|
الآية السادسة والثلاثون
حتى وإن كنت أكبر الخطاءة،
يمكنك أن تعبر كل الشرّ
بمركب المعرفة وحده
وبعد أن مجد المعرفة في الآية السابقة، لفعاليتها في إزالة الضلال، يتكلّم
المولى الآن عن فعاليتها في إزالة الخطيئة. تكمن القيمة الخاصّة لهذه
المعرفة في الحقيقة بأنّها تتجاهل الضرورة لكسب المعرفة حول العمل الخاطئ.
إنّ التعاليم الصامتة هنا هي في أن معرفة القدسي هي الضرورية وليست معرفة
العمل والعمل الخاطئ وعدم العمل كما تم الإشارة إليها في الآية 17. يصبح
هذا كله ظاهراً بدرجة أكبر في الآية التالي، حيث يوضّح المولى بأنّ كلّ
الأعمال تحترق كليّاً في نار المعرفة.
"يمكنك أن تعبر كل الشرّ بمركب المعرفة وحده": تشير كلمة "وحده" بأنّ لا
شيء باستثناء المعرفة هو ضروري للإنسان كي "يعبر كل الشرّ". يجب أن نفهم
بشكل صحيح كيف يتخطى الفرد الشرّ في حالة التنوير.
لقد قيل في الآية 35 بأنّ المعرفة تأخذ الإنسان خلف الضلال وتصقل حياته في
وحدانية وعي الله. في هذه حالة تكون حياته على المستوى الأعلى للوجود،
وتكون متّحدة مع مولى الكلّ. تستجيب كلّ قوانين الطبيعة إيجابياً لمثل هذه
الحياة، لأنها تكون متناغمة مع القوة الكلية القدرة والمنيعة للطبيعة، التي
تنظم تطوّر كلّ شيء في الخليقة. في مثل هذه الحالة تنتج كلّ فكرة وكلمة
وعمل للإنسان تأثيراً مسانداً للحياة لنفسه وللكون أجمع. هذه هي حالة
الحياة حيث لا يكون العمل الخاطئ ممكناً. في هذه الحالة يكون الفرد قد عبر
كلّ الشرّ بمركب المعرفة.
"المعرفة" لا تقاوم، لأنه لا يمكن لأحد أن يقاوم ذاته. إنّ حالة المعرفة في
المستوى الأول هي حالة الذات الخاصة بالفرد ، الوعي التجاوزي. وفي المستوى
الآخر، هي حالة الذات في وسط النشاط، الوعي الكوني. في مستوى آخر أيضاً، هي
حالة وعي الله. التنوير هو غير متعلق بأي شيء في الحقل النسبي؛ لا يمكن لأي
شيء أن يكون عقبة للتنوير. مهما كان الظلام كثيفاً ومهما طال بقائه، يكفي
شعاع واحد من الشمس المشرقة ليبدّد الظلام، بالرغم من الوقت الذي يحتاجه
للوصول سطوع شمس الظهيرة. حتى الوميض المؤقتة للوعي التجاوزي يكون كافياً
لتبدّد ضلال الجهل، بالرغم من الوقت الذي يحتاج لكسب التنوير الكامل في وعي
الله، حيث يعبر الفرد كلّ الشرّ بمركب المعرفة. هذا ما يعطي الأمل إلى
الإنسان الذي قد تكون حياته مليئة بعمل السوء.
تولد الخطيئة خشونة في الجهاز العصبي، ما يمنعه عن العمل بشكل عادي ويعرقل
قدرته على بعث الوعي الصافي. تمنع هذه الحالة الضعيفة للجهاز العصبي
الكينونة عن التأثير المباشر على حقل النشاط.
وهكذا، وبمهاجمة التركيب الطبيعي للجهاز العصبي وبالتالي منع الوعي الصافي
من أن يعاش في الحياة اليومية تسبب الخطيئة الحزن والمعاناة. إن المعرفة
وفي إزالة هذه الإمكانية، تستأصل في نفس الوقت كلّ إمكانية للحزن
والمعاناة. توصي هذه الآية باللجوء إلى المعرفة للارتفاع فوق إمكانية
الوقوع بأيّ خطيئة في الحياة وتعد بالإصلاح حتى لمن هو أكبر الخطاءة في
العالم.
