|
الآية السادسة والثلاثون
للإنسان غير المنضبط، اليوغا
هي صعبة المنال، هذا ما أعتقد؛
لكنّ يمكن اكتسابها من خلال
الوسائل الصحيحة من قبل الإنسان
المنضبط الذي يسعى.
تشير "اليوغا" في هذه الآية إلى حالة اليوغا في وعي الله، نسبة لسؤال
أرْجونا، الذي يجيب عليه المولى هنا، والذي يتعلّق بهذه الحالة.
إن "الإنسان غير المنضبط" في هذا السياق هو الذي ليم يهذب ذاته طبقاً
لتعاليم الآيات 24 و 25؛ وهو الذي لم يكسب الوعي الكوني.
يسمّي المولى ثلاثة شروط هنا للنجاح في اليوغا: "الوسائل الصحيحة" و
"المسعى" والحياة "المنضبطة".
"من خلال الوسائل الصحيحة" تشير العبارة إلى "الممارسة وعدم التعلق" في
الآية السابق.
يشير التعبير "الإنسان الذي يسعى" بأنّ حالة اليوغا في وعي الله ليست للناس
الخاملين والكسالى: إنها لناس المسؤولية وأصحاب الطبيعة الديناميكية. بذلك
يطرد المولى خوف أرْجونا من خسارة وعي الله عندما يكون العقل مشغولاً في
الحقول المختلفة من الحياة (الآية 33).
"المنضبط": تعني الإنسان الذي يملك الإحساس صحيح للقيم، الذي لا يربك نشاط
الحياة النسبية مع الذات، أو الكينونة المطلقة. إنها تعني الإنسان الذي
أدرك الوعي الكوني.
لا يجب الاعتقاد بأنّه يجب على الفرد أن يجهد لكي يبقي حياته منضبطة. هناك
طريقتين لتهذيب كلب. الطريقة الأولى هي صعبة، والثانية هي سهلة. ملاحقة
الكلب، ومحاولة الإمساك به وبعد ذلك ربطه عند الباب – هذه هي إحدى طرق
السيطرة على الكلب. وعدم ملاحقته، وعدم محاولة الإمساك به، وعدم محاولة
ربطه عند الباب؛ وبالأحرى، ترك الكلب حراً لذهاب إلى أيّ مكان يريده، فقط
ضع بعض الغذاء خارج الباب، أي شيء يحب الكلب أكله. ستجد الكلب دائماً عند
الباب في الكثير من الأحيان وكلما ترغب بذلك. هذه هي الطريقة البسيطة من
كسب السيطرة على الكلب من دون التحكم به. نريد تهذيب العقل، والطريقة
السهلة هي ليست في محاولة كبته. إنه ينجذب بحقول السعادة الأعظم؛ ولذلك
وبقيادته نحو حقل السعادة الأعظم في الحياة، سنجده يبقى هناك بسبب رغبته
الخاصة للتمتّع بتلك السعادة. تثبّت ممارسة التأمل التجاوزي، في جلبها
للطمأنينة من خلال اختبار الكينونة، الوعي الكوني بشكل طبيعي وبالتالي تعطي
النمط المهذّب إلى الحياة. هذه هي الطريقة البسيطة لكسب الحالة المنضبطة
للعقل.
في هذه الآية، لا يدعو المولى إلى أيّة طريقة معيّنة، أكانت بسيطة أو صعبة؛
إنه يظهر فقط مبدأ النجاح في اليوغا: في الحاجة للانضباط في الحياة. إن
المبدأ الذي يعرضه المولى غير قابل للجدل: "للإنسان غير المنضبط، اليوغا هي
صعبة المنال". يكون العقل غير منضبط عندما لا يكون مطمئناً وفي الوقت ذاته،
يكون الحقل الكامل للحواس مفتوحاً أمامه للاستكشاف. ويصبح منضبطاً عندما
تكسب الطمأنينة من خلال الاختبار الدائمة للغبطة المطلقة التجاوزية في
الوعي الكوني. تشير الكلمة "المنضبط" بأنّه، حتى وإن كان العقل مرتبط
بنفسها مع الحواس للتمتّع بمدركاتها، إنه لا يفقد التساوي التي أصبحت دائمة
من خلال إدراك الذات بأنها منفصل عن النشاط.
