|
الآية الأولى
قال المولى المبارك:
إن من يؤدي العمل الواجب فعله،
دون الاعتماد عل ثمار العمل،
هو سنياسي وهو يوغي. إنه ليس
الذي لا يستعمل النار ولا يقوم بالعمل
تلخص العبارات الأولى هذا الآية، "من يؤدي العمل الواجب فعله" و "دون
الاعتماد عل ثمار العمل" تعاليم الحديث الكامل إلى حد الآن. تشير في الوقت
ذاته أنّ الممارسة التي سيتم شرحها في هذا الفصل سيجعل الإنسان قادراً على
عيش التعاليم التي تحتويها هاتان العبارتان. هذه الممارسة ستمكّن البشر
لغرس تلك الحالة العالية للوعي القدسي التي يجب أن تكون طبيعية للإنسان
والتي تشكّل أساس حياة السنياسي وممارس اليوغا.
إنه واضح من موضوع الحديث أن الذي يجلب الاكتمال إلى الحياة هو ليس
طريقة معيّنة للحياة، إنها ليست النسك وليست طريقة رب البيت، لكنها اختبار
الحقيقة والمعرفة حولها. هذا واضح أيضاً في عبارات في الآية الحالية، التي
تصف حالة الوعي المشتركة بين ممارس يوغا و السنياسي:
“ن من يؤدي العمل الواجب فعله، دون
الاعتماد على ثمار العمل".
هذا الآية هي متابعة لإجابة المولى كريشنا على سؤال أرْجونا، في الآية
الأول للفصل الخامس، حول علاقة الزهد في العمل ويوغا العمل.
في المراحل المبكّرة من جوابه، أظهر المولى بأنّ الطريقان لهما نهاية
مماثلة في حالة التحرر، التي في هدفها هي ذاتها. وبذلك أوضح تفوق يوغا
العمل (الكارما يوغا) على الزهد في العمل (سنياسا)، وهذا أفصح عن الحقيقة
بأنّ الطريقان متميّزان. في الآية الحالية، يضع المولى الأسس بأنّ، في حين
قد يكون هناك بعض نقاط الاختلاف بين طريق السنياسي وممارس الكارما يوغا،
هناك على الأقل عامل واحد مشترك يجلبهما سوية؛ الحالة المنفصلة للعقل فيما
يتعلق بثمار العمل أثناء النشاط. يعتبر المولى هذا ليكون المعيار لكل من
السنياسي وممارس اليوغا، لكل من حالة الزهد وحالة التوحيد.
في القول بأن حالة التوحيد هي متساوية مع حالة الزهد قد يبدو متناقضاً،
لكن حقيقة هذا القول تصبح واضحة في حالة الوعي الكوني. في هذه الحالة، يصبح
توحيد العقل مع الكينونة، الوعي الذاتي، دائماً؛ هذه هي حالة التوحيد
المثالي. في هذه الحالة أيضاً يتم اختبار الذات بأنها منفصل عن النشاط؛ هذه
هي حالة الزهد المثالي. هكذا يتعايش الزهد والتوحيد معاً في الحالة ذاتها
للحياة.
إنّ الحالة العقلية المنفصلة عن ثمار العمل هي نتيجة اختبار الذات
بأنها منفصلة عن النشاط. هذا بدوره ينتج عن التوحيد الذي يأتي من ممارسة
اكتساب وعي الغبطة التجاوزي من خلال الطريقة التي أعطاها المولى إلى
أرْجونا في الآية الخامس والأربعون للفصل الثّاني.
يقول المولى إلى أرْجونا: "العمل الواجب فعله". بهذا القول يقصد حماية
تعاليمه من سوء فهما حول العمل بما يتعلق بعد التعلق. وإلا قد يرتكب
الإنسان المضلّل جريمة قتل أو سرقة وإدّعاء بأنه يتصرّف من دون التعلق
بثمار العمل.
