اضغط هنا للعودة إلى الصفحة الرئيسية للموقع الفصل الخامس 16 إلى 20
 

  موقع الإشراق الشبكة العالمية

Home المدخل
Up فوق
الفصل الخامس 1 إلى 5
الفصل الخامس 6 إلى 10
الفصل الخامس 11 إلى 15
الفصل الخامس 16 إلى 20
الفصل الخامس 21 إلى 25
الفصل الخامس 26 إلى 29

الآية السادسة عشر 

ولكن في داخل أولئك الذين فيهم يتلاشى
ذلك الجهل بنور الحكمة، مثل الشمس تنير
الحكمة فيهم ذلك الذي هو الأسمى التجاوزي
 

"الجهل": حول الانفصال للأوجه الداخلية والخارجية للحياة، حول الكينونة كونها غير متورطة بالنشاط، حول الطبيعة الحقيقية "للأنا" والعالم، حول الأوجه الدائمة والمتغيّرة باستمرار للحياة، حول طبيعة الحرية والعبودية.

"ذلك الجهل": إن استعمال كلمة "ذلك" وليس "هذا" لكي يوضح الفكرة بأن الجهل هو بعيد عن الذات. في طبيعته إنه غريب عن الذات.

في تصوير الحكمة كمدمرة للجهل، تظهر هذه الآية بأنّ دمار الجهل وتنور الكينونة المتجاوزة بالحكمة يحدثان سوية. تزيل الشمس الظلام وتنشر النور في الوقت ذاته. هذا ما يشير بأنّه عندما يتحطّم جهل بالحكمة، لا يكون هناك حاجة لشيء أكثر للقيام به من أجل إدراك المتجاوز. إنه كلي الوجود، يحجب فقط بواسطة الجهل، وعندما يتحطّم هذا الحجاب بالمعرفة، يشرق ببهاء بنوره الخاص. لهذا السبب تنسب الحكمة إلى طبيعة المطلق، الكينونة المتجاوزة – الحكمة هي المطلق؛ وكما يرد في الأوبانيشاد: "براغيانام براهما".

توضح هذه الآية بأنّ الجهل يتحطّم باكتساب المعرفة، وليس بأن المعرفة تكتسب بتحطيم الجهل. لذلك لا يحاول الباحث الخروج من الجهل؛ بل يجب عليه أن يحاول كسب المعرفة من خلال الاختبار المباشرة.

قد يكون مفيداً للذكر هنا تلك الحياة، التي تعتبر بأنها واحدة بسبب الجهل، وتتفتت بتحليل السانكهيا إلى مكوّنين مختلفين، المتغير وغير المتغير. يتم إدراكهما بأنهما حقلان مختلفان للحياة بالاختبار المباشرة من خلال اليوغا. يكون المفهوم المكتسب من السانكهيا مؤكداً باليوغا: عندما يبدأ الفرد، في الوعي الكوني، بعيش الحياة في الحالة التي تبقى فيها الذات غير متورطة بالنشاط، عندئذ تصبح حقيقة تعاليم السانكهيا هامّة في الحياة العملية. هذا ما يمكّن الإنسان للعيش مدركاً بأن مرحلتي الحياة، النسبي والمطلق، هم منفصلان أحدهما عن الآخر، وبأنه حتى في الحقل النسبي، ترتفع كل من الخطيئة والفضيلة، اللتان تؤدّيان إلى المعاناة والفرح، من تعلق الذات إلى النشاط، والذي بدوره ينشأ عن قلة المعرفة.

 

الآية السابعة عشر 

فكرهم منغمس في ذلك، كيانهم
متثبّت في ذلك، وهدفهم إلى ذلك،
مكرّسون كلياً إلى ذلك، مطهّرون
بالحكمة من كل نجس، يبلغون
الحالة التي منها لا رجوع
 

توحّد هذه الآية اليوغا والسانكهيا في هدفهما المشترك من النقاوة المطلقة والتحرر الأبدي. إنها تدعم حقيقة الآيتان 4 و5، اللتان تعلنان موضوع هذا الفصل.

إنّ كلمة "فكرهم" وكلمة "كيانهم" هما من الأهمية بمكان، وكذلك التسلسل في استعمالهما. إنها تعلّم بأم من له الفكر المنغمس في ذلك. يصبح أيضاً كيانه بالكامل "مثبت في ذلك". وعلاوة على ذلك، عندما يصبح الفكر في أثناء التأمل، "منغمساً في ذلك"، وبخروجه من المتجاوز يبقى "هدفه إلى ذلك". عندما يصبح الفكر "مستهدفاً لذلك" يصبح كيان الفرد "مكرس كلياً إلى ذلك".

