأنّ حالة وعي الإنسان يجب أن تكون بمستوى يجعل كل عمل يتعهد القيام به وفي أي وقت كان، متحرراً بشكل طبيعي من الرغبة ومن الحافز. إن مثل هذه الحالة للوعي موجودة في الوعي الكوني ووعي الله.

أما الإنسان الذي أصبح مستوى الوعي التجاوزي في مستوى عقله الواعي فيكون قد اكتسب الوعي الكوني، وفي هذه الحالة، يختبر الكينونة بأنها منفصلة عن العمل. يخلق هذا الاختبار وضعاً طبيعياً يكون فيه العمل على السطح وحالة عدم العمل في الداخل. إن الرغبة هي الرابط بين الفاعل والعمل. لكن عندما يتم تثبيت حالة طبيعية من الانفصال بين الفاعل والعمل، لا يوجد رابط بينهما. في مثل هذا الحالة بين الفاعل وأعماله، لا يوجد للرغبة مكاناً. هكذا يكون ممكناً "لكلّ" تعهّد أن يكون متحرراً من الرغبة.

"متحرراً من … الحافز منه": لكي نفهم حافز الرغبة، يجب أن نحلّل عملية تشكيل الرغبة. ينتج الاختبار عندما تدرك الحواس مدركاتها وتترك انطباعاً على العقل. يرجع اندفاع هذا الانطباع الجديد بانطباع من اختبار سابق مماثل له موجوداً في العقل ويربط نفسه مع ذلك الانطباع. إن مجيء الاثنان سوية يعطيان اندفاعاً في المستوى الأعمق للوعي، حيث تخزّن انطباعات كلّ الاختبارات. يتطوّر هذا الاندفاع، وبارتفاعه إلى المستوى الواعي للعقل، ويصبح مدركاً على أنه فكرة. تخلق هذه الفكرة، ومع اكتسابها لتعاطف الحواس، رغبة وتحث الحواس على العمل. من حيث المبدأ، يكون حافز الرغبة بسبب الشعور الشاحب. في هذه الحالة من الوعي الكوني، حيث يجد الفرد الطمأنينة الأبديّة في داخل ذاته ويجد حقل النشاط منفصل طبيعياً عن ذاته، تكون الذات ذاتية الاكتفاء – ولا يمكن أن تكون بحجة لشيء. في هذه الحالة، هكذا يكون كلّ تعهّد متحرراً من حافز الرغبة.

وقد يطرح السؤال نفسه: ما هو المسؤول عن المباشرة بالعمل عند مثل هذا الإنسان؟

والجواب هو القوّة القديرة للطبيعة، التي هي سبب النشاط الواسع والمستمر للخليقة والتطور في كلّ أنحاء الكون.

تشكل الكينونة أساس الطبيعة. عندما يصل العقل إلى التآلف الكامل مع الكينونة، يكسب المنزلة الحقيقية للكينونة وهكذا يصبح هو أساس كلّ النشاط في الطبيعة. تبدأ القوانين الطبيعية بدعم اندفاع مثل هذا العقل: يصبح كما لو أنّ واحد مع كلّ قوانين الطبيعة. تكون رغبة مثل هذه العقل هي حاجة الطبيعة، ولنصغ الجملة بطريقة أخرى، تكون حاجات الطبيعة الدافع لمثل هذا النشاط. لا يكون للذات أي علاقة "بالرغبة والحافز منها". هكذا يصبح ممكناً "لكلّ تعهّد" كي يكون بشكل طبيعي "متحرراً من الرغبة والحافز منها".

يجب أن نتذكّر بأنّ تطور مثل هذا الحالة للوعي تحدث من خلال حضور الكينونة على مستوى العقل الواعي، العقل السطحي. ولا يوجد هناك طريق لتطورها من خلال أيّ عملية تفكير أو فهم. إنّ غاية هذه الآية هي في إعطاء تفسيراً لهذه الحالة؛ فهي لا تصف الطريق لتحقيقها. سيكون أمراً خاطئاً جداً تخيّل ذلك، بمحاولة إزالة الرغبة وتخفيض حاجات الفرد لكي تقلّل حافز الرغبة، يمكن للفرد أن يكسب هذه الحالة الطبيعية لعدم التعلق، التي تجعل الإنسان "حكيماً" في نظر العارفين للحقيقة.

"نار المعرفة"': إدراك الكينونة بأنها منفصل عن حقل العمل.

إنّ أعمال مثل هذه الإنسان المتنور هي بالتالي ليست أعماله؛ إنها أعمال الغونات الثلاثة (الفصل الثّالث، الآية الثامنة والعشرون). يبقى غير متعلقاً بها ومطمئناً (الفصل الرّابع، الآية العشرون)، قلبه وعقله مهذبان (الآية 21)، خلف ازدواجية الأضداد،  (الآية 22) ومتحرّراً (23 الآية).

 

الآية العشرون 

بالتخلي عن التعلّق بثمار العمل،
مطمئن دوماً، لا يعتمد على شيء،
وبالرغم من ارتباطه الكلي بالعمل،
فهو لا يعمل بتاتاً
 

في تفسير الآية السابقة لقد تم التوضيح كيف يصبح عدم التعلق، مع نمو الوعي الكوني، عميقاً جداً ما يجل الإنسان يتخلى حتى عن "التعلق بثمار العمل".

يمكننا أن نناقش الآية الحالي من الزاوية الأخرى. عندما يلعق اللسان العسل الصافي، يتخطى مذاق الحلاوة القوي بدرجات كلّ الأذواق الحلوّة التي تم اختبارها لحينه. إذا واصل اللسان بالتشوق لمذاق العسل، عندئذ لن يكون هناك فرصة لأي مذاق حلوّ سابق للرجوع. هذا ما يحدث عندما يعيش العقل بشكل دائم في اختبار الغبطة التجاوزية في حالة الوعي الكوني؛ عندئذ، لن يبقى هناك أية فرصة لانطباعات الاختبارات الماضي كي تأسره. هكذا يكون الإنسان المتنور قد "تخلى عن التعلّق بثمار العمل" الذي قام به في الماضي.

إذا تذوّق الفرد بلسانه الحلاوة المركزة ومن ثم يتذوق حلويات أخرى، فلا تترك هذه الأذواق أيّ انطباع هامّ. عندما يعمل الإنسان المثبت في غبطة الكينونة المطلقة في الحقل النسبي للحياة، لن تترك اختباراته على العقل أيّ انطباع عميق قد يمكن أن يسبّب الرغبات المستقبلية. بهذه الطريقة تنكسر حلقة العمل فالرغبة فالانطباع فالعمل. وهكذا يكون النشاط والاختبار عند الإنسان المتنور في العالم محظوراً من زرع بذرة العمل المستقبلي. هذا سيوضّح أكثر في الآية التالي.

"وبالرغم من ارتباطه الكلي بالعمل": تستمرّ أعضائه في العمل في أداء واجباتها مندفعة بالطبيعة، وكذلك تبقى حواس الاختبار منشغلة؛ بهذه الطريقة نجده يعمل.

"فهو لا يعمل بتاتاً": يبقى عقله، المثبت بامتلاء الكينونة، غير متورط بالعمل. هذه هي حالته من الحياة - منشغل ظاهرياً في العمل، وثابت داخلياً في الصمت الأبدي.

Back السابق Home المدخل Up فوق Next التالي