اضغط هنا للعودة إلى الصفحة الرئيسية للموقع الفصل السادس 21 إلى 25
 

  موقع الإشراق الشبكة العالمية

Home المدخل
Up فوق
الفصل السادس 1 إلى 5
الفصل السادس 6 إلى 10
الفصل السادس 11 إلى 15
الفصل السادس 16 إلى 20
الفصل السادس 21 إلى 25
الفصل السادس 26 إلى 30
الفصل السادس 31 إلى 35
الفصل السادس 36 إلى 40
الفصل السادس 41 إلى 45
الفصل السادس 46 إلى 47

الآية الواحدة والعشرون

 

وبمعرفة ذلك الذي هو بهجة لانهائية،

والذي يقع خلف الحواس،

ويكتسبه الفكر وفيه يثبت،

هو حقٌ لا يرتعش

لكي نعرف لماذا لا تستطيع الحواس اختبار "بهجة لانهائية"، من الضروري أن نفهم أصل الحواس ومدركاتها. تبدأ الخليقة بالبركريتي أو الطبيعة، التي تظهر ذاتها في الغونات الثلاثة، الساتفا والرجس والطمس. ومع استمرار عملية الخلق، تظهر الغونات الثلاثة في "مهات تطفا"، مبدأ العقل الكلي. ويتابع هذا الظهور في "أهام تطفا"، مبدأ العقل الغريزي، والذي بدوره يظهر في الطانمترات الخمسة الذي منه تنهض الحواس الخمسة. ومن ثمّ، ومع استمرار عملية الظهور، تظهر الطانمترات الخمسة في العناصر الخمسة، التي تتجمع لتشكل الخليقة الموضوعي بالكامل.

إنّ مدى الاختبار الحسّي هو محدّد بحقل الخليقة الناتج عن هذه العناصر الخمسة. فتمكّن الحواس الفرد على اختبار بهجة العالم الموضوعي فقط. تتواجد غبطة الحياة الأبديّة بعيداً عن الحواس وما بعد الفكر مباشرة. يمكن إدراكها لكن لا يمكن إدراكها بالحواس.

يقول المولى بأنّ البهجة اللانهائية لها طبيعة تجاوزية؛ هي معروفة فقط عندما تسلّم الوجهة المرهفة للنسبية، الفكر، ذاته إلى الذات التجاوزي، كما شرح ذلك في الآية السابقة. عندما تكون هو معروفة، يكون الفرد مأسوراً به حيث لا يستطيع الفرد أن يخرج أبداً من تأثيرها بالكامل.

"يكتسبه الفكر": بالرغم من أن البهجة اللانهائية تجيء باستسلام الفكر، إل أنه يقول "يكتسبه الفكر". عندما يصبح ولي العهد ملكاً، يزول ولي العهد من الوجود، لكن وبالرغم من إنّه يمكن القول بأنّ ولي العهد "اكتسب" الملوكية. بهذا المعنى نقول بأن حالة الذات التجاوزية يتم "اكتسابها بالفكر".

"لا يرتعش": في حالة الوعي التجاوزي لا يوجد أي إمكانية للنشاط، لكن الممارسة المستمرة لتجاوز حقل النسبية تثقّف العقل لكي يبقى ثابتاً في الغبطة، ثابتٌ حتى في حقل النشاط.

تُظهر هذه الآية المواصفات الأساسية لليوغا في الوعي الكوني: "بهجة لانهائية"، "يقع خلف الحواس"، "يكتسبه بالفكر"، "وفيه يثبت، هو حقٌ لا يرتعش".

تعطى تفاصيل هذه الحالة في الآيات 24 إلى 29.

