|
الآية الأولى
قال أرْجونا:
أنت تشدّد يا سيد كْريشْنا على
الزهد في العمل وعلى يوغا
العمل في الوقت نفسه.
أخبرني حقاً أيهما الأفضل؟
هاهو البرهان لما قاله المولى: "حتى الحكماء يشعرون بالإرباك" حول
مشكلة العمل وعدم العمل. خلال الكلام كله وحتى الآن، يظهر أرْجونا نفسه
بأنه حكيم، في كونه يمتلك البصيرة العظيمة ويمتلك معرفة الدهارما. ولكن لا
ينوي أن يقوم بالعمل إلى أن يتأكّد من كلّ نتائج عمله.
هذا هو السؤال الثالث، وبالروح ذاتها، الذي سأله أرْجونا عن العمل
الأفضل لإتّباعه من أجل منفعته الخاصة ومن أجل الآخرين. تنشأ هذه الأسئلة
المتكرّرة عن رغبته المخلصة لمعرفة الحقيقة؛ إنها تتوافق مع الشخصية التي
تتصرف من دون عيب، وتنبع بشكل طبيعي من حالة الفرد الذي يبحث عن الحقيقة
والذي اسلم نفسه إلى المعلم.
لولا أسئلة أرْجونا، لما أمكن كشف الحكمة العظيمة في هذا الفصل والفصول
القادمة، وما كان ممكناً لحديث المولى أن يكون كامل. لهذا السبب سيكون
أولئك المريدون للحقيقة مدينون دائماً إلى أرْجونا. لقد غاب عن المفسرين
الذين صوّروا الحديث بشكل مربك فهمه بعمق. يسأل أرْجونا أسئلة عميقة مراراً
وتكراراً، لأنه رجل عملي صاحب ذكاء فائق، ولأنه لا يرغب بأن يسلم جدلاً
بأيّ شيء. يريد كلّ التفصيل للخطة المقدمة من المولى، لأنه يعرف بأنّ أيّ
خطأ صغير من ناحيته سيضرّ في أقدار العديد من الأجيال القادمة.
لقد قال المولى: "لا يمكن إدراك مجال العمل" عندما تكون طبيعة العمل
على هذا الشكل، يمكن أن يكون هناك عيوب غير معدودة في أيّ شرح عنها، ويمكن
أن يكون هناك عدداً غير محدود من وجهات النظر حول كل حالة بمفردها. لهذا
السبب، ومن أجل حلّ لغز العمل إلى الأبد، قال المولى لأرْجونا: "أنا سأشرح
لك ذلك العمل الذي بمعرفتك به سوف تتحرر من كل شرّ. ومن ثمّ تابع شرحه لتلك
الحكمة الأبديّة التي تقدّم الحلّ إلى كلّ مشاكل العمل والسلوك لكلّ البشر
في كلّ العصور.
يؤيد المولى أداء العمل من ذلك المستوى من الحياة حيث يكون العقل
ثابتاً في حالة من الحرية. يمكن أن نعيش هذه الحالة بسهولة، ولكن وصفها
بكلمات وبشكل كافي هو صعب. لهذا السبب طلب المولى من أرْجونا قائلاً "كن من
دون الغونات الثلاثة" وبذلك سيختبر بالفعل حالة عدم التعلق كما وصفها له في
تعاليم السانكهيا. يمكن إظهار الطريق إلى الطامح كي يتبعها، لكن من الصعب
إعطائه صورة مؤكّدة عن تلك الحالة لأنها تكمن في الحقل الذي يتجاوز كلّ
كلام.
وبما أن الطبيعة الحقيقية للعمل في الحرية تتضمّن حالات العمل وعدم
العمل والزهد من العمل في وقت متزامن، يجب أن يتكلّم المولى في شرحه
أحياناً من ناحية العمل وأحياناً أخرى من ناحية عدم العمل - أحيانا عن يوغا
العمل وأحياناً أخرى عن الزهد في العمل. هناك حاجة في توضيح هذه البيانات
المتعارضة التي سبّبت سؤال أرْجونا الحالي. إن سؤاله لم ينبع من أيّ نقص في
فهمه.
