|
الآية السادسة والعشرون
كلما يشرد العقل المتقلّب
غير الثابت عن ذلك الانطواء،
دعه يعيده تحت سيطرة الذات وحدها.
"الانطواء": إنّ الكلمة في النصّ هي "نياميا"، التي تعني بعد أن نظم أو
هذّب. وهنا تعني بعد أن عاد إلى الذات.
هذا هو فنّ التأمل الناجح. من الطبيعي أنه عندما غاص العقل إلى الذات ويخرج
إلى الحقل النسبي ثانية، يجب عليه أن يعود إلى وسيلة التأمل لكي يبدأ
بالغطس ثانيةً. في المراحل المبكّرة للتأمل، على أية حال، يوجد عموماً أنه
بالتوجّه الخارجي للتأمل، يجيء العقل ببعض الأفكار. لذلك يقول المولى بأنّه
يجب على العقل أن يرجع من الفكرة الغريبة إلى وسيلة التأمل، وبالتالي يعود
مرة أخرى إلى القناة الثابتة، ويختبر الحالات الأدق من الوسيلة على نحو
طبيعي، ويجيء ثانية إلى المتجاوز.
يقول المولى: وجّه العقل نحو الذات. من المستحيل أن يكون ذلك باقتراح
الصعوبة. لسوء الحظ بالنسبة لطلاب البهاغافاد غيتا، فقد صرّح المفسرين
بأنّه من الضّروري أن يتم السيطرة على العقل وأن يتم تهذيبه، ما يشير ضمنا
إلى أنّ المقاربة الكاملة هي عسيرة وصعبة. لكن، وعلى أية حال، لا يوجد أي
فكرة للسيطرة أو الانضباط للعقل في تعاليم المولى. من الصدق، أه استعمل
صفتين لتصف "العقل": "المتقلّب" و "غير الثابت". لكنّ يجب أن نتذكّر بأنّ
المولى يصف هنا عملية قيادة العقل إلى الذات، في حين تنطبق هذه الصفات على
العقل عندما يكون خاضعاً للتوجّه الخارجي للتأمل. إنه صحيح جداً للعقل
للدخول في حالة مترددة عندما يخرج من حقل الأحادية التجاوزية، مثلما يبدأ
الموج في الظهور على السطح الساكن للبحر. لذلك عندما يكون العقل أحياناً
على الفكرة الغريبة أثناء التأمل، يجب أن ينظر إلى ذلك بأنه التوجّه
الخارجي للتأمل، إذا كانت عملية التأمل صحيحة. يجب أن لا يعتبر ذلك دليلاً
بأن طبيعة العقل هي بأن يكون "متقلّباً" و"غير ثابت"، مع ذلك افترض
المفسّرون بأنّه كذلك.
إذا لاحظ الفرد بأن العقل يخرج بالأفكار حتى عندما لا يكون قد وصل إلى
الكينونة التجاوزية، بل عندما يكون في الطّريق إليها فقط في أثناء التوجّه
الداخلي للتأمل، لا يجب أن ينسب هذا ثانية إلى الضعف الفطري للعقل. قد يكون
ذلك بسبب الجهاز العصبي الواقع تحت الإجهاد، أو قد يكون بسبب ضعف التوجيه
الصحيح. يمكن أن يكون ذلك نتيجة لعدم الكفاءة من ناحية المعلّم أو من ناحية
التلميذ، لكن عادة ما يكون النقص من ناحية المعلّم.
لذلك يعلّم المولى بأنه إذا حدث أن يكون العقل مشغولاً بشيء خارجي، يجب على
الفرد أن يعيده بشكل هادئ إلى القناة التي تؤدّي إلى الذات. إنها طبيعة
العقل في الذهاب إلى حقل السعادة الأعظم. عندما يبدأ العقل، أثناء التأمل،
باختبار الحالات الأدق من غرض الانتباه، يبدأ باختبار الانجذاب المتزايد في
كلّ خطوة. لا يوجد هناك فرصة له للذهاب إلى أيّ مكان إلا في الاتجاه الذي
يؤدّي إلى المتجاوز.
هذا ما يصح على نظام التأمل التجاوزي، الذي هو الموضوع الرئيسي لهذه
الآيات.
تكمن أهمية هذا الآية فيما يتعلق بالوعي الكوني في تأكيدها على ضرورة
المناوبة بين التوجه الداخلي والتوجه الخارجي للعقل. هذا ما يسمح لتغلغل
الكينونة إلى طبيعة العقل لكي يصبح نشاطه كلّه مدعوماً وغنياً بالقيمة
القدسية، ولكي تصبح أخيراً الحياة كلّها قدسية في الوعي الكوني.