 

الآية الثانية والعشرون

بعد أن اكتسب ما يحسبه أكثر من أي ربح،

ثابت بما هو لا يحرك حتى بالحزن الكبير

 

هذا هو مجد الحالة السامية لليوغا؛ الحالة السامية للتوحيد القدسي في وعي الله، الوحدانية المباركة للحياة التي فيها "يحسبه أكثر من أي ربح". هذه هي تلك الحالة التي فيها يجد انفصال الذات عن النشاط، كما يتم اختبارها في الوعي الكوني، إتمامه في وحدة الحياة، وفي نور الله، الذي لا يعرف أي ثنائية. تصبح الحياة مطمئنة في هذه الحالة "لا يحرك" بكلّ الحزن والمعاناة الذي يستمرّ في الوجهة النسبية للحياة.

إنّ مجد هذا حديث للمولى هو موجود في الكلمات، "ثابت بما هو لا يحرك حتى بالحزن الكبير". حتى عندما يقدّم هنا المولى الحالة السامية للحياة، "بعد أن اكتسب ما يحسبه أكثر من أي ربح" فهو يبقيه ضمن مدى القلب البشري، الذي هو عرضة إلى الحزن. في الحقيقة، إنه يتوسع في التعريف الحقيقي لهذه الحالة المباركة أكثر للتوحيد القدسي، أو اليوغا، إلى مستوى المعاناة البشرية. هذا ما يشير إلى كيف أن تلك المراحل من الحياة في المقارنة الأكثر تطرّفاً للإلوهية تتعانق بشكل حميم مع هذه الحالة المباركة للتوحيد القدسي. تتوسع الآية التالي في هذه النقطة.

يتم التعامل مع تفاصيل حالة وعي الله في الآيات 30 إلى 32.

 

الآية الثالثة والعشرون

دع ذلك الانشقاق للإتحاد بالحزن

يكون معروفاً باسم اليوغا (التوحيد).

يجب أن تمارس هذه اليوغا

بالتصميم الصارم وشجاعة القلب.

تظهر هذه الآية التعاليم الروحية للمولى من ناحية التوحيد في "الانشقاق". إنه يظهر بأنّ اليوغا هي كونية؛ إنها موجودة أيضاً في حقل "الانشقاق". فهو يقول بأنّ انشقاق العقل عن الحزن هو أيضاً توحيد، وبأنّ هذا التوحيد (يوغا) يجب ممارسته بتصميم وحزم العقل. يريد المولى بأن يمارس كلّ شخص هذا التوحيد؛ أولئك الذين يمكنهم ممارسته باسم التوحيد يجب عليهم أن يفعلوا ذلك؛ أما أولئك الذين لا يستطيعون ذلك، يجب عليهم أن يفعلوا ذلك باسم الانشقاق. إنّ كلمة توحيد هي لأولئك الذين يمكن أن يتصوره بأنه غبطة مطلقة ويتمنّون تملكه حتى إلى حدّ أن يكونوا هو. أما كلمة انشقاق فهي لأولئك الذين لا يستطيعون تصوّر هذه الغبطة أو لا يستطيعون التفكير بأنهم قادرين على التطلّع إليه. لكن كلمة انشقاق هي متآلفة جداً في حياتهم مع الحزن وسيتمنّون عدم الوصول إليها. لذلك دعهم يبدؤون هذه الممارسة لكي تضع حدّاً للحزن. يجب أن يتم أخذ العقل من عالم المعاناة، لأنه ليس هناك حاجة للمعاناة في الحياة عندما يكون هناك هذا المركز من السعادة في داخل الذات الفردية.

إن كيفية مواصلة كل فرد ممارسة هذه اليوغا التي تنهي كلّ معاناة الفرد هي مشروحة في الآيات الخمسة التالية.

لقد تم تكريس الآيات 20 إلى 23 إلى تعريف اليوغا. إنّ غاية تعريف اليوغا في الآيات أربعة هي كي تظهر بأن اليوغا كافي لإنجاز كلّ الأهداف الأربعة للحياة كما هي مشروحة في الكتب المقدّسة الهندوسية. فهي تصرح بأن غاية الحياة هي في الاكتمال في: 1. الدهرما، 2. أرتها، 3. كاما، 4. نوشكا.

