كلية وجود الكينونة
لقد رأينا أن الكينونة هي العنصر المكون للخليقة وأنها موجودة في كل
طبقة في الخليقة. إنا موجودة في كل الأشكال والكلمات والروائح والنكهات
وأغراض اللمس. إنها موجودة في كل أغراض الاختبار وكل حواس الإدراك
وأعضاء العمل، في كل الظواهر في الفاعل والمفعول به وفي كل الاتجاهات –
الشمال والجنوب والشرق والغرب – في كل الأوقات – الماضي والحاضر
والمستقبل – إنها حاضرة بشكل متماثل. إنها حاضرة أمام الإنسان وخلفه،
وعلى شماله ويمينه، وفوقه وتحته، وفي داخله، وفي كل مكان، وفي كل
الظروف تتواجد الكينونة التي هي العنصر المكون الأساسي للخليقة، في كل
شيء. إنها كلية حضور الله لأولئك الذين يعرفونها ويفهمونها ويشعرون بها
ويحيونها في حياتهم.
إن الخليقة أجمع هي حقل من الوعي بأشكال وظواهر مختلفة. إن الوعي هو
الإشعاع من مركز الكينونة الصافية. إنه مثل التيار الكهربائي الذي يخرج
من البطارية ليصل إلى اللمبة ويشع منها على شكل إشعاع النور. كما يشع
الإشعاع من مصدر، وتنخفض غزارته لحين يصل إلى الحد الذي يختفي فيه
كلياً، كذلك يشع وعي الغبطة من البطارية التي لا تنضب للكينونة، وكلما
ابتعد الإشعاع عن مصدره، ينخفض مستوى الغبطة. يمكننا القول أن الوعي
يظهر في كل أشكال الحياة اللطيف والكثيفة.
أولائك أصحاب القلوب والعقول غير المثقفة، والتي يرتكز نظرهم على
المستوى الكثيف، يرون فقط القيمة السطحية للحياة، إنهم يجدون فقط
نوعيات من المادة والطاقة، ولا يجدون الكينونة البريئة والدائمة الحضور
والكلية الوجود. إن نعومة حضورها هي خلف نطاق أي درجة من النعومة في
الحقل النسبي. إنهم لا يتمتعون بالكينونة الكلية القدرة بحالتها
البريئة وغير المتغيرة من الملاءة والبحبوحة لكل شيء متواجد خلف نطاق
الناحية الواضحة لأشكال وظواهر المادة والطاقة، والعقل والفرد.
إن طبيعة الكينونة الصافية هي تجاوزية وذلك كونها العنصر المكون
الأساسي في الكون. إنها ألطف من الألطف في الخليقة نتيجة لطبيعتها، فهي
غير مكشوفة للحواس، إذ أن دور الحواس الأولي هو فقط من أجل إعطاء
اختبار حقيقة الحياة الظاهرة. وهي أيضاً غير مكشوفة بشكل واضح لإدراك
العقل، لأن العقل متصل بشكل أكبر مع الحواس. إن تركيبة العقل مبنية
بطريقة تربط كل اختبارات العقل مع الحواس كي يتصل مع العالم الخارجي
للأشكال والظواهر.
لقد أظهرت التجارب أن الكينونة هي الطبيعة الأساسية للعقل، ولكن وبما
أن العقل يظل متناغم مع الحواس المتجهة خارجاً باتجاه الناحية الظاهرة
للخليقة، يعجز العقل ويفشل في تقديره لطبيعته الأساسية، تماماً كما
تعجز العين أن ترى ذاتها. وبشكل مماثل يرتكز كل شيء على الطبيعة
الأساسية للعقل، التي هي الكينونة كلية الوجود، وبما أن العقل يبقى
منشغلاً بالحقل البارز للتعددية الظاهرة، فلا يقدر العقل قيمة الكينونة
بالرغم من أنها المكون الأساسي الحقيقي له. وبسبب أن الكينونة هي
الجذور لكل شيء، فهي، وكما هي دوماً، تدعم وجود الحياة ووجود الخليقة
دون أن تظهر ذاتها. إن الوقار الكبير والروعة الكبيرة والجلال الكبير
لطبيعتها البريئة والكلية القدرة والكلية الوجود هي حاضرة في الإنسان
كأساس الأنا والمنطق والعقل والحواس والجسم والمحيط, ولكنها غير واضحة،
إنما تشكل أساس الخليقة كلها.
إنها مثل صاحب العمل القوي الذي من النادر أن نجده في مكان العمل
الفعلي، فهو يبقى بعيداً عن الأنظار، ولكنه يتحكم بشكل فتعل في عمليات
شركته. من أجل أن نراه علينا الاجتماع به على انفراد، بعيداً عن موقع
النشاط الرئيسي للعمل. وهكذا يكون الكلي التحكم بالكون حاضراً في كل
مكان، ومؤثراً على كل شيء ويبقى في أساس قيادة كل النشاطات الكونية
والحياة الظاهرة، ويقطن في غرفة سكون في قلب كل فرد وكل شيء.
إنها صفة الكلي الوجود للكينونة هي المسؤولة عن إخفاء طبيعتها في مكان
ما بالعزلة خارج مكان المتاجرة للعالم. إنها صفة الكلي الوجود للكينونة
هي المسؤولة عن إخفاء الكينونة خلف الحواس وتعطيها حالة من كلية العلم
وكلية القدرة والرب الأسمى للكون.
يقيم رب الكون بشكل لطيف في قلب كل فرد كي يحرص أن لا يتعذب أحد. فهو
يحافظ على الحب غبر المحدود والسعادة غير المحدودة والتطوّر غير
المحدود لكل فرد. إن رب الكون كلي الوجود هو الكريم في بقائه بشكل
طبيعي في كل شيء. لا يستطيع أحداً أن ينقل نفسه منه. إن كلية وجود
الكينونة التي هي خالدة وأبدية وجوهر الحياة الأبدية.