تكشف الآية التالية طبيعة الوعي الكوني من ناحية السعادة العليا وتلخّص
الميزّات الرئيسية للطريق.
الآية السابعة والعشرون
تجيء السعادة السامية إلى اليوغي
الذي يستقر عقله بعمق في السلام،
ويستكن فيه أي حافز للعمل،
ومن هو من دون أي عيب،
وأصبح واحداً مع البْرَهْمان
صرح المولى بتصريح مماثل حول السعادة السامية في الآية الحادي والعشرون؛
لكن من الآية الرابع والعشرون فصاعداً، فقد كان مصمّماً على وصف الطريقة
التي فيها يتم نيل السعادة السامية. في أثناء التأمل، وبينما يختبر العقل
الأوجه الأدق لغرض التأمل، يتجاوز في النهاية الاختبار المرهف، وبعد ذلك لا
يوجد هناك أي نشاط. هذا ما يعني به المولى عندما يقول بأن "حافز العمل"
(الرجس) هو "مستكن". هذا هو حقل المتجاوز، حالة الوعي الصافي، منزه وبلا
خطيئة. هنا يتوقّف العقل الفردي عن أن يكون؛ ويكسب منزلة الذكاء القدسي.
بعد أن تجاوز حدود إرادة العقل الفردي ورغبته، يكون ثابتاً بالكامل في
السلام العميق وينجز السعادة السامية.
تهمد مقدرة الاختبار عندما يفقد العقل فرديته. لن تعرف حالة الكينونة أي
عرفان؛ إنها الحالة التي تتجاوز كلّ معرفة أو اختبار. لكن إذا كان الأمر
كذلك، كيف يمكن القول بأنّ العقل يختبر السعادة السامية؟ أولاً، يجب
الملاحظة أن المولى يستعمل الكلمة "أوبايتي"، التي تعني "تجيء إلى"؛ ولم
يستعمل كلمة "يختبر". على أية حال، حتى إذا استعمل كلمة "يختبر"، يمكن أن
تعتبر صحيحة. للعقل القدرة للاختبار عندما يكون على حافة التجاوز، في نقطة
التلاقي بين النسبية والمطلق. في هذه النقطة يختبر العقل طبيعة وعي الغبطة
المطلق. هذا ما تم إظهاره في الأوبانيشاد، حيث يذكر بشكل محدّد بأنّه يتم
اختبار الحقيقة بالعقل وحده. إن اختبار الحقيقة بالعقل هو دائماً في نقطة
التلاقي: عندما يكون على وشك التجاوز في نهاية التوجه الداخلي للتأمل،
وبخروجه من التجاوز في بداية التوجه الخارجي للتأمل.
"بعمق في السلام": أنظر الآيات 7 و 14 و15 من هذا الفصل والآيات 70 و 71 من
الفصل الثّاني. يعني المولى السلام الذي لا يمكن حجبه حتى بالنشاط - السلام
الأبدي الذي يتم اكتسابه عندما "يرى الفرد في العمل عدم العمل" (الفصل
الرّابع، 18)؛ "السلام الأسمى" (الفصل الرّابع، 39)؛ "السلام الدائم"
(الفصل الخامس، 12).
لقد تم شرح طبيعة "الحافز للعمل" (الرجس) في تفسير الآية 45 من الفصل
الثّاني.
"الذي هو من دون عيب": الذي هو ثابت في النقاوة المطلقة للكينونة، المنفصلة
بالكامل عن حقل النشاط. وبما أن أعماله هي بالكامل بالتوافق مع قوانين
الطبيعة، فهي خالية من العيب.
"وأصبح واحداً مع البْرَهْمان": اكتسب الوعي الكوني.
إنه لأمر ممتع أن نرى كيف تصف هذه الآية حالة الوعي الكوني بذاتها وتصف
الطريق الذي يصل إليها. إنها توضح بأنّ السعادة السامية يتم اكتسابها في
الوعي الكوني وبأنّ هناك ثلاثة متطلبات لاكتسابها: يجب أن يكون العقل "بعمق
في السلام" و "الحافز للعمل" يجب أن "يستكن" ويجب أن يكون الفرد "من دون
عيب".
