|
الآية الحادية عشر
في مكانٍ نظيف، وضعاً مقعده بثبات
غير مرتفع جداً وغير منخفض جداً،
واضعاً العشب المقدّس وجلد غزال
وثوب قماش الواحد فوق الأخر.
"مكان نظيف" يعني أمّا بأنّ
المكان نظيف طبيعياً أو جعل نظيف وخالي من الغبار والحشرات؛ بأنّه، إذا
أمكن، في محيط لطيف، أو على الأقل ليس قبيح وغير سار. يجب أن يكون كل من
المكان والمقعد مفضي إلى التأمل. يجب أن يشعر المتأمل بالراحة واللطف.
الآية الثانية عشر
جالسٌ هناك على المقعد، موجّهٌ عقله
في اتجاه واحد، ومخضعاً نشاط حواسه وأفكاره،
دعه يمارس اليوغا من أجل التنقية الذاتية
يريد المولى توضيح النقطة الأولى بأنّه يجب تأدية التأمّل في وضعية
الجلوس وليس في الاضطجاع أو في الوقوف. الاضطجاع يجعل العقل خاملاً؛
والوقوف يؤدي إلى الخوف من السقوط عندما بغطس العقل في العمق في الداخل. إن
الحالة العقلية الطبيعية هي مطلوبة لبدء التأمل. يجب أن لا يكون العقل
خاملاً ولا كثير النشاط. عندما يكون خاملاً، يميل إلى النوم، ويفقد القدرة
على الاختبار. أما عندما يكون كثير النشاط، فيبقى في حقل الاختبار السطحي،
وإذا جاز التعبير، يرفض الدخول إلى حقل الاختبار المرهفة، كما يكون شخص ما
كثير الحركة على سطح الماء لا يغرق. يكون التأمّل في ترك العقل يغطس في
الذات. لا تبدأ عملية الغطس إذا كان العقل كثير الحركة، كما يجب أن يكون
عندما يكون في وضعية الوقوف. لذلك يقول المولى إلى أرْجونا بأنّه يجب أن
يجلس لكي يبدأ التأمل.
"موجّهٌ عقله في اتجاه
واحد": إن التوجيه يكون بفاعلية أكثر بالسماح للعقل في أن يغطس إلى حالات
مرهفة أكثر فأكثر من عملية التفكير.
"مخضعاً نشاط حواسه
وأفكاره": تنشأ الاختبار كلّها عن ترابط العقل بأغراض الاختبار من خلال
الحواس. في أثناء التأمل، يبدأ العقل بربط ذاتها مع الحقول المرهفة للحواس
وبهذه الطريقة يستمرّ باختبار المستويات المرهفة أكثر فأكثر لغرض الاختبار
إلى أن يدرك في النهاية الحالة المرهفة للغرض، ربطاً ذاتها مع المستوى
المرهف للحواس، وبعد ذلك، يتجاوزه، ويصبح ثابتاً في حالة الكينونة. وبهذه
الطريقة يتم إخضاع نشاطات العقل والحواس بشكل تدريجي.
في حالة الوعي المطلق، يكون العقل خالياً من كلّ أنماط النظام النسبي
وبالتالي يكسب حالته الأكثر نقاوة. هذه هي حالة اليوغا. يقول المولى:
"يمارس اليوغا من أجل التنقية الذاتية". وبذلك هو يعني بأنّ ممارسة كسب هذه
الحالة هي وسيلة كسب تنقية الجسم والعقل والنفس.
عندما يختبر العقل الحالات المرهفة لغرض التأمل، يصبح حادّاً جداً
وصافياً جداً. وفي الوقت ذاته تصبح الذات صافية بشكل تماثلي، ويميل هذا
التنفس الرفيع والخفيف إلى إرجاع الجهاز العصبي إلى وظيفته الطبيعية؛ يعاد
تصويب أي وظيفة شاذّة إلى الحالة الطبيعية. عندما يكسب العقل الوعي
التجاوزي، يصل إلى حالته أكثر نقاوة. وفي الوقت ذاته، يكسب الجهاز العصبي
بالكامل حالة اليقظة المريحة. في هذه الحالة، يصبح الجسم آلة حيّة متناغمة
مع الطبيعة القدسية. هذه هي الحالة الأكثر نقاوة للجسم.