لا يستند مذهب الكارما يوغا على الأسلوب الذي يفكر به الإنسان. إنه
مستند على حالة الوعي، حالة الكينونة. وغايته في أن يسمح بتغلغل الكينونة
إلى طبيعة العقل وجعلها دائمة هناك. وبذلك تصبح دائمة في الحقل الكامل
للفكر والكلام والعمل، في الحقل الكامل لحياة الإنسان. هذا ما سيتم جلبه
بشكل طبيعي جداً بممارسة التأمل التجاوزي ويليه النشاط غير الإجباري ومن
دون إجهاد.
إنّ غاية كل من الكارما يوغا والسنياسا هي في تثبيت الإنسان في حالة
التكامل الكامل للحياة. إن عدم التعلق بثمار العمل، الموصوف هنا بأن خصائص
كل من السنياسي وممارس اليوغا، هو حالة عقلية معيّنة، ليست على مستوى الفكر
بل على المستوى الكينونة.
سيكون من الخطأ تصنع مزاج لعدم التعلق بثمار العمل أثناء نشاط. سوف
يكون نفاقاً مطلقاً في المحاولة للتفكير، من مستوى الفكر أو بتصنع المزاج،
فكرة الشعور: "أنا أقوم بهذا العمل في سبيل الله، أو من أجل الواجب، وليس
لي رغبة بثماره؛ وأنا، حقاً أقوم بالعمل، لكن في الحقيقة لا أقوم به؛ أنا
البرهمان، والعمل هو أيضاً البرهمان، وثمار العمل هي أيضاً البرهمان، وحتى
الثمار هي لا شيء سوى ذاتي الخاص، وتلك الذات هي أنا. ما هي الحاجة إذاً،
للتفكير بشأن ثمار العمل؟ هذه الطريقة التفكير ليس لها علاقة بمذهب عدم
التعلق في الكارما يوغا أو السنياسا، وكل من يحاول أن يعيش عدم التعلق بمثل
هذا التفكير يكون مضلّلاً لذاته فقط. وبالرغم من ذلك ولعدّة قرون تم إساءة
فهم مذهبي الكارما يوغا والسنياسا بهذه هذا الطريق فقط.
إن السنياسا والكارما يوغا لا يستندان على أيّ أسلوب للتفكير، ولا على
تصنع المزاج في المستوى الواعي للعقل؛ إنهما يستندان على الاستقرار الداخلي
للعقل في حالة التنوير. والطريق إلى هذا هي من خلال التأمل التجاوزي. ومن
دون التأمل صحيح ونيل حالة الوعي التجاوزي، وفي النهاية الوعي الكوني،
سيكون عمل الفرد دائماً الوسيلة للعبودية؛ لا يمكن لأية كمية من التفكير أن
تساعد الإنسان على التحرر من التأثير الملزم للعمل.
إنها مسألة مؤسفة في الوقت الحاضر، أن يعتبر الإنسان النشيط في العالم،
والذي لم يكسب الوعي التجاوزي، نفسه ممارس الكارما يوغا، وذلك بكل بساطة
لأنه يتبع حياة النشاط، ويقوم بأداء بعض أنواع العمل ويفكّر بشأنها من
ناحية الله أو بطريقة آخر خاصّ. لكي يكون الفرد ممارساً للكارما يوغا، عليه
أولا أن يكون ممارساً لليوغا. إنها حالة الوعي الصافي التجاوزي وبالتماشي
مع النشاط هي التي تؤلف الكارما يوغا. من خلال ممارسة التأمل التجاوزي،
يكون العقل منغمس جداً في الوعي الصافي، أو الكينونة، ما لا يمكن حجبه
بالرغم من عدد أعمال إنسان، وبالرغم من كثافة اختباره في الحياة. تجعله
حالة الكينونة سوية مع النشاط ممارس للكارما يوغا.
إنّ اختبار الكينونة هو المطلب الرئيسي الأول للكارما يوغا، كما هو
للسنياسا. فيما يتعلق بحالة الوعي، إن السنياسا والكارما يوغا هما ذاتها.