الآية السابعة الثلاثون
قال أرْجونا:
إلى أي هدف يصل إليه، يا كْريشْنا،
من لم يتقن اليوغا، ويسعى بالإيمان،
وأيضاً ينقصه الجهد، وعقله تائه عن اليوغا؟
تكمن جذور هذا السؤال في تعاليم المولى في الآيات 24 إلى 28، التي تعلن عن
نيل الوعي الكوني من خلال الممارسة، خلال "الجهد".
إن المحفّز الفوري على السؤال، على أية حال، يعطى بكلمات الآية السابقة:
"يمكن اكتسابها من خلال الوسائل الصحيحة من قبل الإنسان المنضبط الذي
يسعى". وبالتالي إن الشروط الثلاثة التي عرضت لكسب المساواة القدسية العليا
للعقل جعلت الأمر يبدو إلى أرْجونا كما وأنّ أمامه طريق طويل لاجتيازه.
أخبره المولى في وقت سابق "في هذه اليوغا لا يضيع أي جهد ولا يوجد أي عقبة.
حتى التقدّم القليل من هذا الدهارما يريح من الخوف الكبير" لذلك عندما يضع
المولى ثلاثة شروط أمامه الآن، يريد أرْجونا التأكد فيما إذا كان هناك أيّة
فائدة في البدء على هذا الطريق أم لا، مع العلم بأنّه قد لا يستطيع الفرد
الوصول إلى الهدف في هذه الحياة.
كما يتضمن أيضاً معنى أخرى في هذه الآية. عندما يسمع أرْجونا عن الشروط
الثلاثة لنيل حالة اليوغا في وعي الله، يريد أن يعرف إذا كان هناك أيّة
طريقة مختصرة. يريد أن يعرف كيف يمكن للبعد عن الإيمان أن يساعد الإنسان
على هذه الطريقة، وذلك لاعتقاده بأنّه من الممكن أن يكون أسهل للنجاح في
إدراك الله من خلال الإيمان وحده. إن مثل هذا السؤال من أرْجونا، الإنسان
العملي جداً، لم يكن مفاجأة. إنه لم ينشأ عن أيّ أمنية لتفادي الجهد من
ناحيته: فهو ينشأ عن الصفة العملية جداً في فهمه. حكماء هو أولئك الذين
يفهمون طبيعة الطريق من البداية حتّى النّهاية قبل أن يدخلون فيها، وأكثر
حكمة هم الذين يسلكون الطريق المختصر للوصول إلى الهدف. يعكس سؤال أرْجونا
جديته واليقظة الكبيرة التي بها يتابع حديث المولى.
يسأل أرْجونا: "إلى أيّ هدف يصل إليه؟ ما هو مصيره، وإلى أين يذهب؟ ينبع
قلقه بهذه المشكلة من معرفته للكون. إن تصاريحه هي بداية الحديث حول
الدهارما وحول أسلافه وحول الجحيم والسماء وحول تركيب المجتمع وهي تكشف
معرفته الدقيقة حول الحياة والعالم. إن الإنسان بمثل هذه التعاليم من
الطبيعي أن يكون متلهّف لفهم هدف الطامح على طريق اليوغا. وعنده الأسباب
الكثيرة كي يسأل، لأن المولى يتكلّم معه حول نيل تلك المناطق المجرّدة
للوعي التي تبدو بعيدة جداً من الحياة العادية والعملي في العالم - أو
الحاجة الملحة في ساحة المعركة.
في الآية التالية يجعل سؤاله أوضح.
الآية الثامنة والثلاثون
مضلّل في الطريق إلى البْرَهْمان،
من دون موطئ قدم بعيداً عن كِلا
الطرفين ألا يتلاشى مثل الغيم المبعثر؟
"مضلّل على الطريق إلى البرهمان" تعني السقوط في الممارسة المنتظمة للتأمل
التجاوزي التي تطوّر الوعي الكوني. إنّ السؤال حول الإنسان الذي بدأ
الممارسة لكنه ولأسباب مختلفة غير قادر على الاستمرار فيها. تشير الكلمة
"مضلّل" بأنّ سبب التخلّي عن الممارسة يتوقّف على الطامح. لا يوجد هناك شيء
من جانب الله أو على الطريق إليه قد يشجّع أو يدفع الطامح لإيقاف ممارسته.