في حين يعد المولى في هذا الآية، بالتخلص من عبودية العمل الخاطئ من خلال
المعرفة، فهو يعد في الآية التالي بالإبادة الفعلية لكلّ عمل في نار
المعرفة.
الآية السابعة والثلاثون
كما تحوّل النار الملتهبة الوقود إلى رماد،
هكذا تحوّل نار المعرفة كل الأعمال إلى رماد
"المعرفة": التي بها "تُغسل عنهم خطاياهم" (الآية 30)، والتي بها "سترى كل
الكائنات في ذاتك وأيضاً فيّ أنا" (الآية 35). المعرفة تعني الإدراك، الذي
في طبيعته هو الوعي الصافي؛ هذه الحالة من المعرفة هي مجردة من أيّ نشاط.
لذلك يقول المولى بأنّ "نار المعرفة" تحوّل "كلّ الأعمال إلى رماد". عندما
تصبح هذه الحالة ثابتة بشكل دائم في طبيعة العقل، يتم اختبار الذات بأنها
منفصلة عن النشاط وثماره (الآية 19). هكذا تحوّل نار المعرفة، نار الوعي
الكوني، "كلّ الأعمال إلى رماد". عندما تصل هذه الحالة من الوعي، حالة
المعرفة، إلى إتمامها في وعي الله، يذوّب افتراق الذات من النشاط في
وحدانية الذات والنشاط. هكذا في حالتها العليا تحوّل نار المعرفة أيضاً
"كلّ الأعمال إلى رماد".
عندما قال المولى في الآية 33 بأنّ "كلّ عمل … يتتوّج بالمعرفة"، شرح بأنّه
عندما يتم اكتساب المعرفة تصل الأعمال إلى نهايتها – فقد أكملوا غايتهم
النهائية. في هذه الحالة يرتفع الإنسان إلى حالة من الوعي بعيدة عن متناول
النشاط؛ يتم انجاز النشاط كلّه، العقلي والجسدي، تحت التأثير المباشر لقوى
الطبيعة، التي لا تكترث بوعي الفاعل. يجد الفاعل نفسه ثابتاً على مستوى
الحياة الذي ليس له أي شيء مشترك مع حقل العمل. في هذه الحالة، يتوقّف
العمل الذي يتم تأديته عن أن يكون، ويتوقّف عن إشغال وعي الفاعل. هذا ما
يعنيه المولى عندما يقول "بأنّ نار المعرفة تحول كلّ الأعمال إلى رماد".
"كلّ الأعمال": هذا التعبير له معنيان؛ نوعي وكمّي، ويتضمّن أيضاً مجال
الزمن؛ الماضي والحاضر والمستقبل. تصبح انطباعات الأعمال السابقة، التي
تعمل كبذرة الأعمال المستقبلية، مثل البذور المحمصة، فتفقد فعاليتها. هكذا
تحترق الأعمال السابقة في "نار المعرفة". أما الأعمال التي يتم تأديتها في
الحاضر فتبقى على مستوى العقل والحواس؛ فهي لا تلمس أعماق العقل الراسي في
الكينونة، وبالتالي لا تخلق الانطباعات العميقة ولا تخزن كالبذرة للأعمال
المستقبلية. وهكذا تحترق الأعمال المنجزة في الحاضر في "نار المعرفة"،
فتزيل بشكل كامل أساس الأعمال المستقبلية. هذا ما يكسر حلقة السبب والتأثير
في حقل العمل؛ وبدوره يكسر حلقة الولادة والموت، ويجلب الحرية الأبديّة إلى
الحياة.
الآية الثامنة والثلاثون
حقاً، لا يوجد في هذا العالم أي شيء
منقّي أكثر من المعرفة. ومن يتقن
اليوغا سيدرك ذلك مع الوقت،
بذاته وفي داخل ذاته
"لا يوجد أي شيء منقّي أكثر من المعرفة": إنّ عمل المنقي هو أولا في أن
ينقّي المكونات أو المقومات المختلفة وبعد ذلك، وبعد أن حرّر المكوّنات من
الشوائب، يقدم المركّب الكامل في حالته الصافية.