"لا يستعمل النار": تطبخ
النار الغذاء. وحسب التقاليد، من غير المتوقع للسنياسي أن يطبخ الغذاء خشية
أن تشدّه إلى حاجات الجسم. لذلك في أن يكون من دون النار ترمز إلى حياة
السنياسي. وكذلك، النار هي التي تدمّر. ما هو الذي يدمّر الهدوء الأبدي
للبحر؟ إنها الرياح التي تدفع الأمواج. تظهر الكينونة غير الظاهرة
والأبديّة بشكل أمواج في الحياة الفردية بواسطة الرغبة. لهذا السبب تعتبر
الرغبة بأنها النار لمن اختار حياة الصمت.
في هذه الآية، لا يصوّر المولى حياة السنياسي من ناحية عدم التعلق أو
عدم الرغبة، بل يصورها من ناحية النشاط في الحرية.
الآية الثانية
إن ذلك الذي يدعى سنياسيا
هو أيضاً يوغا، يا ابن باندو،
لأنه لا يصبح يوغي من
لا يتخلى عن حافز الرغبة.
"حافز الرغبة" هي ترجمة
الكلمة السنسكريتية"
سنكلبا"، الذي يعطي
فكرة البذرة التي تنبت في الرغبة.
يبرز المولى كريشنا هنا نقطة أساسية جداً لتلميذ اليوغا: يجب استئصال "سنكلبا"
لكي يصبح الفرد ممارس لليوغا.
لقد وضع المولى أسس السنياسا والكارما يوغا على قاعدة متساوية فيما
يتعلق بنتائجها: "إن الزهد ويوغا العمل كليهما يؤديان إلى السمو" (الفصل
الخامس، الآية الثانية)؛ "إنما من هو ثابت حقاً بأحدهما يجني ثمار الاثنين
معاً" (الفصل الخامس، الآية الرابعة). في هذه الآية وكما في الآية السابقة،
يضع الطريقين على ذات الأسس، وهو يفعل ذلك بالتشديد الكبير: "ذلك الذي يدعى
سنياسيا هو أيضاً يوغا". "يثبت المولى ذلك بكشف الصفة الوحيدة التي تجعل
الإنسان سنياسي أو ممارس للكارما يوغا. يقول: "لا يصبح يوغي من لا يتخلى عن
حافز الرغبة". إن اليوغي هو الذي يكون عقله متّحد مع القدسي، وفي تلك
الحالة من الوعي التجاوزي، يكون حافز الرغبة مستأصلاً.
وهنا يطرح السؤال: إذا كان التخلي عن السنكلبا هو ضروري قبل أن يصبح
الإنسان ممارس لليوغا وإذا كان أيضاً خاصية السنياسي، كيف يمكن لأي فرد من
حيث الممارسة أن يصبح سنياسي أو يوغي؟ لأن الحياة، سواء نعيشها ضمن العائلة
أو في التنسك، هي ملئ بالسنكلبا والرغبات. إنّ الجواب هو بأنه يجب على
الإنسان أن يخلق حالة عقلية لا يكون فيها سنكلبا؛ وبما أننا نرى بأنّ حديث
المولى موجه إلى الإنسان في العالم، يجب أن يكون ممكناً لكلّ شخص أن يخلق
مثل هذا الحالة العقلية.
إن مبدأ التقنية التي تجعل العقل متحرراً من السنكلبا تم إعطاءه إلى
أرْجونا من قبل المولى في الآية الخامس والأربعون للفصل الثّاني وسيتوسع في
شرحه في هذا الفصل. في أثناء التأمل، يمرّ العقل بحالات الاختبار التي تصبح
أدق بتقدم تدريجي إلى أن يتم تجاوز المستوى الألطف. بهذه الطريقة يتجه
العقل إلى حالة الوعي التجاوزي ويخرج بالكامل من مجال السنكلبا. هذه هي
حالة اليوغا. وهي أيضاً حالة السنياسا، حيث يتخلى العقل عن كلّ شيء ويُترك
وحده لوحده. هكذا تكون تقنية التأمل التجاوزي، التي تساعد العقل على تجاوز
السنكلبا، التقنية لكي نصبح يوغي أو سنياسي.
كلما تتقدّم الممارسة ، يصبح الوعي التجاوزي دائماً في حالة الوعي
الكوني، وفي هذه الحالة يكون الفرد قد تخلى عن حافز الرغبة بشكل دائم.
