|
الآية السادسة
إن الزهد هو حقاً صعب المنال من دون
اليوغا يا أيها المسلح الجبّار.
أما الحكيم المتوحِّد باليوغا فيأتي إلى
البْرَهْمان من دون تأخير طويل
توضح هذه الآية أن حالة الزهد "هو حقاً صعب المنال"، وبأن الانفصال بين
الكينونة والنشاط هو صعب التحقيق، ما لم يثبت العقل بحزم في الكينونة.
هنا لا تعني كلمة يوغا، الكارما يوغا أو ممارسة اكتساب الوعي التجاوزي؛
بل تعني حالة الإتحاد بحد ذاتها، الوعي التجاوزي.
إنّ حالة البْرَهْمان، التي هي امتلاء النسبي والمطلق كليهما معاً، يتم
إدراكها بشكل أفضل على مستوى الإتحاد عندما يكون هذا الاتحاد دائماً، ويكون
الوعي التجاوزي دائماً. تعطي هذه الحالة للوعي الكوني اختبار السانياسا،
الذي هو انفصال الذات عن النشاط؛ ويصبح هنا الانفصال للنسبي والمطلق حقيقة
حيّة.
يشير المولى إلى هذه عملية جعل الإتحاد دائماً في قوله: "بدون تأخير
طويل". هذه لأن حالة الإتحاد، أو الوعي التجاوزي، وكونها ممتلئة بالسعادة
في طبيعتها، فهي مغرية دوماً للعقل. يصل العقل إليها مسحوباً بطبيعته
الخاصة، التي تريد دائماً أن تتمتّع أكثر. هكذا يصبح نيل الإتحاد سهلاً ومن
دون مقاومة.
تحتاج العملية الطبيعية لكسب هذه الحالة فقط في أن تكون متناوبة
بالنشاط الطبيعي للحياة اليومية وجعلها دائمة. هكذا يكون واضحاً أنّ
العملية الكاملة هي عملية طبيعية، لهذا السبب لا تأخذ الوقت الطويل.
يكون الإنسان الذي حقق الوعي الكوني ثابتاً دوماً في الذات، حتى بينما
يكون منشغلاً في النشاط. هذه الحالة من الوعي هي الحالة الناضجة للسانياسا،
إنها حالة غير التعلق الكامل للذات عن النشاط، حتى في استمرار النشاط في
الحقل النسبي للحياة. إن مثل هذه الحالة من غير التعلق الكامل ليست ممكناً
ما لم يكن العقل ثابتاً في الطمأنينة الأبديّة. تجلب الممارسة الثابتة لكسب
اليوغا، أو الإتحاد بالوعي القدسي، العقل إلى الحالة التي تعطي الطمأنينة
الأبديّة، بالتالي تثبت الحالة الطبيعية للسانياسا أو الزهد.
بالنمو نحو الوعي الكوني، تنمو الطمأنينة، وبنمو الطمأنينة الداخلية،
يزيد إدراك الانفصال بين الكينونة والنشاط إلى أن يصبح العقل منغرساً في
طبيعة الكينونة. ويكون بذلك قد حقق الوعي الكوني. وبإظهار الصعوبة في تحقيق
الزهد من دون اليوغا، يشير المولى إلى بساطة الارتفاع إلى الحالة حيث ستصبح
فيها اليوغا والسانياسا عادة يومية في الحياة.
تغنّي هذه الآية مجد الوحدة. إنها أساس الزهد الحقيقي وتسبّب حالة
البْرَهْمان في حياة الإنسان اليومية.
تظهر الآية القادمة كيف يرتفع الإنسان، بواسطة هذا الإتحاد، فوق
التأثير الملزم للعمل ويعيش حياة الحرية الأبديّة.
الآية السابعة
مصمم على اليوغا، نقي الروح،
من تحكّم كلياً بذاته وتغلب على حواسه،
ومن أضحت ذاته ذات كل الكائنات،
هو غير متورط حتى حينما يعمل
هنا، كما في الآية السابقة، لا تعني كلمة يوغا الكارما يوغا أو ممارسة
التجاوز؛ بل هي مستعملة بمعنى وحدة العقل مع الكينونة.
"مصمم على اليوغا": إن من لا يكون أبداً خارج الذات، سواء كان في حالة يقظة
أو حالة الحلم أو في حالة النوم العميق. إن مثل هذا الإنسان هو ثابت في
نفسه، ولا تكون الاختبار النسبية قادرة على حجب منزلته في الكينونة
المطلقة.