1.    الدهارما هي الواجب الطبيعي للفرد، الذي يتضمّن كلّ القيم الأخلاقية الحسنة والعمل الصحيح والحرية والعدالة والشرعية - كلّ المبادئ التي تؤيّد وتدعم الحياة. يتم تحقيق كل هذه المبادئ بالكامل عندما يدرك الإنسان ذاته. لأنه بمعرفة الذات واختبارها، يبلغ الإنسان مستوى الحياة الذي هو أساس كلّ المبادئ الأخلاقية، العمل الصحيح، والذي منها يكون قادراً على إكمال قوانين الطبيعة ويكون عادلاً لكلّ الخليقة. تظهر الآية 20، التي تصف توحيد العقل والكينونة، بأن كلّ تطلّعات الدهارما قد اكتملت.

2.    تكتمل أرتها في الآية 21. تعني كلمة "أرتها" الثروة والعمل والفائدة والمنفعة والمكافأة والربح. وباختبار الغبطة الأبديّة، تصبح مثل هذه التطلّعات كلها مرضية بالكامل، إن الغاية الوحيدة للأرتها بكل أوجهها هي في تخزين الكمية الأكبر من وسائل السعادة.

3.    الكاما أي الرغبة. تهدّف الرغبة بشكل طبيعي نحو السعادة وإزالة المعاناة. ترضى كلّ التطلّعات على هذا المستوى عندما يدرك الإنسان الغبطة الأبديّة للذات. عندما يتوقف الفرد عن البحث ويتوقف عن الرغبات للسعادة الأكبر، عندئذ يكون الفرد مكتملاً من وجهة نظر الكاما. وفي وصف مثل هذا الاكتمال، تقدم الآية 22 قمّة إدراك الكاما. إنها تعطي الأمان من الحزن الكبير وتقدم السعادة السامية.

4.    موكشا التحرر. تعلن الآية 23 التحرر من كلّ الألم والحزن من خلال اليوغا، أو التوحيد الأسمى، كما تم وصفها في الآية 20.

تشكل هذه الآيات، 20 إلى 23، الأعمدة الأربعة لصرح اليوغا. إنها لتذكّر الإنسان في كلّ جيل بأنّه ليس من الضروري أن يعاني في الحياة، وبأن هدف الحياة هو سهل المنال وبأن كلّ التطلّعات هي سهلة التحقيق. والطريق لذلك هي في التوجه الداخلي للعقل، وبتحديد مكان الكينونة الكونية الخفية، والشعاع الواحد من نورها الأبدي يكون كافياً لتبديد كلّ ظلام الجهل وينشر بركات الله الكلي القدرة.

في التعريف عن اليوغا تؤمن هذه الآيات الطريق الملوكي إلى الاكتمال على كلّ مستوى من الحياة البشرية. محظوظون هم أولئك الذين يأخذون هذا الطريق السريع، والذين يمارسون التأمل التجاوزي.

يجب أن نوضح في هذه النقطة بأنّ غاية اليوغا لا تنتهي في إدراك الذات في الحالة التجاوزية (الآية 20). وبالرغم من أن هذا هو النيل النهائي للتوجه الداخلية للتأمل، وبالرغم من أنّه يعطي المعنى الكامل لليوغا على أنّه يجلب التوحيد الكامل مع الوعي القدسي، فهو ليس كامل. إن الغاية الشاملة لليوغا لم تتحقق لغاية الآن. ما لم يستمر الوعي القدسي المكتسب في الحالة التجاوزية، في الحفاظ على ذاته في جميع الأوقات، وبطريقة طبيعية، وبصرف النّظر عن الحالات المختلفة في اليقظة أو الحلم أو النوم، وبصرف النّظر عن ارتباط العقل في النشاط أو في الصمت، تكون غاية اليوغا غير منجزة. يجب أن تتطوّر اليوغا، أو التوحيد القدسي المحقق في حالة الوعي الذاتي، أو آتماناندا، إلى الوعي الكوني، أو برهماناندا، التي هي أيضاً حالة اليوغا. هذا ما يؤدي في النهاية إلى وعي الله، ذروة اليوغا، حيث لا يوجد هناك أي أثر للحزن أو المعاناة.