لقد تم اختيار كلمة "كيان" هنا ليترجم الكلمة السنسيكريتية "آتمان"، التي تستعمل بشكل مختلف بمعنى الذات والفكر والعقل والنفس والجسم. لذلك يصبح التعبير "كيانهم" "مكرّس كلياً إلى ذلك" الذي يعني بأن العقل والنفس والجسم تصبح كلها موجّه نحو "ذلك".

يظهر المولى بأنّه ما لم يكن الفكر وكيان الفرد بالكامل ثابت في الحقيقة التجاوزية، فلن يكون صافياً؛ يبقى في عالم الوجود المؤقت، غير متصل بحالة الحرية الأبديّة التي منها "لا رجوع". ما لم تكون المرحلة المطلقة التجاوزية للحياة مدركة، يبقى مجال المرحلة الفردية للحياة تافه ولن تكتمل غايته؛ تستمرّ العبودية ولن تجد دورة الولادة والموت نهاية لها.

توضح هذه الآية بأنّ نقاوة الحياة، التي هي أساس كلّ النجاح في العالم وفي الوقت ذاته هي أساس الحرية الأبديّة، يتم اكتسابها بالحكمة - إدراك المتجاوز. وتصرح الآية أيضاً بالمبدأ القائل، ما لم يثبّت الإنسان هذه الحالة المطلقة للنقاوة في حياته بالارتفاع إلى حالة الوعي الكوني، قد يكون هناك إمكانية دائمة للنزول إلى مستوى أدنى من الحياة. هذا ما يعني أنّه طالما لم يصبح الوعي التجاوزي دائماً، لا يستمرّ تأثير التأمل الصباحي بكثافته الكاملة على مدار اليوم. مع مرور ساعات اليوم، تنخفض كثافة التأثير، وبذلك ينخفض مستوى النقاوة في الحياة، لحين يسترجعه التأمل المسائي.

"كن من دون الغونات الثلاثة" كما شرحها المولى في الآية الخامس والأربعون للفصل الثاني، هي المفتاح إلى إدراك تعاليم هذا الآية في الحياة اليومية.

تجد الحياة هدفها في حالة الحرية الأبديّة للمتجاوز، المشار إليه هنا بكلمة "ذلك"؛ المعرفة بذاتها. إن الاستعمال كلمة "ذلك" يوضح بأنّ هدف الحياة لا يكمن في مجال الوجود الظاهري؛ بل يقع ورائه. إن الحياة الحقيقية ليست هذه التي يشار إليها عموماً باسم الحياة؛ خلف هذه هي تلك الحقيقة للحياة. هذه هي تعاليم الحياة من وجهة نظر الزهد.

تصرح كتب الأوبانيشاد: "تات تفام آسي" – "ذلك هو أنت"، ويشير ضمناً إلى أنّ هذه المرحلة الواضحة للوجود الظاهري، التي تعتبرها بأنها ذاتك، هي ليست طبيعتك الحقيقية - أنت، في الحقيقة، تلك الحقيقة المتجاوزة.

"مطهّرون بالحكمة من كل نجس": تشير إلى الآيات 35 إلى 38 من الفصل الرّابعة.

"الحالة  التي منها لا رجوع": طالما لم تتضمن الذات في خلود الحياة، وطالما لم يكسب العقل النقاوة المطلقة بشكل دائم في الوعي التجاوزي، تبقى الحياة ضمن الحقل النسبي للوجود. في هذه الحالة، تستمرّ دورة الولادة والموت في داخل الطبقات المختلفة لتطور الحياة. عندما يكسب الفرد الوعي الكوني، تتخطى الحياة مجال الولادة والموت. ولكونها أبدية فهي ثابتة؛ ولا تستطيع تناول التغيير. يجب أن نلاحظ بوضوح أنّ هذه الحالة يمكن أن تخلق فقط أثناء حياة الإنسان على الأرض. إنها مثل الإنسان الذي ارتفع إلى "الحالة التي منها لا رجوع". والطريق إليه يتضمن في المبدأ الشروح الآية الخامس والأربعون للفصل الثّاني.

إنّ الآية التالية تتعلق أيضاً بتجاوز تنويع الشكل في الخليقة، وهي تعطي التصوّر عن وحدانية الحياة في كل مكان. وتتابع في تعاليم الزهد في هذا لإيجاد ذلك.