إن تعاليم الآيات الثلاثة السابقة، التي شرحت بالتفصيل طبيعة الطريق إلى
الوعي الكوني، هي ممثّلة بالعبارات الفردية في هذا الآية. "يستقر عقله بعمق
في السلام" تشير إلى الآية 24؛ "يستكن فيه أي حافز للعمل" تشير إلى الآية
25؛ "من هو من دون أي عيب" تشير إلى الآية 26.
تتفتح زهرة الحكمة القدسية لهذه الآية إلى الزهرة الكاملة في الآيات الخمسة
التالية.
الآية الثامنة والعشرون
هكذا يجمع ذاته أبداً، اليوغي،
المنزه عن العيب، يبلغ
بسهولة الاتصال مع البْرهمان،
الذي هو الفرح اللانهائي.
يظهر المولى هنا بشكل واضح تماماً بأن إدراك الوعي الكوني ليس في صعب
أبدا.ً إنه سهل المنال.
"هكذا يجمع ذاته أبداً" تعطي التعبير للنقاط الظاهرة في الآيات الأربعة
السابقة.
"أبداً" لا يبيّن هنا استمرارية الوقت. بل تعني بانتظام، كجزء من الروتين
اليومي. إنها مرتبطة بمباشرة بكلمة "هكذا"، التي يشير بأنّه حينما يجمع
اليوغي ذاته، يجب عليه أن يفعل ذلك بهذا الأسلوب المعيّن.
"منزّه من العيب": لابدّ أن يكون لأيّ اختبار حالة مطابقة في الجهاز
العصبي. إن الحالة الأكثر طبيعية للجهاز العصبي البشري هي تلك التي يمكن أن
تدعم "الاتصال مع البْرهمان"، الذي هو الحقيقة الكليّة الوجود. يجب أن تكون
بالضرورة حالة النقاء الأقصى والمرونة القصوى، ويكون هذا ممكناً فقط عندما
يكون الجهاز العصبي صافياً كليّاً. تتطلب مثل هذه النقاوة بأنّ لا تكون
وظيفة الجهاز العصبي، بأية طريقة، متناقضة مع قوانين الطبيعة. أما التأثير
الذي ستنتجه فيجب أن يدعم كلّ الحياة، ويكمل الغاية الكونية.
إنه لأمر ممتع الملاحظة بأن النصف الأوّل للآية 15 تحتوي النصّ ذاته
الموجود في الآية الحالية، باستثناء اليوغي "المهذب بعقله"، والذي يصفه هنا
"المنزه من العيب". يجلب هذا الاختلاف المهم النتائج المختلفة بشكل مقابل:
في الحالة السابقة، كانت النتيجة "السلام" و "التحرر"؛ وفي الحالية هي
"الفرح اللانهائي".
من الواضح، في هذه المقارنة، أنه إذا لم يتخلّص الجهاز العصبي من العيب،
بالرغم من أنّه قد يعطي اختبار السلام والحرية فهو لا يستطيع التسبّب
بالفرح اللانهائي.
إنّ الممارسة المتكرّرة "لجمع" الذات والوصول إلى الوعي التجاوزي تستمر في
تنقية الجهاز العصبي حتى يصبح صافياً جداً بحيث يكون قادراً على التسبّب في
حالة الوعي الموصوفة بأنها "الاتصال بالبرهمان".
"يبلغ بسهولة": لأن الممارسة سهلة وطريقة الحياة الموصوفة هي أيضاً سهلة
ومريحة. إنّ الممارسة هي سهلة لأنها تمثّل حركة العقل في الاتّجاه الذي
يتبعه بشكل تلقائي تماماً، الذي هو نحو الغبطة. إن هذه التعاليم للطريق
السهل تذكًر وتدعم تعاليم الآية 40 من الفصل الثّاني، حيث أعلن المولى عن
هذه الطريقة بأنها خالية من أيّ مقاومة.
لقد تم التوضيح بأن ممارسة التأمل التجاوزي، وبقيادتها للعقل إلى الوعي
التجاوزي، تجلب النقاوة أيضاً إلى كلّ أوجه الحياة وتضعها في التناغم مع
الطبيعة. تحقق هذه الممارسة الواحدة كلّ هذا. إن الممارسة بحد ذاتها هي
بتوافق مع الطبيعة الحقيقية للعقل، وهذا ما يجعل "الاتصال بالبرهمان"
سهلاً.