المعرفة هي المنقي للحياة. إنها تنقّي الحياة بمعنى أنها تحلّل الأوجه
المختلفة للوجود وتميّز وتفصل الأوجه الأبديّة عن الفانية. إنها تعمل
كالمصفاة لتصفي الوحل من الماء الموحل. إنّ الطبيعة الحقيقية للحياة هي وعي
الغبطة المطلق؛ هذا الماء النقي للحياة كان قد تلوّث نتيجة لمزجه بنشاطات
الغونات الثلاثة. هذا ما أدّى إلى إخفاء خلود الحياة خلف الأوجه الفانية
والدائمة التغيّر.
يتم إدراك الحالة الصافية للكينونة بمعرفة المكوّنات النسبية والمطلقة
للحياة. تصل هذه المعرفة إلى الكمال عندما يكسب العارف التآلف المثالي مع
الكينونة ويصبح مدركاً بالكاملة للنشاط الأساسي للحياة، نشاط الغونات
الثلاثة على أنه منفصلة عن الكينونة. يتم اكتساب التآلف المثالي مع
الكينونة عندما يكسب العقل الحالة التجاوزية للوعي. هذه الحالة المطلقة
للمعرفة، التي يمكن أن توصف كحالة العرفان. عندما تصبح معرفة مثالية، تصل
إلى حالة المعرفان وتجلب الحياة إلى النقاوة المثالية. بهذه الطريقة تزيل
المعرفة الجهل، الذي هو الشائبة الأعظم في الحياة، وتخرج الحياة من دورة
الولادة وموت ومعاناة.
إنّ الوجهة السطحية للمعرفة التعرف والتفهم؛ والطبيعة الحقيقية للمعرفة هي
حالة المعرفان، حالة الوعي الصافي، أو الكينونة. بمعالجة المعرفة بهذه
الطريقة، نجد بأن الوعي التجاوزي يمثّل الطبيعة الحقيقية للمعرفة. هناك
مرحلة أخرى للمعرفة حيث يتعايش الوعي التجاوزي مع نشاط حالة وعي اليقظة. في
هذه الحالة، عندما يصبح الوعي التجاوزي ثابت بشكل دائم في الطبيعة الحقيقية
للعقل، تبدأ المراحل المطلقة والنسبية للحياة بأن تكون مدركة بشكل متزامن:
فيتم اختبار الذات بأنها منفصلة عن النشاط. هناك حالة أخرى من المعرفة
أيضاً، والتي فيها يذوّب الانفصال بين الذات والنشاط في أحادية وعي الله،
التي هي الحالة الأكثر تنقية من الحياة، خالية من أيّ لطخة للشوائب. إن مثل
هذه الحياة، في النقاوة المطلقة تمثّل الحالة العليا للمعرفة، التي يقول
عنها المولى: "ومن يتقن اليوغا سيدرك ذلك مع الوقت، بذاته وفي داخل ذاته".
قد يضاف على هذا أنّه فقط من خلال التأمل التجاوزي، الذي هو الطريق المباشر
لكسب الوعي الصافي وأخيراً الرفع إلى وعي الله، يمكن معيشة النقاوة المطلقة
في الحياة اليومية.
عندما تصبح حالة اليوغا، حالة الوعي التجاوزي، دائمة وتحافظ على ذاتها خلال
كلّ النشاطات، يصل الفرد إلى حالة الوعي الكوني. إن مثل هذا التغلغل
المثالي للمطلق إلى النسبية يحدث بدرجات، خلال الممارسة المنتظمة للذهب إلى
المتجاوز والرجوع إلى حقل العمل في الحياة اليومية. وينتج عن التناوب
المتوازن للتأمل والنشاط الإدراك الكامل، سنوضح ذلك في هذا المثال: ننقع
القماش الأبيض في الصباغ الأصفر ونتركه في الصبغ الّذي سيلوّنه لمدّة بضع
دقائق. ومن ثمّ نخرجه وننشره في الشمس لحين يبهت اللون. نكرّر العملية
ذاتها، ونضع القماش ثانية في نور الشمس حتى يبهت اللون. بذات الطريقة،
نتأمّل حولي نصف سّاعة ونتبع ذلك بالخروج للعمل في الحياة عملية لمدة عشرة
ساعات تقريباً، في ذلك الوقت نبدأ بشعور بأنّنا فقدنا تأثير التأمل
الصباحي. فنتأمّل ثانية بالطّريقة ذاتها، ونترك التأثير ثانية يبهت بالخروج
إلى الحياة العملية؛ نتابع في تكرار عملية كسب حالة الكينونة الكونية في
التجاوز (السمادي) أثناء تأمل وفي الخروج لاستعادة الفردية في حقل الوجود
النسبي. هذا ما يسمح لتغلغل الكينونة أن يكون أكثر فأكثر في طبيعة العقل
حتى عندما يكون منشغلاً في النشاط من خلال الحواس.