 

الآية الثامنة عشر 

إلى البْرَهْماني المكرِّس حياته في تعلّم
المعرفة والتواضع، وإلى البقرة والفيل
والكلب وحتى إلى المنبوذ الذي أضاع
دوره في الحياة، ينظر المتنور بعين المساواة 

تعطي هذه الآية المعيار للرؤية في حالة التنوير. أولئك الذين أدركوا حقيقة الحياة "ينظرون بعين المساواة" الوحدانية خلال كلّ تنويع الاختبار.

"البْرَهْماني": هو إنسان مولود في عائلة براهمانية، الذين يكرّسون حياتهم إلى دراسة الفيدا والتعلّم الروحي. وفي استعمال هذه الكلمة ربطاً مع البقرة والفيل والكلب يشير بأنّ المولى يريد التأكيد بأن كينونة الإنسان المتطوّر وكينونة الحيوانات هي ذاتها؛ وبثباته في وحدانية الكينونة، وبعد أن أدرك أحادية المتجاوز التي هي خلف كلّ التنويع، يكسب مساواة الرؤية.

"التعلّم والتواضع": تجلب الحكمة تواضعاً. كما يرى الإنسان الحكيم التمايزات والاختلافات في الخليقة بأنها مؤقتة فقط، بحقيقة نهائية واحدة تقع في خلفيتها، لذلك هو لا يصرّ بأنّ الأشياء يجب أن تحدث في أيّ طريق معيّن. يأخذ الأشياء بخفية، لأنه يعرف بأنّها جميعها لها نهاياتها المشتركة. هذه النوعية الطبيعية للكينونة في الحكماء تفسّر بأنها تواضع. في الحقيقة، التواضع هو معيار الحكمة، يظهر كذلك، نتيجة للإحساس المتزايد بوحدانية الحياة، الأحادية الأساسية لكلّ الكائنات.

يفهم التواضع عموما بأنه الاعتراف الصريح لمحدودات الفرد الشخصية، وجهله وتفاهته؛ لكن التواضع الحقيقي يكمن في صفة الكينونة وليس في أيّ موقف العقل.

يكون عقل الإنسان المدرك متغلغلاً بالكامل بحالة الكينونة - وحدانية الحياة - ومثل هذه العقل له بشكل طبيعي،  وحدانية في الرؤية بصرف النّظر عن ما يرى. تخفق التمايزات الظاهرة في الوجود النسبي في خلق التقسيم في نظرتها.

هذا لا يعني بأنّ مثل هذا الإنسان يخفق في رؤية البقرة أو أنه غير قادر على تمييزها عن الكلب. بالتأكيد هو يرى البقرة بقرةً والكلب كلباً، لكن شكل البقرة وشكل الكلب يخفقان في إعمائه عن وحدانية الذات، التي هي ذاتها في كليهما. بالرغم من أنّه يرى البقرة والكلب، تكون ذاته ثابتة في كينونة البقرة وكينونة الكلب، التي هي كينونته الخاصة. يشدّد المولى بأنّ الإنسان المتنور، وبينما هو ينظر وتصرّف في الخليقة المتنوعة بشموليتها، لا يفقد وأحاديته الصامدة للحياة، التي بها يكون عقله مشبعاً والتي تبقى متغلغلة بثبات في نظرته.

"البْرَهْماني المكرِّس حياته في تعلّم المعرفة والتواضع": تمثل هذه العبارة كلّ ما هو متحكم به بتأثير الساتفا. "البقرة" تمثّل ما هو متحكم به بالتأثير المختلط للرجس والساتفا. "الكلب" يمثّل ما هو متحكم به من قبل الرجس والطمس. الفيل" يمثّل ما هو متحكم به بتأثير الطمس. "المنبوذ الذي أضاع دوره في الحياة" يمثّل المستوى الأدنى في الحياة البشرية، الإنسان الذي يعيش في الجهل الكامل، والذي فقد طريق تطوره. إنّ المعنى من ذلك هو أن الفرد الذي أدرك الذات بأنها منفصلة عن حقل الوجود النسبي هو صامد في ذاته وغير متأثّر أبداً بتأثير الساتفا أو الرجس أو الطمس والميول التي تنشأ عنها. إنه ينظر بعين المساواة في كل مكان.

تظهر الآية التالية الأهمية الأساسية لمثل هذه الوحدانية في الرؤية.