"الاتصال بالبرهمان": لقد تم ذكر هذا في تفسير الآية 20 بأنه في الحالة
التجاوزية للوعي، يصبح العقل الكينونة. وعندما يتم الحفاظ على الكينونة
بطريقة طبيعية حتى عندما يكون العقل خارجاً في الحقل النسبي، يكون "الاتصال
بالبرهمان" مدركاً. إن مثل هذا الاتصال يعني الانسجام بين المطلق والحالات
النسبية من الوعي. ومع الممارسة التي وصفت في الآيات السابقة، ومع الأسلوب
السهل للحياة، يقول المولى أن هذه الحالة المتطورة جداً من الوعي يتم
بلوغها "بسهولة" والنتيجة هي "الفرح اللانهائي".
يجب الملاحظة بأنّ "الاتصال" الذي هو الفرح اللانهائي، هو ليس البرهمان
بذاته. إن البرهمان، الذي هو كتلة كلية التواجد للغبطة، لا تظهر أيّ نوع من
الغبطة. قد نشبّهها بكتلة الطاقة – المادة - التي لا يظهر أيّ نوع من
الطاقة. تشدد هذه الآية على مجد "الاتصال"؛ فهي لا تظهر طبيعة البرهمان.
إن البرهمان هو ذلك الذي لا يمكن التعبير عنه بالكلمات، بالرغم من أنّ
الأوبانيشاد تستعمل الكلمات لتعليمنا عن طبيعته. في حقل الكلام، يقع
البرهمان بين عبارتين مضادتين. إنه المطلق والنسبي في الوقت ذاته. إنه
الخالد الأبدي في حين هو المتغيّر باستمرار. لقد قيل بأنه هو هذا وذلك
كلاهما معاً. يقال عنه بأنه سات تشيت آناندا ولكنه يتضمّن ما هو ليس "سات"،
وما هو ليس "تشيت" وما هو ليس "أناندا". إنه خلف الكلام والفكر، وبالرغم من
ذلك يقع المدى الكامل للفكر والكلام ضمنه. "ضمنه" و "من دونه" هي فقط
عبارات، ومثل أي عبارات أخرى حول البرهمان، فهي لا تفي بالغرض لا إلى
البرهمان ولا إلى المتكلّم ولا إلى المستمع. يعيش الإنسان البرهمان بسهولة
لكنه لا يمكن التكلّم عنه، بمعنى أن الكلمات لا تكفي للإحاطة بذلك الامتلاء
غير المحدود للكينونة التجاوزية وامتلاء الحياة النشيطة في نفس الوقت.
تتكلّم الآية 29 من الفصل الثّاني عن ذلك بأنه "لغز"، لأنه لا يمكن تخيّله
كأي شيء بشكل فكري؛ ولا يمكن إدراكه كأي شيء بشكل عاطفي.
تعطي هذه الآية وتعبيرها "بسهولة" معنى إضافي للآيات السابقة حول البرهمان:
"هذه هي حالة البرهمان، يا بارتا". بعد بلوغها، لا يضلّل الإنسان. وبثباته
بذلك، وحتى وفي اللحظة الأخيرة، يحقق الحرية الأبديّة في الوعي القدسي؛
"تتوحد ذاته مع البرهمان، ويتمتّع بالسعادة الأبديّة"؛ وفي كونه واحد مع
البرهمان، يحقق الحرية الأبديّة.
إن البرهمان هو قيمة حياتنا، وهو الحقيقة حوله بأنّه يمكن معيشته "بسهولة".
إنّ مجد هذه الآية هو أيضا مجد البهاغافاد غيتا. إنّه المجد الأبدي لهدف
المسعى البشري بأن يبلغ الفرد ذلك "بسهولة ويتصل بالبرهمان، الذي هو الفرح
اللانهائي".
الآية التاسعة والعشرون
من ثبتت ذاته في اليوغا،
ومن تتساوى نظرته في كل مكان،
يرى الذات في كلّ الكائنات،
وكلّ الكائنات في الذات.
تصوّر هذه الآية حالة البرهمان، وفي الوقت ذاته، تعطي المعنى العملي إلى
"الاتصال" الذي تكلمت عنه الآية السابقة.