"نقي الروح": إن من وصل إلى حالة الكينونة، الوعي المطلق، التي ذاتها أبداً
في نقاوتها الأبديّة، ومن ثبت هذه الحالة في الطبيعة الحقيقية لعقله. إن
العمل هو الحجاب الذي يخفي هذه الطبيعة الأساسية للذات. أما التأمل فهو
عملية الغوص في كلّ المستويات المرهفة للنشاط؛ عندما يتم تجاوز المستوى
المرهف، يكسب العقل حالة صافية للكينونة. عندما يكون العقل كذلك ويخرج إلى
حقل النشاط، عندئذ يقال بأن الذات قد أشرقت بنقاوتها. وعندما يتحقق التكامل
التام بين الذات والعقل، من خلال الممارسة الثابتة، لا يمكن للمنزلة
الصافية للكينونة المكتسبة بواسطة العقل وفي أية حال أن تُحجب، حتى ولو كان
العقل منشغلاً بالنشاط في الحقل النسبي. هذه هي حالة الوعي الكوني، حيث
تكون الذات قد فصلت ذاتها بالكامل عن حقل النشاط. في هذه الحالة، حيث
تتعايش الكينونة المطلقة مع العالم النسبي للنشاط بشكل متزامن، يقال بأن
الذات قد تحررت من كلّ لطخ بشكل دائم؛ وقد حققت النقاوة المطلقة.
"من تحكّم كلياً بذاته". الذات لها دلالتين: الذات الأدنى والذات الأعلى.
إنّ الذات الأدنى هي تلك الوجهة الشخصية التي تتعامل فقط بالوجهة النسبية
للوجود. إنها تشمل العقل الذي يفكّر، والفكر الذي يقرّر، والأنا التي
تختبر. يعمل هذه الذات الأدنى فقط في الحالات النسبية من الوجود – اليقظة
والحلم والنوم العميق. وببقائها دوماً ضمن حقل النسبية، فهو ليس لها الفرصة
في اختبار الحرية الحقيقية للكينونة المطلقة. لهذا السبب هي في مجال
العبودية. أما الذات الأعلى فهي تلك الوجهة من الشخصية التي لا تتغير
أبداً، الكينونة المطلقة، الذي الأساس الحقيقي لحقل النسبية الكامل، بما في
ذلك الذات الأدنى.
إن إنسان الذي يريد التحكم بذاته يجب أن يتحكم بالذات الأدنى أولاً وبعد
ذلك الذات الأعلى. إن التحكم بالذات الأدنى يعني أخذ العقل (العقل والفكر
والأنا) من الحقول السطحية للوجود إلى الحقول المرهفة، حتى يتم تجاوز
الحقل المرهف للوجود النسبي ويتم الوصول إلى الكينونة التجاوزية المطلقة
وغير الظاهرة في الوعي القدسي. هذا ما ينزع الذات الأدنى من قيود فرديتها،
في الزمان والمكان والسببية، ويحرّرها في حالة الوجود الكوني.
عندما يتم التحكم بالذات الأدنى بهذه الطريقة من قبل الذات الأعلى ويتم
القبول بها من الذات الأعلى قبولاً كاملاً، يصبح الاثنين واحد. وبعد ذلك
تتطوّر الحالة التي فيها تتواجد كل واحدة بشكل حميم ضمن نطاق الأخرى
وبالتماسك الكامل للوجود. عندما يتواجد الوعي القدسي للكينونة المطلقة
التجاوزية في تعايشٍ مع العقل في الوجود النسبي، وفي حقل الزمان والمكان
والسببية، يكون عندئذ التحكم بالذات الأعلى تامّاً. ويكون المطلق، وإذا جاز
التعبير، وكأنه جلب إلى الخارج من الحقل التجاوزي للوجود من أجل خدمة ودعم
حقل النسبية. ويكون الذي لا يتغير أبداً قد تم جلبه إلى حياة الذي يتغير
دوماً. وتكون الحالات النسبية من الوجود - اليقظة والحلم والنوم – متغلغلة
بالحالة المطلقة للكينونة. وتصبح الحرية الأبديّة متغلغلة في حقل العبودية.
كما يتم العيش مع وحدة الطبيعة القدسية في تعدّد الخليقة المتنوّع. هذا ما
يجعل الإنسان قادراً على العيش بحياة الحرية الأبديّة في عالم الوجود
الزائل. هكذا يكون المتحكم الذات، يتمتّع بالحقل الكامل للنسبية، ويعيش
حياة الكينونة المطلقة في الوعي القدسي.