 

الآية التاسعة عشر 

حتى هنا، في هذه الحياة، يخضع الكون
إلى أولئك الذين عقلهم في التساوي.
بدون أي نقصان، حقاً، والموجودٌ
بالتساوي في كل مكان هو البْرَهْمان.
لذلك إنهم ثابتون في البْرَهْمان
 

عندما يرتفع العقل، خلال ممارسة التأمل التجاوزي، إلى حالة الوعي الكوني، الكينونة المطلقة، تصبح ثابتةً بشكل دائم في طبيعة العقل، وتبلغ حالة البْرَهْمان، الكينونة الكونية. عندئذ يجد العقل ذاته على مستوى الحياة الذي منه يمكن لكلّ المستويات السطحية والمرهفة للخليقة أن تحفّز والتحكم بها وإعطائها الأوامر. إنه مثل البستاني الذي يعرف كيف يعمل على مستوى النسغ ويمكنه أن يؤثّر على الشجرة بالكامل بالطريقة التي يرغب. إن الشخص الملم بالمستوى الذرّي أو الجزئيات الذرّية للغرض، وبعمله على ذلك المستوى يمكنه أن يحدث بسهولة التغيير المرغوب في أيّ طبقة من وجود الغرض. هذا ما يعني المولى بقوله: "حتى هنا، في هذه الحياة، يخضع الكون إلى أولئك الذين عقلهم في التساوي"، في الصفاء والهدوء، التي هي المستوى النهائي للحياة.

تكشف هذه الآية منزلة الفكر الثابت، ويتم وصفه هنا بأنه الحالة التي فيها "يخضع الكون". وتكون الطمأنينة والقوّة والحكمة والقدرة لدعم كلّ الأشياء الصفات الواضحة للمخضع للعالم. إن هذه الصفات والمزيد من مثيلاتها، موجودة في طبيعة الإنسان الذي، بينما يعيش في العالم، يكسب التساوي في العقل. تلك الحالة المستقرّة للمساواة في العقل في الوحدانية الأبديّة للحقيقة تعود إلى حقل الوعي الصافي، أو الكينونة الكلية الوجود، التي هي المصدر ذاته لطاقة الحياة، وخزان الحكمة الأبديّة، وأصل كلّ القوّة في الطبيعة والمنبع الرئيسي لكلّ نجاح في العالم.

طالما لم يرتفع العقل بشكل دائم إلى حالة الكينونة ولم يدرك حقل النشاط بأنه منفصل عن ذاته، سيستمرّ طويل جداً في تورطه في النشاط. في الحقيقة، إنه مثل العبد للنشاط، ومثل العبد للكون. لكن عندما يكسب العقل استقراراً في الكينونة ويكسب الحالة الطبيعية للتساوي، عندئذ يجد بأن الكون نهمنفصلاً عنه، ويستجيب له بشكل تلقائي، مثل الخادم، لكلّ حاجة يطلبها. هذه حالة لانفصال الكينونة عن النشاط، التي هي أساس التساوي والرصانة للعقل، يتم اكتسابها من خلال اليوغا والسانكهيا. 

 

الآية العشرون

من لا يبتهج كثيراً في الحصول على ما هو عزيزٌ عليه،
 ولا يحزن كثيراً في الحصول على ما هو مؤلم له،
من تثبّت فكره، ومن هو متحرّر من الضلال،
هو الذي يعرف بْرَهْمان ومتثبّت ببْرَهْمان
 

تصف هذا الآية طبيعة عقل الإنسان المتنور. إنه يؤيّد الحقيقة الكاملة، النسبي والمطلق سوية. إن مثل هذا الإنسان له بالتأكيد ما يرغب وما لا يرغب، وله بهجته الخاصة وحزنه الخاص في الحقل النسبي، لكنّها لا تخرجه من ذاته؛ إن هذا المعنى هو واضح في الكلمات "كثيراً"، لتصف "يبتهج" و"كثيراً"، لتصف "يحزن". إنها تظهر بأنّ الإنسان المدرك، وبالرغم من أنّه ثابت في الوعي القدسي، تبقي أقدامه على الأرض. وببقائه على المستوى البشري، يكون قدسي.