عندما يتم تحقيق التغلغل الكامل للكينونة، يتم اكتساب حالة الوعي الكوني.
تزوّد حالة الوعي الكوني الأساس لتطوير حالة اليوغا المتقنة في وعي الله.
يتطلّب تطوير الوعي الكوني إلى وعي الله بأنّ يتحوّل الافتراق الموجود بين
الذات والنشاط إلى انصهار هاتين الهويتين المنفصلتين، ما يؤدّي إلى
الأحادية الأبديّة لوعي الله.
يحدث هذا التحويل لحالة الافتراق استناداً إلى النشاط الأكثر نقاوة لكلّ،
نشاط الولاء والتعبد إلى الله.
ومن أجل أن نحلّل الطريق الذي يؤثر فيه فعل الولاء على هذا التحويل وينتج
عنه حالة الأحادية الأبديّة في وعي الله، من الضروري أن نفحص عن قرب، في
حالة الوعي الكوني، كيف يتم اختبار الذات بأنها منفصل عن النشاط؛ وكيف يصبح
الصمت الأبدي للوعي الذاتي التجاوزي متوافقاً مع النشاط المستمر لحالة وعي
اليقظة. أولئك الذين يمارسون التأمل التجاوزي يختبرون انخفاض في عملية
الأيض في أثناء التوجه الداخلي للتأمل؛ ويختبرون أن الجهاز العصبي يصل إلى
حالة من اليقظة المريحة عندما يتجاوز العقل الفكر ويكسب الوعي التجاوزي.
ومرة أخرى، يختبرون أن الجهاز العصبي يصبح نشيطاً عندما يشغل ذاته في نشاط
الفكر أو العمل.
لك حالة من الوعي لها حالة مطابقة في الجهاز العصبي. يقابل الوعي التجاوزي
حالة معيّنة محددة من الجهاز العصبي التي تتجاوز أيّ نشاط وهي بالتالي
تختلف كلياً عن تلك حالة للجهاز العصبي التي تقابل حالة وعي اليقظة.
الآن، ومن أجل أن يصبح الوعي التجاوزي دائماً ويتعايش مع حالة وعي اليقظة،
من الضروري أن تتعايش الحالتان في الجهاز العصبي المتقابلتان لحالتي الوعي.
هذا ما سيحدث باكتساب العقل بشكل متناوب الوعي التجاوزي وحالة وعي اليقظة،
ويتنقل من حالة إلى أخرى. هذه الثقافة التدريجية والمنهجية للجهاز العصبي
المادي تخلق حالة فسيولوجية تتواجد فيها الحالتان من الوعي سوية وبشكل آني.
من المعروف جداً أنه يوجد في الجهاز العصبي العديد من المستويات المستقلة
ذاتياً في وظيفتها، ومن بينها يتواجد نظام التنسيق أيضاً. في حالة الوعي
الكوني، هناك مستويان مختلفان من التنظيم في وظيفة الجهاز العصبي بشكل آني
في حين يحافظان على هويّاتهما المنفصلة. استناداً على هذا الافتراق
التشريحي للوظيفة، يصبح ممكناً للوعي التجاوزي أن يتعايش في حالات وعي
اليقظة والحلم والنوم.