يتم التعبير عن طبيعة البرهمان في عبارتين وضعتا سوية: "الذات في كلّ
الكائنات، وكلّ الكائنات في الذات" المطلق والنسبي، الواحد ضمن الآخر. هذا
ما يجعل البرهمان يبدو غامضاً. حتى ولو أخذا منفصلان، النسبي والمطلق،
التنويع في الخليقة والوحدة التي تقع تحتها، كلّ واحد منهما يتعدى قدرة على
العقل كي يدركه؛ وكم يكون ذلك أكثر صعوبة عندما يوجدان متكاملان في
البرهمان! هذا هو مجد حديث المولى الذي يمكننا فهم هذا الغموض بشكل واضح
ويظهر لنا كيف نعيشه، "بسهولة".
تعتمد نوعية الاختبار على حالة وعي الفرد. إذا كان العقل مبتهجاً، يكون كلّ
شيء وكأنه مبتهجاً؛ وإذا كان العقل حزيناً وبائساً، يكون مظهر الفرد
كئيباً. عندما تصبح حالة الكينونة متغلغلة في طبيعة العقل أثناء التأمل،
يجعل هذا التغلغل العقل قدسياً. وعندما يصبح هذا التغلغل دائماً، يبدأ
العقل في عيش الأحادية في كل أنحاء الحقل الكامل للتنويع. ويتم عندئذ إدراك
الحقل الكامل للتنويع في نور الأحادية القدسية الداخلية. عندما يصبح العقل
مملوءاً بالكينونة القدسية، تكون الرؤية بشكل طبيعي كاملة ومتساوية. فتكون
ثابتة وغير مشوّه بتنويع الحياة في العالم. هذه هي رؤية الإنسان الذي اكتسب
"الاتصال" مع البرهمان.
يجب أن لا يغيب عن نظرنا بأن المساواة في الرؤية هي نتيجة "الاتصال
بالبرهمان". ويجب أن لا نعتبرها الطريق إلى إدراك البرهمان. إذا حاول
الإنسان غير المدرك أن يزرع مساواة الرؤية في حياته، سوف يخلق التشويش فقط
له وللآخرين. تؤدّي مثل هذه المحاولات إلى مزاج غريب وسلوك أغرب. و تقع
المسؤولية في ذلك على أولئك المفسرين الذين استنتجوا من هذه الآية مدلول
تصنع المزاج من أجل فهم الحقيقة ومن أجل معيشتها.
إنّ مجد هذه الآية يفوق الوصف. إنها تظهر بشكل مشرق جداً، البرهمان المتعذر
وصفه، وفي الوقت ذاته، تضعه بشكل واضح إلى مستوى الرؤية البشرية. هذا ما
جعل البهاغافاد غيتا "خلاصة" الأوبانيشاد.
تأخذ الآيات الثلاث التالية هذه الرؤية المباركة إلى إتمامها في وعي الله.
الآية الثلاثون
إن من يراني في كل مكان، ويرى
كلّ شيء فيّ، لا أكون مفقوداً له
ولا يكون مفقوداً لي.
عندما يكسب الإنسان وحدانية الرؤية الموصوفة في الآية السابقة، وعندما يفيض
امتلاء الكينونة من خلال العقل إلى حقول الإدراك، وعندما تسود الأحادية
الروحية حتى على مستوى الحواس، وعندما تعم وحدانية الله في حياة، عندئذ يتم
بلوغ تلك الحالة التي يكون فيها الإدراك لكل شيء مهما كان، هو الإدراك
للكينونة الظاهرة. عندئذ يجد وعي الإنسان العلاقة المباشرة مع المولى، ومع
الكينونة الظاهرة، والتي تصبح حقيقة الحيّة له على ذلك المستوى القدسي
الأسمى من الوعي. ومن ثمّ لم يفقد هو ومولاه أحدهما الآخر.
تثبت هذه العلاقة المباشرة للإنسان مع الله أولاً على مستوى الكينونة وبعد
ذلك تكون على مستوى الشعور؛ ومن هناك تدخل إلى حقل التفكير وبعد ذلك تجد
طريقها إلى المستوى الحسّي للاختبار. وهكذا يعمّ الله كلّ مستويات حياة
الإنسان. فيعيش الإنسان في كنف الله. تكون حياته بالعشق والغبطة والحكمة في
وعي الله. يعيش في عالم الوجود الكوني. يتنقل على الأرض وهو يعيش في أرض
الله، في أرض الكينونة القدسية بعيداً فوق الرؤية البشرية وأبعد بكثير من
الفكر البشري.
إن الطريق لغرس هذه الحالة المباركة هي في تجاوز الفكرة التي باستمرار
التفكير بها لها قيمتها الخاصة – فهي تملأ العقل بفكرة لطيفة – لكنها تخفق
في خلق الحالة المطلوبة. إن تجاوز الفكرة هو شيء ثمين أكثر بشكل لانهائي من
التفكير.