عندما ينغمس العقل بعمق في وعي الغبطة للذات، يبقى بشكل طبيعي غير متأثّر بالتعلق أو الكره الموجود في مدركات الحواس. هذا هو السبب الذي منه لا 'يبتهج' الإنسان المتنور ولا 'يحزن'. إنه اختبار مشترك حتى في الحياة الدنيوية وعندما يكون العقل منغمساً بعمق في شيء واحد، يخفق في تسجيل اختبارات الأمور الأخرى بعمق. إذا انشغل العقل بالكامل بفكرة اللحاق بالطائرة في الوقت المناسب، لا تستطيع لأشياء المتعددة التي يراها والأصوات التي يسمعها خلال قيادته للسيارة في الشوارع أن تحرف العقل عن المحطّة الجوية. في مثل هذه الظروف، يبقى اختبار الأشياء الأخرى على المستوى السطحي للإدراك الحسّي ولا تجعل سوى انطباع ضعيف جداً على العقل. إذا أمكن حدوث هذا في حالة وعي اليقظة، فكم بالأحرى سيكون أكثر عندما تسيطر على العقل حالة أخرى من الوعي.

إنّ عقل إنسان المتنور هو نشيط في العالم الظاهر، لكنه يخفق في تسجيل اختبارات ذلك العالم بعمق. فكره ثابت في نوره الداخلي الخاص، نور الذات. هو يقظ في ذاته ويقظ أيضاً في العالم الخارجي. يعيش القدسي في العالم؛ يعيش المطلق والنسبي سوية. لذلك، "هو الذي يعرف بْرَهْمان ومتثبّت ببْرَهْمان"

فلنأخذ إنساناً في حالة وعي اليقظة، منشغل في اختبار العالم الخارجي، وفي الوقت ذاته يحمل اختبار حالة وعي الحلم في عقله. بالنسبة له إن اختبارات حالة اليقظة هي ملموسة أكثر بالتأكيد من تلك التي في حالة الحلم، لكن النوعين من الاختبار يتواجدان معاً. هذا ما يوضح بأنّه من الممكن للإنسان أن يكون في حالة واحد من الوعي ويتقبل اختبار الحالة الأخرى أيضاً وفي الوقت ذاته. عندما يكسب الفرد خلال التأمل، الوعي التجاوزي، يكون اكتفائه الذاتي غامر جداً بحيث حتى في حالة وعي اليقظة يحافظ الفرد في داخل ذاته على تأثير الكينونة. علاوة على ذلك، عندما يصبح الحفاظ على الكينونة كاملاً ودائماً في العقل، ستتواجد جميع النشاطات لحالة اليقظة فقط على المستوى السطحي جداً للعقل. هذه هي حالة الوعي الكوني، التي يتم فيها اختبار النشاط بأنه منفصل عن كينونة.

سنلاحظ بأنّ المولى قد شؤح عن شرطين الذين يجب أن يكونا مكتملتان إذا أراد الإنسان أن يصبح مدركاً. الأولى بأنّه يجب أن "يعرف بْرَهْمان"، ما يعني، أنه يجب أن ينال الفهم الفكري الواضح عن الحقيقة. هذا الشرط يعود إلى مجال سانكهيا. أما الشرط الثاني فهو بأنّه يجب أن يكون "متثبّت ببْرَهْمان"، ما يعني، أنه يجب أن ينال الاختبار المباشرة للطبيعة القدسية لكي تصبح حياته اليومية تعبيراً عنها. وهذا الشرط يعود إلى حقل اليوغا.

لذلك تؤيّد هذه الآية أيضاً تعاليم الآيات 4 و 5 من الفصل الحالي كما تؤيد الآية الأخيرة للفصل الرّابع، وبذلك ترضي كل من السانكهيا واليوغا على مستوى الزهد. إنها تصف الحالة الداخلية لزهد الإنسان المدرك، سواء كان قد أدرك من خلال اليوغا أو من خلال السانكهيا.

ولأنه أدرك الطبيعة المستقلة للذات، يكون مثل هذا الإنسان من دون ضلال حول هويته الخاصة؛ هذا ما يجعل الفكر ثابتاً. هذا الثبات للفكر هو حالة الحياة التي فيها "من لا يبتهج كثيراً في الحصول على ما هو عزيزٌ عليه، ولا يحزن كثيراً في الحصول على ما هو مؤلم له".

تكشف الآية الحالي الحالة طبيعية الزهد في حياة الإنسان المدرك، الذي لا يبتهج في أيّ شيء خارجي. وتوضّح الآية التالي السبب لزهده: هو ثابت في غبطة كينونته الخاصة.

Back السابق Home المدخل Up فوق Next التالي