إذا فعل ذلك، يمكن أن يكون ذلك فقط نتيجة لضلاله الخاص. وهذا، بدوره، قد
يكون بسبب قلة المعرفة حول الهدف أو للشكّ في قدرته الخاصة لوصول إليه؛ أو
قد يكون بسبب قلة التقدير الصحيح لقيمتها. قد يكون كلّ هذا بسبب قلة
التوجيه الصحيح. مهما كان السبب، إذا أوقف الإنسان الممارسة يمكن أن يكون
ذلك فقط بسبب ضلاله. استعمال أرْجونا هنا كلمة "مضلّل" فهو يكشف فهمه
العميق لتعاليم المولى. وبالرغم من أنّه يسأل السؤال حول الإنسان الذي يسقط
من الممارسة، فهو يتمنّى أن يظهر بأنّه يعتبر مثل هذا الإنسان مضلّلاً.
"من دون موطئ قدم": يدرك
أرْجونا للمستويات المختلفة للوعي والحالات المختلفة من الحياة التي
تقابلها. إنه مدرك أيضاً بأنه عندما يتطوّر وعي الإنسان من مستوى إلى آخر،
تصبح حياة المستوى السابق عديم الفائدة إليه. إن سؤاله هو عن الفرد الذي،
وكنتيجة لفترة معينة من الممارسة، أرتفع فوق مستوى الوعي البشري العادي
لكنه لم يصل بعد إلى الوعي الكوني، الذي يضمن التحرر والذي هو الأساس لوعي
الله. إن مثل هذا الإنسان فقد موقعه على المستوى البشري لكن ليس له موطئ
قدم على المستوى القدسي. فهو ليس هنا وليس هناك. هذا ما يظهره أرْجونا
بالكلمات "بعيداً عن كِلا الطرفين"، وعقب ذلك يقدم صورة فظيعة من الإبادة
بالكلمات "يتلاشى مثل الغيم المبعثر".
يريد أرْجونا أن يفهم مصير الإنسان المضلل الذي سقط في الممارسة. يبدو
السؤال بسيطاً ولكن، في الحقيقة، هو معقد جداً، لأنه يمكن أن يكون هناك
مستويات غير معدودة من الوعي بين وعي الجاهل ووعي المتحرّر بالكامل،
الإنسان المدرك. وفيما يتدارك أرْجونا في الآية القادمة، يمكن أن يجيء
الجواب الدقيق فقط من المولى الذي يعرف المدى الكامل للحياة وكلّ
الإمكانيات المتواجدة بين الجهل والحالة المدركة للوعي.
الآية التاسعة والثلاثون
أنت القادر على تبديد هذا شكّ
عندي بالكامل، يا كريشنا. حقا،
لا أحد غيرك من يستطيع
تبديد هذا الشكّ.
بعد أن استمع إلى المولى، اقنع أرْجونا حتى الآن بالعمق الذي لا يقاس
لحكمته. الكلمات "لا أحد غيرك" تشير إلى أن أرْجونا، حتى وبينما يرفع
السؤال يشعر بأنّ هذا ليس الوقت المناسب له، كون ساحة المعركة هي ليس
المكان للمناقشة الماورائية. لكنّه يبرّر سؤاله بالإشارة بأنّه إذا لم لا
يسأله الآن فقد لا يكون عنده فرصة أخرى، لأنه لا يوحد أحد آخر يمكنه
الإجابة عليه. يبدو بأن الحديث في الآيات 28 إلى 32 أقنع أرْجونا بالحكمة
غير المحدودة الموجودة عند أقدام المولى كريشنا.
عندما يظهر المريد تقديره لحكمة المعلم، عندئذ تتدفّق الحكمة من المعلم في
جوّ أكثر حسّاسية من اللطف والمحبّة. ويظهر هذا بوضوح من الكلمة الأولى
لجواب المولى كريشنا في الآية التالية ومن الفيض الكبير للمعرفة التي يفصح
عنه ردّاً على هذا السؤال لأرْجونا.
الآية الأربعون
قال المولى المبارك:
يا بارتا، ليس هناك فناء له
في هذا العالم أو فيما بعد؛
ما من أحد في الاتجاه العلوي،
يا بنيّ، يذهب في طريق سوء الحظ.
إذا بدأ شخص ما بغسل الثياب ولسبب ما استطاع أن يشطفه مرّة فقط ، يكون قد
نجح على الأقل في إزالة بعض الأوساخ، وبالرغم من أنّ الثوب ليس نظيف جداً،
بالتأكيد إنه لم يتسخ أكثر. عندما يبدأ الإنسان ممارسة التأمل، وحتى إذا
تأمّل فقط لبضعة أوقات وتجاوز فقط مرّة أو مرّتين، ومهما كانت نقاوة العقل
التي اكتسبها فيكون كذلك. |