تعالج الآية التالية نشاط الطامح وصفاء الممارس المتمم لليوغا فيما
يتعلق بالحالة العقلية من دون السنكلبا.
الآية الثالثة
يقال بأن العمل هو وسيلة الوصول
لرجل الفكر الذي يرغب في الصعود
إلى أعلى مراتب اليوغا؛ ولكن الإنسان
الذي وصل إلى أعلى مراتب اليوغا،
له وحده، يقال بأن السكون هو الوسيلة
"وسيلة": المسلك أو الطريق
أو الطريقة.
"رجل الفكر": هذه ترجمة
للكلمة السنسكريتية "موني". الموني هو الذي يسلك طريق الاكتمال من خلال
الفكر.
إن
ممارسته هي في الحقل العقلي بدلاً من حقل النشاط الجسماني. ولكي نوضّح ذلك،
يجب أن نوضّح بأنه من أجل أن يسجل العقل اختبار ما من الضروري أن يكون هناك
نشاط ما في الجهاز العصبي. يندرج ذلك في إطار العلاقة بين العقل والجهاز
العصبي بأن أي اختبار يمكنه أن يحدث من الطرف الأول أو الآخر. إن الهاتا
يوغا هي مقاربة للإدراك الذي يدرّب الجهاز العصبي المادي وبالتالي يكيّف
العقل لكسب حالة الوعي التجاوزي وفي النهاية لكسب الوعي الكوني. ومن
الناحية الأخرى، إن ممارسة التأمل، المشار إليها في هذه الآيات، هي مقاربة
للإدراك الذي يدرّب العقل وبالتالي يكيّف الجهاز العصبي للتسبّب بحالة
الوعي التجاوزي وفي النهاية إلى الوعي الكوني. هذه المقاربة العقلية هي
طريق الموني.
باستعمال الكلمة "موني"، يريد المولى أن يوضح بأنّ العمل هو ليس وسيلة
إنسان العمل فقط، بل هو أيضاً وسيلة الإنسان الذي يسلك طريقة المقاربة من
خلال المعرفة.
"يرغب في الصعود إلى أعلى
مراتب اليوغا" تعني بأنّه لم يبلغ بعد الحالة العقلية التي يكون فيها من
دون السنكلبا، كما شرح ذلك في الآية السابقة.
"يقال بأن العمل هو وسيلة":
العمل وسيلة غرس الحالة العقلية الخالية من السنكلبا. هذا ما يبدو
متناقضاً، ما يشبه الآية 18 في الفصل الرّابع. قال المولى هناك: "من يرى
عدم العمل في العمل". هنا يبدو وكأنه يقول: اخلق الهدوء بواسطة العمل. هناك
معنى عميق في تعبير المولى: "يقال بأن العمل هو وسيلة". هذا ما يكشف السرّ
الكامل لطريق اليوغا، الطريق لخلق الحالة العقلية الخالية من السنكلبا.
يمكننا تفسير هذا التعبير على مستويات مختلفة. أولاً، إنه يعني بأنّ
المولى يريد الطامح أن يؤدّي العمل الصحيح طبقاً للدهارما الخاصة به، وهكذا
ينقّي ذاته، ومن خلال زيادة النقاوة، يحافظ على ثبات العقل. هذا التفسير
يرتبط بالمستوى السطحي للحياة وتكمن قيمته في الإلهام الذي يؤدي إلى الطريق
المستقيم من الحياة.
ويكشف التفسير التالي المعنى الأعمق لكلمات المولى. إنه يريد الطامح أن
يورط نفسه في الأشكال المرهفة من النشاط؛ يريده أن يجلب العقل من المستويات
السطحية جداً للنشاط على المستوى الحسّي المشترك للعمل والاختبار إلى
المستويات الأدق للتفكير، وفي النهاية يتجاوز المستوى الألطف من التفكير،
للوصول إلى الوعي التجاوزي، الحالة العقلية الخالية من السنكلبا، الحالة
حيث يكون الفرد في "الصعود إلى أعلى مراتب اليوغا".