أما بالنسبة إلى تنقية الروح، أو الذات، الحالة الصافية للروح هي
الكينونة، التي هي الوعي الصافي الكوني غير المحدود. عندما يصل العقل من
خلال ممارسة التأمل إلى هذا الوعي، تجحد الروح الفردية المقيدة بالزمان
والمكان والسببية، طبيعتها الكونية غير المحدودة. وبالممارسة، تصبح هذه
الحالة دائمة ويتم اختبار الذات بالكامل بأنها منفصل عن النشاط. هذه هي
الحالة الأكثر نقاوة للذات، أو الروح.
هكذا تكون ممارسة اليوغا – التي هي التأمل التجاوزي - يؤدّي إلى
التنقية الذاتية.
إنه لأمر ممتع ملاحظة بأنه في الآية الحادية عشر من الفصل الخامس ينسب
تأثير التنقية الذاتية للعمل المؤدّى من قبل اليوغي. تصبح هذه التعاليم
هامّة من خلال ممارسة اليوغا.
الآية الثالثة عشر
ثابت، يحافظ على الجسم والرأس
والرقبة بوضع مستقيم وثابت،
موجّه نظره إلى أمام أنفه،
دون أن ينظر في أيّ اتجاه.
إنّ فنّ التواجد بثبات يتم شرحه هنا. عندما يكون كل من الرقبة والرأس
مستقيم بخط جالس مع العمود الفقري، ويكون مجرى التنفس سالكاً، ويكون كل من
الشهيق والزفير سلس وغير مقيّد. هذا ما يزيل إمكانية أيّ حركة غير طبيعية
للجسم.
بعد أن أظهر المولى طريقة استكانة الجسم، يوضّح كيف يتم استكانة الحواس. إن
البصر هو الحاسة الأكثر نشاطاً من الحواس، وإذا كانت هذه الحاسة هادئة
ستتبعها تماماً الحواس الأخرى بشكل طبيعي. تعمل حاسة البصر مثل كلّ الحواس
الأخرى، من خلال العقل. يتضمّن نشاط العقل التنفس. لذلك ولكي ينسّق العقل
بين الحواس والتنفس، يتم أخذ الانتباه "إلى أمام أنفه"، النقطة التي يلتقي
فيها التنفس والخطّ الطبيعي للبصر. إنّ تأثير ذلك هو لتثبيت التنسيق بين
نشاطات العقل والحواس والتنفس ولإزالة أيّ حالات شذوذ لهذه الوظائف. إنها
تهدّئ العقل وتوجهه في نقطة واحدة؛ وتهدّئ الحواس وتنقّي التنفس.
"موجّه نظره إلى أمام أنفه" تعني توجيه نظره وإطلاقه، عدم مواصلة النظر أو
التحديق.
"دون أن ينظر في أيّ اتجاه" تعني أولاً، لا ينظر هنا وهناك؛ وثانياً، لا
يثبّت الفرد نظره بشكل حاد حتى في الاتجاه الأمامي للأنف؛ وثالثاً، إغلاق
العيون.
إن التعاليم المعطاة هنا قد أسيء فهما عموماً وتم تفسيرها بالتركيز على رأس
الأنف. يقول شانكرا بأنّه إذا كان المقصود هنا تثبيت النظر على رأس الأنف،
سيترك العقل على الأنف لكن من دون الله.
إنّ الوضعية المشروحة هي خالية من أيّ إجهاد على الجسم أو العقل أو الحواس
أو التنفس.
تهيّئ هذه الآية الأرضية التي منها يغطس العقل في الكينونة. إنها تعطي
التقنية التي بها يجمع الفرد انتباهه من التعددية في العالم الخارجي إلى
الحالة الهادئة والساكنة، في حين يبقى أيضاً في حقل الاختبار الخارجي. من
هنا تقود عملية التأمل العقل إلى الداخل.
الآية الرابعة عشر
كونه متعمق في السلام ومتحرر
من الخوف، ومستقر في نذر العفة،
ومخضع للعقل، واهباً أفكاره لي،
دعه يجلس موحداً ومدركاً
لي بأني المتجاوز.
"كونه متعمق في السلام" تعني بأنّ العقل يتجه في طريق الانجذاب المتزايد،
جالباً الطمأنينة الأكبر في كلّ خطوة ويملأ كيان الفرد بالصمت والسلام
الأعمق. هذه هي الحالة التي لا يكون فيها أي عنصر مقلق. إنها ليست حالة
النوم العميق، لأن في النوم العميق يكون الإحساس بالوجود مفقوداً. إنها
الحالة التي يكون فيها السلام عميقاً والإحساس بالوجود غير مفقود. إنها
حالة الوعي الصافي، التي ينتقل فيها العقل من حقل الاختبار الحسّي إلى حالة
الذات، و حالة السلام العميق.