في المراحل المبكّرة لممارسة التأمل التجاوزي، لا يمكن لهذين المستويين
لوظيفة الجهاز العصبي أن يظهرا في الوقت نفسه؛ تمنع الوظيفة الأولى الوظيفة
الأخرى. لهذا السبب، وفي هذه المرحلة، يتم اختبار أمّا الوعي التجاوزي أو
حالة وعي اليقظة. ومع ممارسة العقل في المرور من وظيفة إلى أخرى تتغلّب على
هذا المنع الفسيولوجي بشكل تدريجي، ويبدأ المستويان بالعمل بشكل مثالي في
الوقت نفسه، من دون منع بعضهما البعض ومع الحفاظ على هويّاتهما المنفصلة.
إنّ وظيفة كلّ منها هي مستقلة عن الأخرى، ولهذا تقابل هذه الحالة للجهاز
العصبي الوعي الكوني، الذي فيه يتواجد الوعي الذاتي منفصلاً عن النشاط.
ويتم اختبار الصمت مع النشاط وأيضاً منفصلاً عنه.
لكي يطوّر الوعي الكوني إلى وعي الله، من الضّروري أن يثقّف الجهاز العصبي
إلى حد أبعد لكي يعمل هذان المستويان، اللذان يشتغلان بشكل مستقل، بأسلوب
متكامل. هذا ما سوف يسبّب حالة من الوعي يكون فيها الإحساس الافتراق بين
الذات والنشاط متلاشياًً، وهذه الثنائية التي تشكّل الوعي الكوني تصنف ضمن
أحادية وعي الله.
هذا التكامل من الوظائف في المستوى الفسيولوجي يأتي من النشاط العقلي
بالنقاء الأقصى. ولكي نحدّد النشاط لهذه النوعية، يجب أن نحلّل المدى
الكامل للنشاط. إنّ نشاط أعضاء العمل هو الأكثر سطحي، ونشاط حواس الإدراك
هو أكثر دقة، والنشاط العقلي للفكر أدق منه، ونشاط الشعور والعاطفة الأدق
أكثر من الكلّ. يمكن للفرد أن يصنّف مستويات مختلفة أكثر من النوعية في
النشاط العاطفي، مثل الغضب والخوف واليأس والسعادة والوقار والخدمة والحبّ.
يشتمل نشاط الولاء على مشاعر الخدمة والوقار والحبّ، التي هي النوعيات
المرهفة أكثر من الشعور. إنه خلال نشاط الولاء يتطوّر الوعي الكوني إلى وعي
الله.
عندما يتعرض الجهاز العصبي بشكل ثابت إلى هذا النشاط الأكثر صفاءً للولاء،
يحدث التكامل الفسيولوجي للوظائف التي تم وصفها. وإنها الحالة الدائمة لهذا
الوضع للجهاز العصبي الذي يمكّن الإنسان أن يعيش وعي الله في حياته
اليومية؛ يتصرّف في الوسط كلّ أنواع الظروف، مكملاً غاية الحياة الكونية،
إنه يحمل شمولية الوجود في داخل ذاته ويتحرّك في أحادية الله.
وهكذا يكون من الواضح أن تطوّر وعي الله، الذي يمثّل الحالة العليا
للمعرفة، هو ضروري لتثقيف الجهاز العصبي المادي. هذا ما يتطلّب ممارسة
منتظمة وثابتة، والتي من الواضح تحتاج لمدة من الوقت. لهذا يقول المولى
"سيدرك ذلك مع الوقت ".
"في داخل ذاته": بهذا التعبير، يتمنّى المولى أنّ يتم فهمه بشكل واضح بأنّ
الحالة العليا للمعرفة لا تكتسب من الخارج. فهي تكتسب في داخل الذات، عندما
يعيش الفرد لبعض الوقت في الحالة المتقنة لليوغا في وعي الله. إنّ عنصر
الوقت يشير هنا بأنّ أثناء المراحل المبكّرة لوعي الله تكون الحياة ممتلئة
بمثل هذا الاختبار الغامر للأحادية في التنويع الذي يعيش فيه الفرد بضياع
تام. لكن،و بشكل تدريجي ومع مرور الوقت، يبدأ الفرد بإدراك هذه الأحادية من
ناحية الأشياء والنشاطات الأخرى في العالم. عندئذ، يكون الفرد قد أدرك
الله، امتلك معرفة الله. وهكذا يصبح واضحاً لماذا يتكلّم المولى عن ضرورة
الوقت في كسب المعرفة العليا.