وبذلك، ومن خلال النشاط، يتم اكتساب الوعي التجاوزي. وعلاوة على ذلك،
وبصعود العقل، إذا جاز التعبير، على سلّم النشاط من الحالة النسبية لوعي
اليقظة إلى صمت الحقل التجاوزي للوعي المطلق، ومن ثم يعود من هناك إلى نشاط
حالة اليقظة، مثبتاً الانسجام الأبدي بين صمت المطلق ونشاط النسبي. هذا هو
الوعي الكوني، الذي يصبح فيه الوعي التجاوزي، الحالة التي فيها "الصعود إلى
أعلى مراتب اليوغا" دائماً. وبالتالي، هذا التعبير للمولى له معناه أيضاً
على مستوى الوعي الكوني. يشكّل الوعي الكوني بدوره الأساس للحالة العليا
لليوغا في وعي الله، حيث تسود الوحدة الأبديّة للحياة في نور الله. إن من
يصل إلى هذه الحالة يكون قد صعد إلى اليوغا في المعنى الدقيق لهذا التعبير.
بعد أن عرّف النشاط بأنه وسيلة صعود إلى اليوغا، يتّجه المولى إلى
أهمية ذلك "السكون" الذي يعمل كوسيلة عندما يرغب الفرد في "الصعود إلى
اليوغا".
"الإنسان الذي وصل إلى أعلى
مراتب اليوغا": إن إنسان الذي ارتفع عقله من حالة وعي اليقظة إلى الحالة
التجاوزية للوعي، التي يكون فيها عقله في التوحيد الكامل مع القدسي. تصبح
هذه الحالة من اليوغا في الوعي التجاوزي دائمة في الوعي الكوني من خلال
زيادة السكون، أو من خلال تغلغل الكينونة في طبيعة العقل. لهذا السبب يقول
المولى بأنّ السكون هو الوسيلة عندما يتم اكتساب الصعود إلى اليوغا في
الوعي التجاوزي. وأيضاً، يكون السكون وسيلة الصعود من اليوغا في الوعي
الكوني إلى اليوغا في وعي الله. في حالة الوعي الكوني، يعطي السكون اختبار
الذات بأنها منفصلة عن النشاط. وفي وعي الله، يتحوّل هذا السكون إلى نور
الله، الذي يذوب فيه اختبار ثنائية الذات والنشاط.
هذا الصمت الأبدي لوعي الله هو المرحلة المتقدّمة للصمت الذي تم
اختباره في حالة الوعي الكوني. إنه الصمت الحيّ لتلك الوحدة للحياة التي
تشكّل أساس النشاط الكوني، وفي الوقت ذاته، تفصل الله بالكامل من النشاط
الكوني. إنّ الصمت الذي تم اختباره في الوعي الكوني، والذي يفصل الذات من
النشاط، هو على مقياس أصغر بشكل لانهائي، لما هو عليه في مستوى الوجود
الفردي. يشكّل الأول أساس النشاط لكلّ الخليقة، ويشكل الآخر أساس النشاط
الفردي. يكمن الاختلاف الأساسي بين الاثنين في ما يلي: في الوعي الكوني
يتعايش كل من الصمت والنشاط على ذات المستوى؛ بينما يكون مستوى وعي الله
متحرراً بالكامل من الثنائية؛ إنه الصمت الكامل الحيّ للحياة الأبديّة،
وتتخلّل الأحادية في كلّ نشاط كما تتخلل الماء في كلّ موجة. إن وعي الله هو
الإدراك الصافي في وحدانية الكينونة. عندما يتطوّر إدراك الذات في الوعي
الكوني إلى إدراك الله في وعي الله، فهو يتطوّر على مستوى الصمت؛ إنّ هذه
العملية بالكاملة هي إحدى تحويلات الصمت. في كلّ خطوة من خطوات التطوّر،
تتغيّر نوعية الصمت. لهذا السبب يقول المولى: "لكن الإنسان الذي وصل إلى
أعلى مراتب اليوغا، له وحده، يقال بأن السكون هو الوسيلة"
هكذا يكون هناك ثلاث حالات للصمت: في الوعي التجاوزي وفي الوعي الكوني
وفي وعي الله. في الوعي التجاوزي، يكون صمت مجرد من أيّ أثر للنشاط. وفي
الوعي الكوني، يتعايش صمت الإدراك الذاتي مع النشاط. وفي وعي الله، يتحوّل
تعايش النشاط والصمت إلى وحدانية وعي الله. هذا الصمت من وعي الله هو
الحالة الأكثر تطوّراً للصمت. إنها كلّ الحياة على المستوى الكلي القدرة
للوجود. إنه الصمت الكلي العلم والقدير والكلي الوجود للربوبية. إنها حالة
مختلفة جداً من الصمت، التي ليس لها شيء مشترك على غرار صمت الوعي الكوني
أو الوعي التجاوزي.