"متحرر من الخوف": على طريق زيادة السعادة في أثناء التأمل لا يوجد أي
احتمال للخوف. تعلن الأوبانيشاد بأنّ الخوف يجيء مع الإحساس بالثنائية.
والتحرر من الخوف تعني التخلّص من حقل الثنائية. أظهر الآية السابق العقل
مجمعاً من حقل التنويع؛ وفي هذا الآية، إنه يكسب التحرر من إحساس الثنائية.
يبدأ العقل، أثناء التوجه الداخلي للتأمل، بفقدان الإحساس بالثنائية، ويبدأ
بالابتعاد عن حقل الخوف. وعندما يبدأ، تنهي هذه العملية الثنائية وتسبّب
الوعي التجاوزي، الذي لا يوجد فيه ليس أي إمكانية للخوف.
"مستقر في نذر العفة": هذا لا يعني بأنّ الممارسة الموصوفة هنا هي فقط
لأولئك الذين نذروا العفة. في السياق الحالي، لا يدور المولى حول أيّ وجهة
سطحية لطريقة حياة الطامح، فيما إذا كان قد أخذ ولم يأخذ أي نذر للعفة.
يعطي كلّ تعبير في هذه الآية التعمق في حالة العقل أثناء التوجه الداخلي
للتأمل، وبهذا المعنى يجب فهم هذه الكلمات "مستقر في نذر العفة".
تتجه كلّ طاقات الإنسان الذي اتخذ نذر العفّة إلى الأعلى دائماً، وبتحويل
المجرى الكامل للجسم والعقل والحواس نحو المستويات الأعلى للتطور، ومن دون
أي فرصة لطاقته للتدفّق نزولاً. وعلى نفس النمط، وعندما يتعمّق عقل المتأمل
في الداخل، لهذا أيضاً تأثير التوجيه طاقة الحياة إلى أعلى في المجالات
المختلفة من جسمه وحواسه وعقله نحو المستوى الأعلى للتطوّر، وفي نفس الوقت
عدم إعطاء الفرصة للتدفق النزولي لأيّ طاقة عقلية أو جسمانية أو حسّية.
وتقترب كلّ وجهة لفرديته من الوعي الكوني في الحقل التجاوزي للكينونة. لأن
التأمل التجاوزي يجلب معه الارتفاع المستمر للعقل نحو وعي الكينونة
الأبدية، قد يتم مقارنة ذلك مع نذر العفة، استناداً إلى أن المجرى الكامل
لحياة العزوبية يرتفع أبداً نحو هذا الوعي الأعلى.
لذلك، إنه ليس فعل اتخاذ النذر ما يتم التشديد عليه هنا؛ لا بل، إنه في
تأمين وحماية التدفق الصاعد لطاقات الفرد على طريق المسعى القدسي. هذا ما
يحدث في أثناء عملية التأمل التجاوزي وأيضاً في حياة العزوبية - يصبح الفرد
"أودهفاريتاس" ما تعني؛ الذي تتدفّق طاقاته فقط في الاتّجاه الصاعد.
"مخضع العقل": أنه جلب العقل إلى تأثير الكينونة الأبدية. ويحدث هذا في
الوعي التجاوزي وكذلك أيضاً في الوعي الكوني ووعي الله. هذه هي النقطة
المركزية للآية الحالية؛ أما كلّ عباراتها الأخرى فهي تأتي من هذه العبارة.
لا يعني التعبير "مخضع العقل" بأنّه يجب أن تتم السيطرة على العقل بشكل
معاكس لميله الطبيعي وإجباره على الدخول في الاتّجاه التجاوزي. إن تهذيب
العقل في محاولة السيطرة عليه، ليس الطريق لتثبيت العقل في الذات. تعطي هذه
الآية طريقة بسيطة لإدراك الحقيقة ولا تجعله بأية حال معقّداً أو صعباً،
يبيّن "إخضاع العقل" كل من الحالتين الطبيعيتين للعقل هنا؛ الهدوء في الوعي
التجاوزي، والميل الطبيعي لتدفّق بحرية في القناة الوحيدة التي تؤدّي إلى
الغبطة التجاوزي، لأنه يختبر انجذاب أكبر في كلّ خطوة داخلية في أثناء
التأمل. يصبح العقل هادئاً تماماً بشكل طبيعي، مسحوباً إلى المتجاوز
بالانجذاب المتزايد وليس مجبراً على ذلك، بصرامة التهذيب أو السيطرة.