 

الآية الرابعة والعشرون 

وبالتخلي من دون أي تحفظ،

عن كل الرغبات التي منها يولد

حافز العمل، وبتحكّم بقرية الحواس

من كل جهة بالعقل وحده.

وبشرح الحالات الثلاثة لليوغا لغاية الآن، يشرح المولى، في هذه الآية وفي الآيات الأربعة التالية، كيف تتحول حالة اليوغا في الوعي التجاوزي إلى حالة اليوغا في الوعي الكوني.

هذه هي روعة تعبير المولى أنه في كلّ هذه الآيات الخمسة بالتتالي هو ليس قادر على تطوير موضوع كسب الوعي التجاوزي فقط، لكنه قادراً على تطوير موضوعاً ثانياً: وهو تطوير الوعي الكوني عندما يكون الوعي التجاوزي مكتسباً. إنّ التقديم المتوازي لهذين الموضوعين هي تعاليم بحد ذاته. يظهر أولاً بأن الطريق إلى الوعي الكوني يشمل الطريق إلى الوعي التجاوزي، وثانياً بأن الوعي الكوني يتطوّر بشكل متزامن مع نمو الوعي التجاوزي في العقل.

"حافز العمل": إن المحفّز الذي ينتج الرغبة في الجهاز العصبي، يجلب إلى العمل حواس الإدراك وأعضاء العمل. هذا المحفّز هو معارض لعملية كسب تلك الحالة من اليقظة المريحة للجهاز العصبي المرادفة للوعي التجاوزي. لهذا السبب، عندما يوضّح المولى العملية الكاملة لجعل الوعي التجاوزي دائماً، يؤكّد الحاجة لمنع العملية المعارضة من التدخّل. يجب أن نأخذ في الاعتبار، على أية حال، بأنه وبالرغم من أنّ المولى يعطي هذا التحذير فهو لا يدعو لممارسة السيطرة على الرغبة. إنه يصرّح بالمبدأ بأنّ الرغبات لا تساعد على الطريق لأنها تحفّز الجهاز العصبي إلى النشاط الخارجي وهذا يتعارض مع نشاطه الداخلي، الذي يعطي اختبار الحالات المرهفة للفكر في حين يتقدم العقل نحو حالة الوعي التجاوزي.

عندما يقول المولى: "بالتخلي من دون أي تحفظ، عن كل الرغبات التي منها يولد حافز العمل، وبتحكّم بقرية الحواس من كل جهة بالعقل وحده" فهو يعني انشغال العقل في عملية التأمل التجاوزي وتركه يدخل إلى اختبار الحقول المرهفة للتفكير.

وعندما يصبح العقل متآلفاً مع وعي الغبطة في حقل المتجاوز، من الطبيعي جداً أن ينسحب بشكل تلقائي بذلك الاتجاه المسموح له المضي فيه من بدون تأخر. يقول المولى: "بالعقل وحده"، يعني بأنّ الفرد لا يستعمل أيّ نوع من التقشّف أو السيطرة القويّة لغلق أبواب الحواس. ستضع الحواس ذاتها بشكل تلقائي فقط لكي تتبع العقل في تقدمه إلى المتجاوز. في التوجه الداخلي الهادئ للعقل أثناء تأمل، يتم ترك الرغبات بشكل تلقائي. هنا يقول المولى فقط بأنه يجب على الفرد أن يترك العقل يتبع طريقه المألوف إلى المتجاوز في الأسلوب الأكثر طبيعي وأكثر عادي.