إن أي إنجاز يتم من قبل ممارس اليوغا المتفوق، الثابت في الوعي الكوني
أو وعي الله، يكون بقوّة الصمت، الصمت الأبدي للمطلق الكينونة، الذي هو
مصدر كلّ القوانين الطبيعة غير المعدودة التي تخلق الحياة في الكون وتحافظ
عليها. وكون الحياة الفردية لممارس اليوغا هو متحدة بذلك العلي، فهو يجد
بأن ذلك الصمت الكلي الوجود ينسب كلّ شيء له.
وباستعمال العبارة، "له وحده"، يوضح المولى بأنّ كلّ شيء سيحدث من دون
عمل - سيعمل الصمت كوسيلة له "لمن صعد إلى اليوغا"، لكن له فقط وليس لغيره.
عندما يكسب الإنسان الوعي التجاوزي، يكسب جهازه العصبي حالة اليقظة المريحة
المرادفة له، ويكون قادراً على عكس الحياة الأبدية على مستوى ذلك الصمت
الكلي الوجود. لهذا السبب، في هذه الحالة، يقوم الذكاء القدسي بفعل كل شيء
له. عندما يصبح الوعي التجاوزي دائماً ويكسب حالة الوعي الكوني، يبقى
الجهاز العصبي آلة للقدسي بشكل دائم: يتم تثبيت الإدراك الذاتية بشكل دائم
في كل نواحي الحياة. تتواجد هذه الحالة المباركة في بالمعنى الأعمق في وعي
الله.
في الآية القادمة، يزيد المولى في توضيح التعبير: "يقال بأن العمل هو
وسيلة". إنه يظهر كيف يتم اكتساب حالة عدم العمل من خلال وسيلة العمل.ومن
ثمّ، وفي الآية التي يتلي، يوضّح التعبير: "السكون هو الوسيلة"، يظهر بأنّ
ارتفاع الذات بالذات يتم جلبه "بالسكون".
الآية الرابعة
فقط عندما لا يتمسّك الإنسان بمدركات
الحواس ولا بالأعمال، وفقط عندما يستغني
عن كل حوافز الرغبة، يقال بأنه ارتفع إلى اليوغا
يصف هنا المولى إلى أرْجونا حالة العقل الثابت في اليوغا، حالة التوحيد
القدسي. عندما يتقاعد العقل، في أثناء التأمل، من حقل الإدراك الحسّي،
ويصبح منقطعاً عن العالم الخارجي. ويكون متجهاً إلى الداخل، وبعيدا عن حقل
"مدركات الحواس"، بعيدا عن مجال "الأعمال". كلما يتقدّم العقل في الاتّجاه
الداخلي، يبتعد عن حقل الاختبار السطحي. ويتابع عبر حقول التفكير المرهفة
جداً، إلى أن يتجاوز في النهاية الحالة المرهفة ويصل إلى الحالة التجاوزية
للكينونة. وهنا "لا يتمسّك بمدركات الحواس ولا بالأعمال" بأية حالة.