الآية التاسعة والثلاثون
يكسب المعرفة مَن يمتلك الإيمان،
ومَن يعمل لغاية معينة، ومَن يسيطر
على الحواس. وباكتساب المعرفة
يصل سريعاً إلى السلام الأسمى
"المعرفة": وعي الأحادية في وسط تنويع الحياة. عندما يصبح هذا الوعي
كاملاً، يمكن أن يقال عنه بأنه وعي الله.
للارتفاع من حالة وعي اليقظة إلى وعي الله، يجب أن يعبر الفرد حالات الوعي
التجاوزي والوعي الكوني. في تسلسل التطور، تقود حالة واحدة إلى الأخرى
وبالترتيب من اليقظة إلى التجاوزي إلى الكوني وإلى وعي الله. إنها تبدو
مختلفة الواحدة عن الأخرى، مثل النظارات بالألوان المختلفة، ومن خلالها
يبدو المنظر الواحد مختلفاً. عندما يتم إدراك الغرض الواحد في الحالات
المختلفة من الوعي، يتم إدراك قيمه بشكل مختلف. يتم إدراك الحياة بشكل
مختلف في كلّ مستوى مختلف من الوعي.
بينما يمرّ العقل عبر كلّ هذه الحالات، يجب أن يمرّ بالاختبارات الجديدة
المختلفة التي، في غياب الإيمان، يمكن أن يكون بسهولة إساءة فهمها في أي
خطوة. لهذا السبب يسمّي المولى الإيمان كمطلب رئيسي للمعرفة.
هناك ثلاثة حقول للإيمان: الإيمان في ذات، والإيمان في المعلّم والإيمان في
الله. إن الإيمان في الذات هو ضروري كي لا يبدأ الفرد في الشكّ في اختباره
الخاص. والإيمان في المعلّم يمكّن الفرد لقبول أساسيات التعاليم؛ إذا تم
رفض، في غياب الإيمان، المبادئ الأساسية للتعليم، لا يمكن للفرد أن يستخلص
أيّة منفعة منها ولا يحقّق من حقيقتها، نظراً إلى أن حقيقة التعاليم يمكن
التحقّق منها فقط بواسطة الاختبار الشخصي الذي تنشأ عن الممارسة المعطاة من
قبل المعلّم. أما الإيمان في الله يحمي قلب الإنسان وعقله ويضمن ذلك
التقدّم الثابت الذي هو مهم جداً في حياة الباحث.
يؤمن الإيمان مرساة الحياة، ليس فقط لباحث عن الحقيقة ولكن لأيّ إنسان. إنه
مطلوب لأيّ إنجاز في الحياة؛ وللإنجاز الأكبر يكون مطلوباً بقدر أكبر؛
وللاكتمال الأعلى في وعي الله، يكون الإيمان الأعظم هو المطلوب.
إن التأمل هو العملية التي تعطي تجاذباً متزايداً في كلّ خطوة في الطّريق
إلى التجاوز. يسبّب اختبار هذا التجاذب بنمو الإيمان. علاوة على ذلك، تجلب
الممارسة المنتظمة للتأمل البركات العظيمة للانسجام والبهجة إلى الحياة؛
هذا ما يساعد أيضاً القلب والعقل على النمو بالإيمان ويبقي الإنسان " يعمل
لغاية معينة" على الطريق إلى التنوير، وبذلك يكتسب الاستقرار في الطّريق.
يصبح نشاط الحواس متوازناً وطبيعياً أيضاً. هكذا، وعندما يبدأ إنسان ممارسة
التأمل التجاوزي، يكون قد أكمل الظروف الضرورية للتنوير.
إنّ الشعاع الأول للشمس المشرقة يكفي ليبدّد ظلام الليل، ورغم ذلك تحتاج
الشمس لبعض الوقت كي تشرق بالكامل. خلال التأمل، يصل العقل إلى الوعي
التجاوزي بسرعة ويتنور بالشعاع الأول للقدسي؛ رغم ذلك وللسماح لهذا الوعي
القدسي التجاوزي في الإشراق في كلّ الظروف، خلال اليقظة والحلم والنوم بلا
أحلام، تكون الممارسة المنتظمة للتأمل ضرورية جداً.