"واهباً أفكاره لي" تعني اسلم فكره لي، الذي أكون له المولى الأسمى لكلّ
الخليقة. "واهباً أفكاره لي" لا تعني التفكير "بي". إنها تعني اسلم الأفكار
التي تخصه. وهذه بدورها لا تعني بأن يتوقّف الفرد عن التفكير. إنها تعني
تقبل الأفكار في حالة عدم التعلق، حيث تبقى الذات منفصلة عن عملية تفكير،
وتبقى في حريتها الأبديّة، في حين يعطى كلّ النشاط بشكل طبيعي إلى الله،
الذي هو أساس حياة الكون بالكامل.
في السياق الحالي، أيضاً، "واهباً أفكاره لي" يمكننا النظر إليها بشكل أفضل
بالإشارة إلى وقت التأمل. تشير كلمات المولى بأنّه عندما تظهر الأفكار يجب
أن لا يقاومها الفرد، ولا يجب أن يحاول السيطرة على العقل ضدّها أو يحاول
الهروب منها؛ بل يجب أن يتعامل معها الفرد بشكل بريء. فلتكن بمشيئة الله.
وتابع في تأملك على نحو مريح وغير مكترث للأفكار، كما لو أنك أعطيتها إلى
الله.
في أثناء التأمل لا يجب أن يتصنع الفرد مزاجاً في تسليم أفكاره إلى الله،
يجب أن يعالجها كما لو أنها مستسلمة إليه ولم يعودوا للفرد؛ فيبقى الفرد
بلا مبالاة إليهم بشكل تام.
"دعه يجلس موحداً": دعه يكون في الوعي التجاوزي، أو دع عقله يكون ثابتاً
بحزم في الوعي الكوني أو في وعي الله. لا يوجد أي ربط للتعبير "يجلس
موحداً" مع النشاط أو عدم النشاط؛ إنها تعني فقط بأنّه في حالات الوعي
التجاوزي والوعي الكوني، يكون تغلغل الكينونة في طبيعة العقل كاملة تماماً
بحيث يثبّت العقل ويطمر فيها كلياً، وأنه في حالة وعي الله، يتم السيطرة
على العقل بالكامل في أحادية الحياة. في حالات الوعي الكوني والوعي الله
يبقى هذا الإتحاد من دون تغيير سواء كان العقل نشيطاً أو غير نشيط.
"مدركاً لي بأني المتجاوز": يوضح هذا التعبير المعنى الكامل للآية الحالي،
لأنه يكشف حالة الاستسلام. يجب أن يكون الاستسلام على مستوى الوعي الصافي،
على مستوى الحياة بذاتها، على مستوى الكينونة - وليس على مستوى التفكير أو
الشعور أو الفهم.
الآية الخامسة عشر
هكذا جامعاً لذاته أبداً،
يبلغ اليوغي المهذب
بعقله إلى سلام، التحرّر
الأسمى الذي يقيم فيّ
"هكذا جامعاً لذاته أبداً": يشير هذا التعبير إلى الممارسة ويوضح في الآيات
الأربعة السابقة. عندما يجلس ممارس اليوغا لتأمّل، يواصل في جمع عقله،
بمعنى، أنه يعيده إلى حالة "الإخضاع" التي وصفت في الآية السابق.
إن استعمال المولى الكلمات "جامعاً لذاته"، بدلا من "جامعاً للعقل" هو هامّ
جداً. تعني العبارة "جامعاً لذاته" يجمع كلّ أوجه كيانه: الجسم والنفس
والحواس والعقل. يحدث هذا عندما يدخل العقل عالم الاختبار المرهف في
الطّريق إلى كسب الوعي الصافي. تبدأ الحواس كلّها بالتلاقي وبجمع ذاتها في
البحر الصامت للكينونة، ويبدأ نشاط آلية الداخلية للجسم بالغرق في ذلك
الصمت، وتجمع النفس ذاتها على ذلك المستوى الصامت للنفس الكونية. تبدأ
المكونات المختلفة جميعها للفرد في التواجد سوية على ذلك مستوى صافي
للكينونة. هذا يحدث تلقائياً وبشكل متزامن للعقل والحواس والنفس والجسم.