إنّ حالة الكينونة هي واحدة للوعي الصافي، إنها خارج حقل النسبية
بالكامل؛ لا يوجد هناك عالم الحواس أو عالم المدركات، ولا يوجد أثر للنشاط
الحسّي، ولا أثر للنشاط العقلي. لا يوجد هناك الثالوث للمفكّر وعملية
والتفكير الفكرة؛ الفاعل والفعل والمفعول به؛ للمختبر وعملية الاختبار وغرض
الاختبار. إنّ حالة الوحدة التجاوزية للحياة، أو الوعي الصافي، حالة
اليوغا، المتحررة بالكامل من كلّ أثر للثنائية. في هذه الحالة من الوعي
التجاوزي يقال عن الإنسان "بأنه ارتفع إلى اليوغا".
هنا تقف الذات بجانب ذاتها، متنورة بذاتها، ومكتفية بذاتها في امتلاء
الكينونة. وهنا "يستغني عن كل حوافز الرغبة"، حيث لا يكون هناك ثنائية ولا
يمكن أن يكون هناك بذرة للرغبة. لكن حالة اليوغا في الوعي التجاوزي لا تكون
دائمة. عندما يخرج العقل من التأمل، سيتمسك مرة أخرى بمدركات الحواس
وبالأعمال، حتى ولو لم يكن التمسك قوياً كما كان من قبل، إلا أن حافز
الرغبة سيلعب دوره مرة أخرى. فقط عندما يصل الإنسان إلى حالة الوعي الكوني،
حيث يكون مطمئناً بشكل دائم وثابت في الذات بحزم وإلى الأبد، ستكون الظروف،
التي تذكرها هذه الآية للفرد الذي "ارتفع إلى اليوغا" مكتملة بشكل دائم. من
الطبيعي أن تكون هذه الظروف مرضية أيضاً في وعي الله، التي هي اكتمال الوعي
الكوني. هكذا، وكما أظهرت الآية السابقة، لا ينطبق التعبير "يقال بأنه
ارتفع إلى اليوغا" فقط على الوعي التجاوزي بل ينطبق أيضاً على الوعي الكوني
ووعي الله.
الآية الخامسة
دع الإنسان يرفع ذاته بذاته،
لا تدعه يحقّر ذاته.
إنه هو وحدها حقاً صديقاً لذاته،
وهو وحده عدواً لذاته.
هذه هي التعاليم الفريدة التي تظهر المبدأ الأساسي للتطوّير في أيّ
مجال من مجالات الحياة، الروحية أو العقلية أو المادية. إن كلّ فرد هو
المسؤول عن تطوّره الخاص في أيّ حقل.
في الآية السابقة تبين لأرْجونا معنى الإدراك؛ ويأمره المولى الآن
لوصول إلى تلك الحالة.
"يرفع ذاته": إنّ الكلمة
المستعملة باللغة السنسكريتية الأصلية هي "أضهارت". إنه تعني رفع أو ارتفاع
أو يرفع أو يمجّد، للتخليص من العبودية. وباستعمال الكلمة، يلهم المولى
أرْجونا لرفع ذاته من مستوى الإدراك الحسّي وحقل الفكر والنشاط إلى حالة
الإدراك الذاتية. إنه لا يلهم أرْجونا فقط لغرس حالة الوعي الذاتي
التجاوزية، لكنه يأمره بطريقة مباشره للقيام بذلك؛ "يرفع ذاته بذاته". ليس
المطلوب لمساعدة من الخارج. يملك الإنسان في ذاته كلّ شيء يحتاج للارتفاع
إلى أيّ علو للكمال. لا يحتاج لأي شيء في العالم كي يرفع الذات؛ لا يجب
تبني أية طريقة، لا يريد لأي وسيلة. إنّ الذات ترتفع بالذات وحدها.
وقد يتم طرح السؤال: كيف يمكن للإنسان أن "يحقّر ذاته" في حين أن الذات
هي خارج متناول أيّ شيء خارج ذاته؟ ألم تذكر الآيات 13 إلى 30 من الفصل
الثّاني بأن المقيم في الجسم هو خلف أيّ تأثير للزمان والمكان؟
من أجل أن نفهم ذلك يجب أن نتذكّر الآية السابقة. عندما يصل العقل إلى
الوعي التجاوزي، ويكون في حالة النقاوة المثالية؛ ويحقق المنزلة الكونية.