"قرية الحواس": المكان حيث تسكن الحواس. هذا هو بنية الجهاز العصبي. إنّ الجهاز العصبي الكامل هو القرية، والحواس الفردية هم القرويّون والعقل هو صاحب الملك. هكذا، عندما يقول المولى: "يتحكم بقرية الحواس من كل جهة بالعقل وحده"، فهو يريد إظهار المبدأ بأن: يتحكم صاحب الملك ويؤثر على القرويّين، لكي يعيد توجيه القرية لكي يتقد نشاطها، نشاط الجهاز العصبي، بالتوافق مع قوانين الطبيعة، في حين يحافظ إدراك الذات على حالته الطبيعية في أبديّة الكينونة. هذا ما يضع شمولية الحياة في حالته الطبيعية أكثر: تبقى الكينونة المطلقة والحقل النسبي للنشاط منفصلة ومتكاملة أيضاً في الحياة الفردية في حالة الوعي الكوني.

إنّ الممارسة هي عقلية كليّاً، لكنّها تؤثّر مباشرة على الجهاز العصبي بالكامل، الذي من خلاله تعمل الحواس. تجدر الإشارة بأنه عندما يبدأ المولى التعاليم حول كسب الوعي الكوني يتكلّم عن الجهاز العصبي، الوجهة الطبيعية للحياة، ويؤكّد على الحاجة لإعادة توجيهه. لكن الجهاز العصبي البشري هو في مثل هذا التعقيد الفائق والنقاء بحيث إنّه من غير المحتمل إعادة توجيهه من خلال المقاربة الجسدية. يتم حلّ هذه الصعوبة بالتشدد الذي يضع المولى على الكلمات "العقل وحده". بذلك يحذّر الطامح لعدم جعل أيّ محاولة للسيطرة على الحواس مباشرة، أو للتأثير على الجهاز العصبي بأيّ وسائل جسدية. إنّ إعادة توجيه الجهاز العصبي هي ضرورية لكي لجعل حالة الوعي التجاوزي دائمة، لكنّ يجب أن يتم جلبها بعملية عقلية. إذا حاول الطامح أن يسيطر على الحواس على مستواها الخاص، أو إذا حاول السيطرة عليهم بعملية عقلية معاكسة لميولها الطبيعية، ستكون النتيجة بالإجهاد. إنّ الممارسة التي يتم تعليمها في هذه الآية هي بالتأكيد خالية من أيّ إمكانية للإجهاد.

"بتحكّم بقرية الحواس من كل جهة": يشير هذا التعبير إلى تقنية السيطرة على كلّ الحواس مرة واحدة وفي نفس الوقت، من دون تعرضها لأيّة مقاومة بشكل منفرد على مستوى الحواس بذاتها، ومن دون مهاجمة ميلها الطبيعية لقيادة العقل نحو مدركاتها. هذه الوجهة للتعاليم لها القيمة العليا. عندما تدور الحواس إلى الداخل أثناء التوجه الداخلي للتأمل، وإلى الخارج أثناء التوجه الخارجي للتأمل، عندئذ يكون قد تم إعادة توجيهها بطريقة طبيعية أكثر بحيث يكون نشاطها متوافق بشكل تلقائي مع قوانين الطبيعة.

ستكون عملية إعادة التوجيه هذه متوتّرة إذا كانت الحواس مقيّدة. فقط إذا تم خلق حالة يكون للحواس فيها النشاط الحر الداخلي والخارجي متحركاً بطبيعتها الخاصة للتمتّع بها، من الممكن للإنسان أن يدرك بأن الكثافة الأكبر للسعادة تكمن في الاتجاه الداخلي. وبهذا الإدراك، تتعزّز عادة البقاء تحت تأثير غبطة الكينونة، للتسبّب بالوعي الكوني.

 

الآية الخامسة والعشرون

دعه ينكفئ بشكل تدريجي من خلال

الفكر المتحلي بالصبر؛

بعد أن ثبّت العقل في الذات،

دعه لا يفكر مطلقاً.