يمكن إيجاد السبب الفوري للسؤال في التعبيرين في نهاية الفصل الرابع:
"تخلّى عن العمل باليوغا" (الآية 41) و "باعتمادك اليوغا سبيلاً" (الآية
42). في الآية الأولى يقدم اليوغا كوسيلة للزهد، أما الآية الثانية فتؤكد
على ممارسة اليوغا بعد اكتساب معرفة الزهد. في العبارة الأولى اليوغا هي
الوسيلة والزهد هو الهدف؛ وفي العبارة الثانية الزهد هو الوسيلة واليوغا هي
الهدف. يلاحظ أرْجونا هذا التناقض الظاهر، ويطرح السؤال الذي يفتتح هذا
الفصل. إن سؤاله هو المسؤول عن تدفق الحكمة العظيمة من المولى ولا يقدّم
فقط جوهر تعاليم المولى حتى الآن، لكنه يعطي أيضاً زخماً إضافياً إلى موضوع
حديث المولى.
الآية الثانية
قال المولى المبارك:
إن الزهد ويوغا العمل كليهما يؤديان إلى السمو.
لكن يوغا العمل هي أرقى من الزهد في العمل
"الزهد في العمل" (السنياسا)
قد تفسر بأربعة طرق. طبقاً للمفهوم الأول والأكثر شيوعاً، يفصل الإنسان
ذاته عن كلّ نشاط في الحياة الدنيوية. وطبقاً للثاني، يباشر في ممارسة
التأمل التجاوزي للتخلي حتى عن الحالة الأكثر صفاء للفكر وهكذا يصل إلى
الوعي الذاتي. هذا ما يعتني به السنياسا بالكامل – تتخلى عن كلّ شيء في حقل
النسبية وينفصل عن كلّ أوجه الحياة، السطحية والمرهفة. وطبقا للثالث، يتقبل
النشاط بعد كسب الوعي التجاوزي، ويرتفع إلى الوعي الكوني، الذي فيه يختبر
النفس بأنها منفصلة بالكامل عن النشاط. وهكذا يصل إلى حالة الحياة في الزهد
المثالي. أما طبقاً للمفهوم الرابع، يتقبل النشاط ذات النوعية الأجود،
الولاء والتكريس، ويرتفع إلى وعي الله، حيث تتحوّل حالة الزهد التي تم
اختبارها في الوعي الكوني على أنه افتراق الذات عن النشاط، إلى الرابط
الحي لتوحيد الذات والنشاط. ويندمج الاثنان في وحدة وعي الله.
"يوغا العمل" تم التعريف عنها في الفصل الثالث. عندما يتقاعد العقل من
حقل النشاط ويصل إلى حالة الوعي الذاتي التجاوزي، ويعود ثانية إلى حقل
النشاط. عندما يعود العقل، يجعل الوعي الذاتي المتغلغل في طبيعته، المطلق
التجاوزي قادراً أن يصبح منسّقاً مع حقل النشاط. إن عملية جلب القدسي إلى
العالم هذه، هي غاية الكارما يوغا. تبلغ النضج في حالة الوعي الكوني وتجد
اكتمالها في وعي الله.
في حالة الوعي الكوني، يتم إدراك الذات بأنها منفصل عن النشاط، وهذا ما
يجعل الزهد حقيقة حيّة من الحياة اليومية، ويجلب بركات الحرية الأبديّة.
هكذا نجد أن السنياسا والكارما يوغا متوازيان. يقول المولى: "لكن يوغا
العمل هي أرقى من الزهد في العمل"، لأن عملية الزهد هي الخسارة بينما عملية
اليوغا، أو الإتحاد، هي الربح؛ والربح هو مقبول للعقل أكثر من الخسارة،
لدرجة أكبر عندما يختبر العقل في عملية الإتحاد تجاذباً متزايداً في كلّ
لحظة. هكذا نرى بوضوح أنّ للانشغال في عملية كسب التوحيد القدسي هي أسهل
للعقل من للانشغال في عملية الزهد في العالم. هذا ما يجعل الكارما يوغا
أرقى من السانياسا. علاوة على ذلك، تسبّب عملية الكارما يوغا حالة الزهد
بشكل تلقائي. عندما يمضي العقل نحو المتجاوز، نحو حالة الإتحاد القدسي،
ينحسر تلقائياً عن العالم، وينتج عن ذلك حالة الزهد بشكل تلقائي. واعتبارها
من وجهة النظر هذه ، تبدو الكارما يوغا بأنه سبب الزهد. إن هذا الأمر بحد
ذاته هو السبب الكافي للمولى ليقول "يوغا العمل هي أرقى من الزهد في العمل"
بالرغم من أنّهما متوازنتان ومتزامنتان، "وتؤديان إلى السمو".