في الآية الحالية، يشجّع المولى أرْجونا على الارتفاع إلى تلك الحالة، وفي
الوقت ذاته يريده أن لا يسقط منها عندما يحققها. لأنه عندما يخرج العقل من
الحالة التجاوزية لاختبار، مرة أخرى، مدركات الحواس في العالم، يستعيد
منزلته الفردية المحدودة ويسقط من ذلك العلو من الوجود الكوني. ولكي يحذّره
من ذلك، يقول المولى: "لا تدعه يحقّر ذاته"، يعني أنّه، بعدما يحقق حالة
الوعي الذاتية، يجب أن يستمرّ بالارتفاع إلى حالة الوعي الكوني، كما هو
مشروح في تفسير الآيات 3 و 4.
يشير التعبير، "إنه هو وحدها حقاً صديقاً لذاته"، بأنّه فقط في حالتها
الصافية للوعي التجاوزي يكون العقل مساعداً لذاته. وعندما يخرج من تلك
الحالة للكينونة، يتصف وكأنه عدوه الخاص لحرمان ذاته من منزلتها الكونية؛
لكن عندما يواصل الممارسة ويرتفع إلى الوعي الكوني، عندئذ يتصرف كأنه
الصديق الخاص في الحفاظ على تلك المنزلة الكونية.
تنير هذه التعاليم النطاق الكامل للبحث للحقيقة. لا يوجد أي شيء في
العالم الخارجي ذو علاقة بهذا البحث. لذلك، يقول المولى، ليس هناك من صديق
للذات إلا الذات. لا يوجد أي ثقافة عملية أو طريقة معيّنة للحياة تفضي بشكل
خاص للإدراك الذاتي؛ ولا يفضي أو يعارض أي ي
إحساس للانفصال أو التعلق إلى الإدراك الذاتي. إن الزهد عن العالم،
أو طريقة حياة الزهد، لا تساعد خصيصاً في كشف الذات، لأنها تكشف ذاتها
بذاته ولذاته. من خلال التأمل يتم خلق حالة توجد فيها الذات غير مغطّاة،
متجلّية بطبيعتها الصافية والأساسية لا يظللها أي شيء.
لا يكشف التأمل الذات - يجب أن نكرّر، إن الذات تكشف ذاتها بذاتها
ولذاته. لا تستطيع الرياح أن تفعل أي شيء للشمس؛ إنها تزيل الغيوم فقط،
ونجد الشمس مشرقة بنورها الخاص. إنّ شمس الذات هي ذاتية السطوع. يُخرج
التأمل العقل فقط من غيوم النسبية. وتشرق الحالة المطلقة للذات أبداً في
مجدها الخاص.
تنطبق تعاليم المولى في هذا الآية على كل مستوى من مستويات التطور. هذا
ما هو واضح في الآيتين السابقتين والتاليتين. قد يكون مثيراً للملاحظة في
هذه النقطة بأنّ التطوّر الأكمل للذات هو من خلال ثلاثة مراحل؛ من حالة وعي
اليقظة إلى الوعي التجاوزي، ومن الوعي التجاوزي إلى الوعي الكوني ومن الوعي
الكوني إلى وعي الله. إنّ تعاليم هذه الآية قابلة للتطبيق بشكل متساوي في
كلّ من هذه المراحل لتطوير الفرد. في المرحلة الأولى، تتطوّر الذات بواسطة
نشاط التأمل التجاوزي وتدرك الذات. في المرحلة الثانية، من الوعي التجاوزي
إلى الوعي الكوني، تكون حالة الذات مكملة بنشاط الذات لكي تحافظ على الذات
في طبيعتها الحقيقية حتى في وسط النشاط. في المرحلة الثالثة والنهائية، من
الوعي الكوني إلى وعي الله، يجب أن تذهب الذات وحده وعلى مستوى الصمت
ومجردة من أيّ نشاط. لهذا السبب قال المولى في الآية الثالثة: "يقال بأن
السكون هو الوسيلة". وفي الآية الحالي، يقول: "دع الإنسان يرفع ذاته
بذاته". |