إنه لأمر ممتع في اكتشاف كيفية نجاح عملية التأمل التجاوزي في التحكم بكل
من الذات الأدنى والذات الأعلى. يأخذ التوجه الداخلي للتأمل الفرد إلى
الحالة التي فيها يستسلم العقل المتحرر من الفردية، إلى الذات الأعلى. هذا
هو التحكم بالذات الأدنى. أما في التوجه الخارجي للتأمل فيخرج العقل
متغلغلاً بالكينونة. ونتيجة للممارسة الثابتة، يعيش العقل بالكينونة
المطلقة في كلّ حقول الحياة النسبية. هذا هو التحكم بالذات الأعلى.
هكذا التحكم بلذات الأدنى للذات الأعلى يتم تحقيقه بواسطة التوجه الداخلي
والخارجي للتقنية الوحيدة للتأمل التجاوزي.
"تغلب على حواسه": تحكم بها. في واقع الحال، تقع الحواس دائماً تحت إمرة
العقل. كلّ شخص يعرف بأنّ العيون سترى فقط إذا رغب الإنسان أن يرى. وإذا لم
يرغب بالرؤية، فهو سوف لن يقوم بذلك حتى ولو كانت عيناه مفتوحتان. لذلك إن
الانتصار على الحواس يبدو بأن ليس له أي معنى واضح. إنّ المعنى الداخلي
لهذا التعبير هو بأنّه، عندما تبدأ الكينونة أولاً في التغلغل في طبيعة
العقل، يصبح العقل كما ولو أنّه ثمل بشعور الاكتفاء الذاتي. وعندما يتصرف
العقل في هذه الحالة من خلال الحواس، فهو يتصرّف بطريقة هانئة جداً، التي
قد يعتقد أنها قريبة إلى اللامبالاة.
في الحالة التنوير المتقدمة أكثر ينقص هذا الإحساس الغريب للامبالاة، ويصبح
سلوك العقل طبيعياً أكثر. ويصبح النشاط في المجال الخارجي للحياة منسّقاً
مع الحالة الطبيعية للصمت الداخلي. وتتم متابعة النشاط نتيجة للتنسيق بين
العقل وأعضاء العمل. في الوقت ذاته، ونتيجة للتنسيق بين العقل وحواس
الإدراك، تصبح الحواس قادرة على تسجيل الاختبار. ومع تغلغل الكينونة في
العقل، لا تسجّل حواس الإدراك الانطباعات العميقة من الاختبارات، حتى ولو
كانت منشغلة في عملية الاختبار. إنّ الانطباعات التي يتلقاها هي كافي فقط
لتمكينها على الاختبار، لكنها ليست عميقة بما فيه الكفاية لتكوين بذرة
الرغبات المستقبلية. هذا ما يحدث أكثر فأكثر وبشكل فعّال عندما يصبح العقل
أكثر ثباتاً في الكينونة. هكذا إذاً هي الميكانيكية الداخلية لتحكم
بالحواس.
إن الغزو الحقيقي هو حينما يتوقّف العدو عن أن يكون عدواً؛ ويًترك حرّاً
للقيام بما يشاء، لكن لا يكون في وضع للمهاجمة أو للقيام بأية إساءة. إنّ
غزو الحواس يتحقق بشكل كامل من خلال التحكم بالذات الأعلى التي تترك الحواس
حرّة تعمل، وعلى الرغم من كلّ اختبارات الحقل النسبي، تكون الحياة ثابتة
بحزم في الحرية الأبديّة للوعي القدسي.
عندما يتم اختبار الذات الأعلى بأنها منفصل عن الحواس ونشاطهم، في حالة
الوعي الكوني، يرى الإنسان في داخل ذاته الحالة غير المحدودة للكينونة من
جهة ويرى التدخّل في عالم الأشكال والظواهر من جهة أخرى. فهو يرى كلّ
الكائنات الحية وكأنها مدعومة من قبل تلك الكينونة التي هي ذاته الخاصة.
هكذا يختبر ذاته بشكل طبيعي بأنها "ذات كل الكائنات"، وفي هذه الحالة
يكون"غير متورط حتى حينما يعمل".