تناقش الآية التالي السنياسي الحقيقي، الإنسان الثابت في حالة الزهد.
الآية
الثالثة
أعرفه إنه دوماً رجل الزهد، من لا يكره
ولا يشتهي؛ متحرّر من ازدواجية الأضداد،
ومتخلّص بسهولة من القيود، يا أيها المسلّح الجبّار
في هذا الآية، يظهر المولى الصفات الأساسية "لرجل الزهد" السنياسي. إنه
متحرر من الرغبة وفي الوقت ذاته لا يرفض شيء؛ يأخذ الحياة بسهولة كما هي،
دون أن تخلق له أي توتّرات. تتدفّق حياته بحرية بالتوافق مع قوانين الطبيعة
المحكومة بالقانون الكوني.
إن مثل هذه الحالة الهانئة للحياة بالحرية هي ممكنة فقط عندما يكون
الإنسان مطمئناً. وتكون الطمأنينة ممكنة فقط عندما يثبت العقل في وعي
الغبطة، حالة المطلق التجاوزي، لأنه في الحقل النسبي لا يوجد هناك سعادة
قوية جداً بحيث يمكنها أن تروي نهائياً عطش العقل للفرح.
بعد أن يكتسب هذه الحالة من الوعي التجاوزي بشكل دائم، يتحرر الإنسان
من العبودية ويعيش الحياة في الحرية الأبديّة للوعي الكوني. في هذه الحالة
يعيش الكينونة الأبدية بأنها منفصلة بالكامل عن حقل النشاط. هذه هي حالة
الانفصال المثالي، أو السانياسا، كما وصفها المولى بأنها الحرية "من
ازدواجية الأضداد". تسود مثل هذه الحرية في الوعي التجاوزي والوعي الكوني
ووعي الله.
إنّ الكلمة "بسهولة" هي من الأهمية بمكان. يتم اكتساب التحرر من
العبودية "بسهولة" وبالارتفاع فوق "ازدواجية الأضداد" إلى حالة الكينونة،
وبالارتفاع إلى حالة السانياسا، تلك الحالة من الافتراق التي توجد بشكل
طبيعي بين الكينونة والنشاط.
يمكن الوصول إلى حالة الحرية من العبودية أمّا من خلال حكمة السانكهيا
أو ممارسة اليوغا، ويظهر ذلك في الآية التالية.
الآية الرابعة
الجهلة وحدهم، وليس الحكماء، هم الذين يتكلمون
عن الاختلاف بين طريق المعرفة (سانكيا)
وطريق العمل (يوغا). إنما من هو ثابت حقاً
بأحدهما يجني ثمار الاثنين معاً
تكشف تعاليم السانكهيا الافتراق الموجود بين الوجهة الخالدة والوجهة
الفانية للحياة، بين الكينونة والنشاط. وتكشف ممارسة اليوغا، في جلبها
للكينونة إلى الاختبار المباشرة، الافتراق أيضاً الموجود بين الكينونة
والنشاط. هكذا تقدّم كل من السانكهيا ويوغا كلاهما إلى الحرية من العبودية.
إنّ العبارة "هو ثابت حقاً" لها أهميتها كي نفهم بشكل حقيقي تعاليم هذه
الآية. لكي يكون "هو ثابت حقاً" في تعاليم السانكهيا أو يوغا، إن فهم
الاثنين واختبارهما له أهمية حيوية. السانكهيا ويوغا هما كافيان بحد ذاتهما
في جلب التحرر. لذلك من غير المهمّ سواء كانت الأهمية الأولى للواحدة أو
الثانية.