وهكذا يشير التعبير "جامعاً لذاته" إلى عملية التأمل التجاوزي التي تنتج
مباشرة الحالة التي أشار إليه في أمر المولى: "كن من دون الغونات الثلاثة".
تعني "أبدا" بأنّ ما الهم الوحيد لممارس اليوغا في أثناء التأمل هو في أن
يبقى جامعاً أو منشغلاً في عملية جمع ذاته. أمّا يبقى جامعاً في حالة
الكينونة الصافية كما ذكر في الآية السابقة، أو إذا خسر في أيّة لحظة
التركيبة الكاملة لجمع، عليه أن يجمع ذاته ثانية. عليه أن يكون منشغلاً
بهذا الأسلوب دائماً. إنّ أهمية الكلمة "أبدا" هي محدّدة بوقت التأمل. إنا
لا تمتد إلى الساعات أربع وعشرون الكاملة ليوم اليوغي.
"اليوغي المهذب بعقله": وضع هذا التعبير مباشرة بعد "جامعاً لذاته" يعطي
بعد النظر في تقنية "الجمع". كيف يمكن لليوغي أن يجمع ذاته عندما يفقد حالة
التجمع في أثناء التأمل؟ بواسطة "تهذيب عقله"، بعقل منتظم وسلس ولطيف
ومنسجم في وظيفته، وبالتالي تكون أعماله سهلة وهادئة. إنّ العقل سهل ويتهذب
طبيعياً بين "الجمع" وحالة التجمّع وثانية بين حالة التجمّع و"الجمع". هذا
يعني بأنّ عندما يجنح العقل عن طريق التأمل، يعيده اليوغي بشكل هادئ من دون
أيّ اهتزاز، ومن دون تسبّب الإجهاد. تنمي الممارسة التي تعالج كلّ الحالات
أثناء التأمل، بطريقة حسّاسة تهذيب العقل، الذي يتوقّف بعدئذ عن التجوّل
بشكل غير عاقل وبشكل غير ضروري في الحقل الخارجي للنشاط.
"يبلغ السلام": عندما يكون العقل مجمّعاً، أثناء التأمل، يدخل في اختبار
الحالات المرهفة من الفكر. وباختبار الانجذاب المتزايد في كلّ خطوة، يصبح
مطمئناً أكثر فأكثر، وهذا ما يجلب السلام إلى العقل.
"التحرر الأسمى": بعد أن أستعمل كلمة "سلام"، يريد المولى إيضاح طبيعة هذا
السلام لكي يميّزه عن مثل ذلك السلام الذي قد يكسبه الإنسان خلال النوم،
عندما يرتفع عبء الفكر لفترة، أو خلال الرضا في الحقول المختلفة للحياة.
يضيف بأنّ هذا السلام هو التحرر الأسمى. إن الفرد الذي يبدأ التأمل بأسلوب
صحيح وتحت إشراف شخص مؤهل، سيطوّر في ذاته بالتأكيد حالة السلام الملازم
والتحرر الأبدي في حين يقود حياة نشيطة في العالم.
"الذي يقيم فيّ": لا يتواجد التحرر الأسمى في أيّ قوّة ذات سيادة، أو قوّة
الطبيعة، لكن فيّ، أنا المولى العظيم لكلّ الخليقة. استناداً إلى كينونتي،
يتواجد هذا الكون الهائل للعناصر الضخمة والمتضاربة إلى الأبد وبشكل
تلقائي، في حين أبقى غير متورط. هذا "التحرر الأسمى الذي يقيم في"، يقول
المولى، وتنمو هذه الحالة العقلية غير المتورطة بواسطة "تهذيب العقل" كلما
ينمو العقل في "السلام" ويحقق وعي الله.
تجدر الإشارة، بأنّ هذا الآية تعلن نتيجة الممارسة الّتي ستكون السلام
والتحرر، في حين تعلن الآية 28 بأنّها ستكون بهجة لانهائية. لم يتم الإشارة
هنا هذه البهجة لأنه، وكما ستظهر الآية 28، إنها نتيجة الحياة "المتحررة من
العيب"، وهذه يحدث من خلال الممارسة التي وصفت في الآية الحالية. |