يمكن فهم عدم التورط هذا من وجهة نظر أخرى أيضاً. يختفي نور المصباح في نور
الشمس. ومجد نقطة الماء ليس لها أي تأثير في عظمة البحر. وبهجة العمل لن
تترك أي انطباع دائم على غبطة الوعي الكوني. لذلك عندما يثبت الإنسان في
هذه الحالة، يتمتّع بشكل طبيعي بالامتلاء العظيم للكينونة حيث لا يشعر
أبداً بأنّه ينفذ منه. بالنسبة له لا يتضمّن العمل الخروج من الذات؛ ولن
يكون هناك حقاً، أيّ فرصة لذلك أبداً. لهذا السبب يقول المولى "هو غير
متورطاً حتى حينما يعمل". إنه مضمون بحزم في الوجود الكوني الذي هو من دون
نشاط، بالرغم من أنه الأساس الحقيقي لكلّ عمل. بالنسبة له وكأن كل شيء ينجز
من تلقاء ذاته. هذه الحالة تتم وصفها بشكل أوضح في الآيتين القادمة.
الآية الثامنة والآية التاسعة
إن من هو متوحّد مع القدسي،
ومن يعرف الحقيقة يقول
"أنـا لا أعمل أبداً". ورغم انشغاله
في النظر والسمع اللمس والشمّ
والأكل والمشي والنوم والتنفس والتكلّم
والتساهل والتمسك
وحتى في فتح
وإغماض العنين، فهو يعلم ببساطة
أن الحواس تعمل بين مدركات الحواس.
"إن من هو متوحّد مع القدسي": إنّ الطبيعة القدسية هي منفصلة بالكامل عن
حقل النشاط. عندما يتم إدراك ذلك، يتم اختبار الذات بأنها مستقلة من
النشاط. بذلك تصبح تعاليم هذه الآية حقيقة حيّة من الحياة اليومية.
"من يعرف الحقيقة" هو الذي يعرف بأنّ الحياة لها وجهتين النسبية والمطلقة،
وبأنّ حقل الحياة النسبية محكوم بالغونات الثلاثة. يعرف من خلال الفهم
والاختبار بأنّ الذات منفصلة عن حقل النشاط.
تخلق هذه المعرفة الأساسية عن الذات وطبيعة النشاط حالة في العقل يكون فيها
الإنسان المدرك ثابتاً بشكل آلي في حقيقة التعبير القائل: "أنـا لا أعمل
أبداً". إنه ليس متمسّكاً بهذه الفكرة على نحو زائف لكن البنية الحقيقية
لعقله ترتكز على عدم التعلق الطبيعي هذا. إنه يعيش هذه الحالة. بالنسبة له
إن عدم التعلق هو حقيقة حيّة في الحياة اليومية. يتصرّف ويختبر ويستعمل
حواسه، لكن وفي داخل ذاته هو ثابت في الكينونة. يعيش امتلاء الكينونة في
حين يكون منشغل بالكامل في حقل الحواس. يعيش على نحو مضاعف: يكون استقرار
الكينونة التي لا تتغير الجوهر الداخلي من حياته، وعلى السطح الخارجي يوجد
النشاط على المستوى الحسّي – انشغال الحواس في اختبار مدركاتها هذا ما
يعنيه المولى عندما يقول: "أن الحواس تعمل بين مدركات الحواس".
تطوّر هذه الآيتين الفكرة التي أفصح عنها في الآية السابقة. عندما يتم
اكتساب الوعي الكوني، من خلال ممارسة التأمل التجاوزي، وتوسّع الأنا
الفردية إلى المنزلة الكونية، يعمل العقل تلقائياً من مستوى إمكانياته
الكاملة وتعمل الحواس، بعد أن وصلت إلى تطوّرها الأقصى، بقدرتها الأعلى.
تبقى مدركات الحواس، على كل حال، في حالتها من دون تغيير. لهذا السبب تختبر
الحواس التي تعمل من مستواها المرتفع، مدركاتها بشكل تام، ما يؤدّي إلى
إدراك أكبر للمدركات وبالتالي يعطي اختبار السعادة الأكبر على المستوى
الحسّي. هذا ما يخلق الحالة التي فيها يتم التمتّع بمدركات الحواس بشكل
شامل أكثر من ذي قبل، لكن وبما أن الكينونة هي مترسبة أكثر وبالكامل في
الطبيعة الحقيقية للعقل، تخفق انطباعات الاختبار الحسّية في القبض على
العقل. هكذا يبقى الإنسان المتنور بشكل طبيعي في الحالة التي تواصل الحواس
فيها اختبار مدركاتها في حين يبقى هو حرّاً.