"الحكماء" هم الذين ارتفعوا
إلى حالة الحرية. هم لا يرون أي اختلاف بين السانكهيا واليوغا، ليس فقط لأن
الاثنان يقودان إلى الهدف ذاته، لكن أيضاً لأن الميزّة الرئيسية لكليهما
الممارسة ذاتها للتأمل التجاوزي. إنّ الفرق الوحيد هو أنه في طريق الكارما
يوغا يتناوب التأمل التجاوزي مع النشاط في مستوى الحواس وفي طريق السانكهيا
يتناوب التأمل التجاوزي مع النشاط العقلي. لكن ومع هذا الاختلاف الصغير
تعتبر السانكهيا واليوغا متشابهان. لذلك لا ينظر الحكماء إليهما بأنهما
مختلفان.
تقدم هذا الآية والآية القادمة الغاية الكاملة للفصل الخامس، الذي أن
يضع اليوغا والسانكهيا على الموطئ ذاته فيما يخص نتائجهما.
الآية الخامسة
إن الحالة التي يصل إليها أتباع طريق
المعرفة يصل إليها أيضاً أتباع طريق
العمل. ومن يرى أن السانكهيا واليوغا
هما واحد، هو حقاً يرى.
هذا هي الآية التي تعد بالتحرر للطريقين في الحياة، تلك التي يسلكها رب
البيت والتي يسلكه الناسك. إنها تضع أسس الوحدة للسانكهيا واليوغا. إن
التحرر الأبدي هو هدفهما المشترك، ويرى رائي الحقيقة بأنها كذلك.
إنه من الواضح أن طريق السانكهيا لا يطبق في حياة رب البيت، بل طريق
الكارما يوغا هو الذي يطبق. لكن يقول المولى كريشنا هنا بأنّ الاختلاف بين
الطريقين يزول عندما يتم الوصول إلى الهدف. يحتار فقط الفكر غير المتطور في
الاختلافات بينهما. يعتمد الإنسان الحكيم على الواحد أو الآخر ويصل إلى
الهدف. هو لا يضيّع وقته وطاقته في فحص الفوارق.
تظهر الآية بأنّ السانكهيا واليوغا هما مصمّمان لإرضاء أنواع الناس
المختلفة. لكن بقدر ما يتعلق الأمر بهدفهما، فلهما ذات الهدف.
يجد هذا المفهوم للمسألة تبريراً آخرا في لآيات 24 و25، اللتان تصفان
بلوغ التحرر الأبدي من خلال اليوغا والسانكهيا على التوالي، وفي الآية 21،
التي تتكلّم عن نيل السعادة بلا حدود من خلال الطريقين.
علاوة على ذلك، وبدراسة تفاصيل طريق المعرفة وطريق العمل يجد الفرد حتى
أن الطريقين بحد ذاتها هما أساساً ذات الشيء. تجلب العملية الوحيدة للتأمل
التجاوزي الاكتمال إلى الاثنان، لهذا السبب "من يرى السانكهيا واليوغا
أنهما واحد، هو حقاً يرى".
تبدأ الطريقان وتستمران على الأرضية المشتركة للتأمل التجاوزي وكلما
يتقدّمان يعطيان للاختار ذاته للزهد في الوعي الكوني. لكن بعد الوصول إلى
المعلم المشترك في هذا الإدراك المباشر لانفصال الكينونة عن النشاط، لا
يكونا قد حققا هدفهما النهائي. ومن أجل الاكتمال التام يجب أن يتابعا كي
يندمجا في هدف واحد، في الوحدة العظيمة في وعي الله.
يدور الفصل الخمس بشكل رئيسي حول اختبار الزهد المشترك بين الطريقين،
سيعطي الفصل السادس تفاصيل لممارستهما المشتركة للتأمل التجاوزي، كما ستكشف
الفصول من السّابع إلى الثّاني عشر طبيعة هدفهما النهائي - وعي الله -
بالإضافة إلى الطريق إليه. |