 

توضّح هذه الآية الكلمات "ينكفئ" (الآية 20) و"التخلي" (الآية 24). إنها تؤكّد بأنّ عملية الانكفاء يجب أن تكون تدريجية وتضيف "المتحلي بالصبر" لكي توضح بأن لا يجب القيام بأي شيء لتعجيل أو تعديل هذه العملية. عندما تبدأ، يجب أن يسمح لها في المضي بمفردها.

إنّ النقاط حول الصبر والتدرج هي مهمة جداً. إذا أصبح الإنسان غير صبور ويحاول دفع العقل إلى المتجاوز، يظهر العديد من الأضرار. إنّ كثافة الفكرة هي كبيرة جداً في ذلك المستوى المرهف للتفكير حيث أنّ العقل ينزلق خارج الفكرة ويوشك أن يفقد اختبار الحقل النسبي. إذا لم يتم التشويش على العملية ويسمح لها بالمضي وحدها بطريقة بريئة جداً، عندئذ ينزلق العقل إلى الذات. أما إذا، من الناحية الأخرى، تم تطبيق الضغط أو القوة بأية طريقة لتفحص العقل أو للسيطرة على العملية، سيرمى العقل خارج المسلك الذي وضع فيه بشكل طبيعي ويختل توازنه بالهياج والشعور بعدم الراحة. لهذا السبب يجب أن يتم السماح للعملية بأن تحدث بشكل هادئ وبصبر، ومن دون أيّ قلق أو عجلة.

لا يجب على الفرد أن يبذل جهداً لكي يتجاوز. يعيق الجهد، من أيّ نوع، عملية التجاوز فقط. يمضي العقل بشكل طبيعي نحو الذات لأنه في ذلك الاتجاه يكون مجذوباً بالسعادة المستمرة التّزايد. لذلك يقول المولى بأنّه يجب أن يسمح للعقل أن يجيء في ذلك الاتجاه بشكل طبيعي وبريء.

"الفكر المتحلي بالصبر" لها معنى باطني، بعيداً عن معناها الواضح في الدعوة للصبر من ناحية الفكر. وهو في أنّ الفكر يجب أن لا يعمل أثناء العملية. لا يجب أن يتم مراقبة ما يحدث أو تحليله أو تفحصه بدقّة بواسطة الفكر. ليس هناك أي حاجة للتفحص الدقيق للعملية. من الضروري أن يكون الفكر فقط سريع التقبل والتقدير ولا يكون على الإطلاق مميّزاً أو على حذراً. عليه فقط أن يقبل اختبار كما تجيء.

"دعه ينكفئ بشكل تدريجي": كي يصبح العقل، عندما يغطس في المستويات الأعمق لعملية الفكر، صافياً بشكل متزامن من أجل أن يختبر حالات مرهفة أخرى ويمضي داخلياً بأسلوب بريء. إذا دخل الإنسان الواقف في الضوء اللامع بسرعة وفجأة إلى كهف مظلم؛ قد لا تستطيع عيونه رؤية ما يوجد داخل الكهف؛ لكن إذا دخل ببطء، تعتاد عيونه على الكثافة المنخفضة للضوء، ويكون قادراً على الرؤية. عندما ينكفئ العقل في أعماقه الداخلية، يذهب من المستوى السطحي إلى المستويات المرهفة للاختبار. لذلك من الضروري للعقل أن لا يسرع إلى الداخل بشكل مفاجئ، لكن عليه الذهاب بشكل تدريجي وبصبر.

ومرة أخرى، عندما تبدأ فردية الفكر بكسب حالة الكينونة، من الضروري جداً بأن تكون العملية بطيئة. في هذه الحالة فقط تكون الغبطة ضمن مدى الاختبار.

