الكينونة، الحقيقة النهائية والأبدية
يمكن لمجد الكينونة كونها الحقيقة النهائية أن يفهم جيداً بواسطة
الاختبار المباشر. عندما يختبر العقل الحالة المرهفة للصوت أو الفكرة،
يمكن أن يتجه بشكل منهجي إلى ألطف حدود الاختبار، وبتجاوزه لهذا
الاختبار المرهف للطبقة النسبية، يمكن للعقل الوصول إلى حقل قد نسميه
الحقل النهائي.
في الأوبانيشاد يتم وصف الكينونة على أنها الحقيقة النهائية التي هي
أبدية لا تفنى. تنشد ترانيم الفيدا والبهاغافاد غيتا مجد الذات التي لا
تفنى، الكينونة، الحقيقة النهائية، البرهمان الذي هو المطلق الأسمى
والأقصى. يقولون: الماء لا تبللها، ولا النار تحرقها. الرياح لا تجففها
والسلاح لا يقتلها. إنا في الأمام والخلف، إنها فوق وتحت، إنها في
اليمين واليسار. إنها كلية الانتشار وكلية الوجود وكينونة إلهية.
تشرح الأوبانيشاد الكينونة من مصطلح أناندا، أي الغبطة، وتحدد موقعها
في مصدر الخليقة ومتغلغلة في كل شيء، وفي كل وقت في الماضي والحاضر
والمستقبل، كل فسحة لكل وقت وكل نواحي السببية، وتكشف عنها في حقل
الحياة التجاوزي.
تستكشف الأوبانيشاد الكينونة كونها البرهمان في الحقل الذي تولد فيه
البرانا الكونية وتنكشف للإنسان في داخل ذاته. إن الكلمات العظيمة
للتنور الموجودة في الفيدا تصف الكينونة بأنها الحقيقة النهائية وتجدها
في الإنسان كونها ذاته التي لا تنفصل عنه. لقد كشفوا الحقيقة في
التغبير القائل: أنا هو وأنت هو وكل هذا هو. هو منفرداً، ولا يوجد غيره
سوى هو. في هذه العبارات وكثيراً مثلها، والتي كانت مصدر الإلهام
والتنور لملايين الأشخاص منذ زمن سحيق، تشرح الفلسفة الهندية وحدانية
الحياة على أنها الحقيقة النهائية والكينونة المطلقة.
إن فكرة الكينونة بأنها الحقيقة النهائية هي متضمنة في السجلات القديمة
للفكر الهندي. إن النصوص الأبدية للفيدا المتوجة بفلسفة الأوبانيشاد،
تظهر أن النسبي والمطلق هما وجهني الحقيقة الواحدة لبراهمان، الكينونة
المطلقة، والتي بالرغم من كونها غير ظاهرة في طبيعتها الأساسية، إلا
أنها تظهر ذاتها كونها الخليقة النسبية.
إن الحياة لا شيء سوى الكينونة في وجهتيها للوجود المطلق والنسبي: إن
وحدانية الكينونة هي تنوع الحياة، والكينونة التي لا تفنى هي الكون
الفاني الدائم التغير.
إن فرضية الكينونة بأنها الحقيقة النهائية والأبدية للحياة هي موجدة
بشكل مؤكد في مقدرة الطريقة المباشرة والعملية المتوفرة لكل إنسان كي
يختبرها. تعطي البهاغافاد غيتا شرح واضح جداً عن طريق التنور، التأمّل
التجاوزي، وتدعي بعدم وجود ما يعيق لذلك، لا يوجد أي عقبة في الطريق.
إنها ممارسة بسيطة تخلّص الإنسان من مخاوف كبيرة.
إن الرسالة العملية للاختبار المباشر للكينونة بأنها الحقيقة النهائية
هي إحدى ما يمجد نواحي الحياة جميعها. إنها فريدة في تثبيت الكينونة
على أنها المطلقة وأنها الحقيقة النهائية لكل المراحل النسبية للحياة.
بما أن الكينونة هي الأقصى تكون طبيعتها تجاوزية. لهذا السبب إن حقل
الكينونة ليس ملموساً. يمكننا وصفه فقط بأنه مجرد، بالرغم من أن كلمتي
ملموس ومجرد هما نسبيتين، كليهما لا يعبران بحق عن طبيعة الكينونة. لكن
ومن أجل الفهم، إذا أردنا أن نستخدم كلمة كي نصف طبيعة الكينونة يمكننا
القول بأنها مجردة وغير ملموسة، بالرغم من أن اختبارها ملموساً جداً
وأكثر من اختبار ملموس للحياة النسبية.
نتيجة لطبيعتها المجردة، ومنذ عهد قريب، تعتبر دراسة الكينونة ذو طبيعة
غامضة، وهذه النزعة هي المسؤولة عن حرمان عامة الشعب ولمئات الأجيال
الماضية من المنافع الكبيرة لاختبار الكينونة.
الآن، ومع توفر الطريقة المنهجية للاختبار المباشر للكينونة التجاوزية
النهائية، إن الكينونة لا تخرج فقط من حقل الغموض إلى أضواء العلم
الحديث، إنما تؤمن أيضاً الإنقاذ والمأوى ضد الخوف من الإلغاء الذي
تعززه المعرفة المتزايدة للإنسان في العلوم المختلفة.
إن وجود الكينونة، كونها الحقيقة الأبدية النهائية، يؤمن الإمكانية
لدعم وتقوية الحياة الفردية بالأساس العميق لحياة أبدية للمطلق. على
الأوجه الدائمة التغير للحياة الفردية أن ترتكز على الوجهة غير
المتغيرة للكينونة التي هي الحقيقة الأبدية النهائية. هناك همزة وصل من
البرانا تربط الحقل غير المتغير للكينونة الأبدية مع النواحي الدائمة
التغير للحياة النسبية.