يأخذ التأمل العقل إلى الوعي الذاتي التجاوزي، ويؤدي النشاط الطبيعي
والمتوازن إلى تغلغل الطبيعة القدسية التجاوزية في العقل، حيث لا يمكن
فقدها حتى عندما يكون العقل منشغلاً في حقل النشاط. بهذه الطريقة، ينمو
الوعي الذاتي إلى الوعي الكوني – أتماناندا إلى براهماناندا، سافيكالبا
سمادي إلى نيرفيكالبا - وفي النهاية هذه الحالة من اليوغا، الوعي الكوني،
تصل إلى اكتمالها في وعي الله؛ ويصل الشعاع الأول لتنوير مجده الكامل.
تشدّد هذا الآية على الحاجة للإنسان في أن "يعمل لغاية معينة" وأن يملك
نشاطاً متوازناً طبيعياً للحواس والعقل بالإضافة إلى الإيمان. تساعد كلّ
هذه الأمر، متجمعة بانسجام، على إنتاج الولاء، تلك الصفة الأعلى في الباحث
التي فيها ينجز المرحلة النهائية من تطوره. بأخذ كل هذه الأمور سوية يتم
خلق حالة لكشف الحقيقة العليا في طبيعتها الشاملة، فيرفع المنزلة المحدودة
للفرد إلى المنزلة غير المحدودة للوعي الكوني، وفي النهاية إلى تلك
الأحادية للحياة في وعي الله التي ترضي العقل والقلب إلى الأبد. وبعد أن
يتم كسب ذلك، يكسب الإنسان المعرفة مع مرور الزمن، الذي من خلاله يصبح
متحرراً من أيّ شكّ أو ضلال، هذه هي حالة "السلام الأسمى" حيث يرتاح القلب
في القناعة الأبديّة والعقل ممتلئ لأحادية الحياة، حيث أنّ هناك لا أثر
للثنائية وبالتالي يكون السلام دائماً.
الآية الأربعون
ولكن الإنسان الذي لا يملك المعرفة،
ولا يؤمن، ومشكّك في طبيعته، سيهلك.
لأن العقل المشكّك ليس له سعادة في
هذا العالم ولا في العالم الذي يليه.
إنّ تسلسل العبارات هو مهم جداً في إعطاء النظرة العميقة في التعاليم.إن
قلة المعرفة هي أساس قلقة الإيمان، التي هي بدورها أساس "المشكّك في
طبيعته". لذلك إن قلة المعرفة، أو حالة الجهل، هي التي في جذور كلّ الفشل
في التقدّم المادي والتطوّر الروحي. الجهل هو مصدر كلّ ضعف ومعاناة في
الحياة. إن التعاليم تفرض على الفرد أن ينزع الجهل ويرتفع إلى حالة المعرفة
لكي يربح كلّ السعادة ويتقدّم في هذا العالم وفيما بعد.
نظراً لما قيل حول الآية السابق، إن أهمية هذا الآية هي واضحة. لكن يجب على
الفرد أن يتذكّر بأنّه الجاهل هو الذي يصبح متنوراً، لأن التأمل هو عملية
تكشف الحقيقة إلى الجاهل. قد يضاف شيئاً واحداً هنا: لا يمكن أن يكون
الإنسان أبداً مجرداً من الإيمان بالكامل وممتلئاً بالشكّ تماماً، ولا يمكن
أن يكون الإنسان جاهلاً كلياً للحقيقة. علاوة على ذلك، إن ممارسة التأمل
التجاوزي تلك، يمكن أن تبدأ من أي مستوى للإيمان عند الإنسان، لأنها تجلب
الإيمان إلى الكافر وتبدّد الشكوك في عقول المشكّكين بتزويدهم بالاختبار
المباشر للحقيقة.
تطلبت الآية السابقة الإيمان من أجل كسب المعرفة. وتقول هذا الآية بأن قلة
الإيمان هي نتيجة للجهل. يضع هذا التناقض الظاهر الأساس للمبدأ بأنّ
الإيمان والمعرفة تعتمد على بعضهما البعض من المرحلة البدائية إلى المرحلة
المتقدّمة جداً، تستمد كل واحدة إلهاماً من الأخرى وفي نفس الوقت تساعد
الآخر على النمو. |