"دعه لا يفكر مطلقاً": يقول المولى بأنّه عندما يثبت العقل في الذات يجب أن يحاول الفرد أن لا يفكّر، لأن الحالة التجاوزية للوعي تقع وراء قدرة العقل على التفكير. وأيّ محاولة للتفكير في تلك الحالة سوف لن تنجح. هذه هي الحالة التي يتمتع بها الفرد بأن يكون فيها فقط. إنها ليست في المستوى الذي يتواجد فيه الفكر. يخبر المولى الطامح عن طبيعة هذه الحالة لكي لا يتوقّع أن تجيء أي أفكار جيدة في تلك الحالة.

يقول المولى: "لا يفكر مطلقاً". هذه الحالة من عدم التفكير هي النتيجة الطبيعية لثبات العقل في الذات؛ ويصل إليها فقط في أثناء التأمل. هذا لا يعني بأنّه يجب على الإنسان أن لا يفكّر بأيّ شيء عندما يكون خارج التأمل، لأن عادة عدم التفكير ستجعل حياته خاملة وعديمة الفائدة.

عندما يخرج العقل من الذات، خارج حالة التجاوز في أثناء التأمل، ويكون منشغلاً بالفكرة؛ ماذا يجب القيام به في هذه الحالة سيتم توضيحه في الآية التالية.

"دعه ينكفئ بشكل تدريجي من خلال الفكر المتحلي بالصبر": يقدّم هذا التعبير أيضاً التعاليم المهمة في الطّريق إلى الوعي الكوني عندما يكون الوعي التجاوزي مكتسباً. عندما يكسب العقل، خلال ممارسة التأمل التجاوزي، التآلف مع حالة الكينونة، يبدأ الفرد بالشعور كما وأنّه غير متورط في حين يقوم بالنشاط. ينمو هذا الاختبار لعدم التعلق بالكثافة مع الممارسة. هذا ما يعني به المولى في قوله "ينكفئ بشكل تدريجي"، في سياق كسب الوعي الكوني. ويضيف بأنّه أثناء هذه العملية، يجب أن يكون الفكر "متحلي بالصبر" لكي لا يترجم الاختبار بشكل عاجل وخاطئ. يجب أن نلاحظ بأنه عندما يتم إدراك إحساس عدم التعلق بواسطة الفكر، يصبح النشاط أكثر تأثيراً ومثمراً في العالم الخارجي. وفي غياب التفسير الصحيح لهذا التعبير لعدم التعلق، قد يصبح الفرد محيّراً، وقد تصبح هذه البركة العظيمة للحياة مطلوبة.

"بعد أن ثبّت العقل في الذات، دعه لا يفكر مطلقاً": عندما يكسب العقل الوعي الذاتي التجاوزي بشكل دائم، لن يكون مطلوباً منه البدء بأيّ نشاط عقلي، هذا المطلب الذي دلّت عليه الآية السابقة. عندما يثبت العقل بشكل دائم في الذات، تكون غاية تعاليم الآية السابق قد أنجزت: وتم اكتساب الوعي الكوني.

يظهر التعبير، "دعه لا يفكر مطلقاً"، الميزّات الضرورية للوعي الكوني. أولاً، لا يتم الحفاظ على هذه الحالة من الحياة على أساس التفكير أو الشعور: يتم معيشتها بشكل طبيعي على مستوى الكينونة. ثانياً، تكون الذات في هذه الحالة قد فصلت ذاتها بالكامل عن حقل النشاط بحيث، حتى ولو كان العقل يتقبل الأفكار، تبقى الذات متحررة بالكامل عن عملية التفكير. هذه هي تلك الحالة للحياة التي تم الإشارة إليها في الآية 3: "لكن الإنسان الذي وصل إلى أعلى مراتب اليوغا، له وحده، يقال بأن السكون هو الوسيلة".

تصف الآية السابقة قيمة النشاط العقلي أثناء التوجه الداخلي للتأمل. تظهر الآية التالية كيف يوجّه النشاط العقلي عندما يخرج العقل من الحالة التجاوزية للوعي.

Back السابق Home المدخل Up فوق Next التالي