لذلك دع العقل يتجاوز الفكرة ويدخل عالم النقاوة المطلقة الذي هو مقام
الله. إن التفكير في هذا الموضوع هو هدر للوقت على المستوى السطحي للحياة.
تبعد الفكرة العقل عن ذلك العالم المبارك. إن التفكير بالخبز لا يعطي طعم
الخبز ولا يملأ المعدة. إذا كنت تريد الخبز، عليك الذهاب إلى المطبخ
وتتناوله بدلا من أن تجلس خارجاً تفكر به. نبقى نفكر بالله، أو نحاول
تحسسه، فقط طالما نفتقر إلى معرفته، وطالما لا نعرف كيف نخترق الحقل
الظاهري للاختبار وندخل عالم الغبطة التجاوزية، الملكوت الصافي لله.
تدون السجلات التاريخية عن المشاركة المباشرة للقديسين والحكماء مع الله
وتكشف حياتهم المباركة، لكن سرّ نجاح مثل هذه الحياة تكمن في تجاوزهم لحقول
الفكر والعاطفة والاختبار. يكمن سرّ إدراك الله في تجاوز فكرة الله. إن
الفكرة التي تبقى فكرة تحجب وعي الله. وعلى نفس النمط، تخفي العواطف الغبطة
المباركة. تجد فكرة الله اكتمالها في انطفائها الخاص. ويجب أن تتوقّف
العاطفة أيضاً لكي تترك القلب كاملاً في المحبّة غير المحدودة لله.
إنّ حالة الوعي التي تعرف مجد المولى العظيم لكلّ الكائنات هي قدسية. و
تتطور من خلال الممارسة الثابتة والمنتظمة للتأمل واختبار الكينونة
التجاوزية، التي تجلب الوعي الكوني في النهاية، الحالة التي ينضج فيها
القلب والعقل بالكامل. هذا التطوّر الكامل لسعة القلب والعقل يجعل الإنسان
قادراً على فهم وعيش الكينونة القدسية. فتكشف العلاقة المتواجدة بين المطلق
غير الظاهر والكينونة الظاهرة ذاتها. ويجيء الله الشخصي لكي يتم اختباره
على المستوى الحسّي. ويصبح الحقيقة الحيّة للحياة اليومية. فيعكس كلّ غرض
في الخليقة نور الله من ناحية الذات الخاصة بالفرد.
يدعو الفلاسفة هذا الاختبار بالاختبار الباطني، لكنّه لا يفوق غموضاً من
عمل الساعة نسبة للطفل. على مستوى واحد من الوعي إنه اختبار عادي، وعلى
مستوى آخر يكون غامضاً، وأيضاً على مستوى ثالث فهو مستحيل. تعتمد كثافة
إدراك الله في ناحيته الشخصي وغير الشخصي على مستوى الكينونة، أو نقاوة
الوعي (الآية 28). إنه من غير المحتمل تخيّل وعي الله من خلال أيّ حالة
الوعي لا تكون وعي الله بذاتها؛ لكنّه من الممكن لكلّ شخص، وبأي مستوى من
الوعي البشري، الارتفاع إلى إدراك وعي الله من خلال ممارسة التأمل التجاوزي
التي هي الطريق البسيط والمباشر للوعي الصافي النامي.
إن الإفراط السلس لتأكيد المولى في هذه الآية يعبّر عن مجد الحياة. لقد كان
ويكون وسيستمرّ في أن يكون مصدر الإلهام والنور المهدي إلى الكثيرين من
الباحثين المتحمسين عن الحقيقة، وإلى الكثيرين من المكرسين المتحمسين لله.
لقد أعطية إلى مثل هؤلاء الناس للتمتّع بمحبّة القدير وللحماية التي يقدمها
لهم. هذا هو حظّهم السعيد؛ إنهم يتشاركون بحياتهم مع الله. إن الوحدانية
التي يعيشونها بشكل مباشر ومن اللحظة إلى لحظة هي الأحادية لوحدانية
المطلق، ووحدانية الحياة الأبديّة في تعدّدية الخليقة – تظهر الوحدانية
العظيمة الممثّلة بالقدسي، الله الشخصي الكلي القدرة.
إنّ تأكيد المولى في هذه الآية يعاد صياغته في الآيات التالية بحقيقة أعمق
ومجد أعظم. |