إن هذا هو مجرّد بيان للمقارنة؛ إنه لا يشير ضمناً بأية حال، إلى أنّ مثل
هذا الإنسان يصبح عاجزاً عن الاختبار. إنه يعني فقط بأنّ، في حين كان
اختبار العالم قبل التنوير يحجب الكينونة، يشرق الآن كينونته من خلال كلّ
الاختبارات. قبل التنوير، وإذا نظر إلى زهرة، تغمر الزهرة العقل بالكامل
بحيث تبقى الزهرة فقط ويضيع صاحب الاختبار في اختباره. وتكون الذات وكأنها
أبيدت بالموضوع.
إن الحياة التي تسود فيها المدركات، حيث توجد المادة وحدها و تكون قيم
الروح أو النفس محجوبة، تدعى الحياة المادية. بعد التنوير، ما تزال الزهرة
مرئية، لكن اختبار الزهرة لا يحجب الكينونة، لأنه قد تم إدراك الكينونة
منفصلة عن حقل النشاط، وهكذا يتم الحفاظ على الذات والموضوع بشكل منفصل؛
إنهما، على سبيل المثال، يحييان في امتلائهما. تخفق الزهرة في حجب الكينونة
وفي الوقت ذاته لا يخفت نور الكينونة صلاحية الزهرة. في نور الكينونة، يتم
إدراك الزهرة بشكل لانهائي، وهذا ما يجلب التكامل للروح والمادة. هذا هو
مجد التأمل التجاوزي: إنه يجلب التنوير الذي يكمّل كلّ القيم المادية
للحياة مع القدسّي.
الآية العاشرة
إن من يعمل مقدّماً كل أعماله إلى
الكينونة الكونية، مبتعداً عن التعلّق،
لا تلامسه أي خطيئة، كما لا تلامس
ورقة زهرة اللوتس بالماء
"الكينونة الكونية": البْرَهْمان الحقيقة النهائية، المطلق والنسبي سوية في
الوقت ذاته.
يقود التوجه الداخلي للتأمل العقل إلى الوعي الذاتي ويجعل حالة الوعي
الذاتي، الكينونة، متغلغلة في طبيعة العقل. ويجلب التوجه الخارجي للتأمل
مثل هذه العقل إلى حقل العمل، حيث يتصرّف مع درجة معينة من الكينونة. هذه
الممارسة من التأمل والنشاط الذي يليها - التأمل في الصباح والمساء والنشاط
في أثناء اليوم - يطوّران الحالة التي تصبح فيها طبيعة العقل متحوّلة إلى
حالة الكينونة، بينما تكون القدرة على التصرّف في كلّ حقول الحياة العملية
محافظاً عليها بالكامل. فقط عندما يتصرف العقل الثابت في الذات، من حالة
الكينونة الكونية، من الممكن أن يصرّف "مقدّماً كل أعماله إلى الكينونة
الكونية"؛ في تلك الحالة يكسب الرد الوعي الكوني، الذي هو مستوى الكينونة
الكونية.
لا تعني هذه الكلمات بأنّ الإنسان يجب أن يعمل بينما يحفظ في عقله فكرة
الكينونة الكونية. لا تعلّم هذه الآية تخيل الاستسلام بشكل فكري إلى
الكينونة الكونية، أو الاعتزاز بالفكرة عنه، أو تصنع مزاج عن القدسيّ، أو
تذكّر الله خلال عمل. إنها لا تعلّم بأن أيّ من هذه المحاولات على مستوى
العقل أو الفكر يمكنها أن تقود الإنسان إلى حالة بريئة من الخطأ. تقدم كلّ
الأعمال على طبيعتها إلى الكينونة القدسيّة ويترك كل تعلق بشكل طبيعي عندما
يرتفع العقل، خلال ممارسة التأمل التجاوزي، إلى مستوى الوعي القدسي ويحافظ
عليه بشكل دائم. عندما تفصل الذات ذاتها بالكامل من النشاط، عندئذ يتم خلق
الحالة التي يصبح فيها تأليف العمل متحول تلقائياً إلى الكينونة الكونية.
"لا تلامسه أي خطيئة" تعني أنه متحرر من أيّ خطأ؛ والحياة التي هي غير
مؤذية بالكامل، تكون متوافقة مع قوانين الطبيعة. يتم اكتساب هذه الحالة في
الوعي الكوني، الذي فيه تكون الذات منفصلة بالكامل عن النشاط. إنها في هذه
الحالة التي فيها تكون الأعمال المدفوعة بقوّة الطبيعة، مسؤولة عن كلّ
الخليقة والتطور. لهذا السبب تنتج جميعها التأثيرات المساندة للحياة ولا
يكون هناك من إمكانية للخطأ. |