العقل والكينونة
إن العقل هو موجة في بحر الكينونة. تظهر الكينونة المطلقة غير الظاهرة،
وبحافز من طبيعتها الذاتية، البرانا، بأنها العقل، تماماً كما يظهر
البحر وبحافز من الريح بأنه الموج.
تلعب الكارما دور قوة الريح الذي ينتج موج العقل في بحر الكينونة غير
الظاهرة. لوضح ذلك، يمكننا القول بأن البرانا ومع تأثير الكارما، تكون
العقل.
يقودنا هذا الشرح إلى الفكرة القائلة أنه لو لم يكن هناك من تأثير
للكارما لما وجد العقل. وهنا نتساءل ما إذا كان على الكارما أن تكون
موجودة أولاً كي يوجد العقل.
عندما ننظر إلى الكارما نجد أنه من دون العقل (الفاعل) لا يمكن للكارما
أي النشاط أن يأتي. هذا ما يظهر التبعية المتبادلة للعقل والكارما.
وبالتالي من الصعب تحديد ا إذا كانت الكارما قد أتت من العقل أو العقل
قد أتى من الكارما.
يمكننا حل اللغز في القول بأن العقل قد أتي من الكارما ويخلق الكارما،
وكذلك إن الكارما تأتي من العقل وتخلق العقل. تعطي البذرة شجرة ومن ثم
تعطي الشجرة بذرة. لا يمكننا تحديد من الذي أتى قبل الآخر في البدء. لا
يمكن التحديد بصورة دقيقة نقطة بداية حلقة البذرة والشجرة. يمكن القول
فقط أن البذرة هي المسبب للشجرة، والشجرة هي المسبب للبذرة. ولكن لا
يمكن تأكيد من المبتدئ.
لم يقدم لنا علم الميتافيزيقا (علم ما وراء الطبيعة) أية معلومات عن
ذلك، ويكتفي بمعرفة أن حلقة البذرة الشجرة قد وجدت، وسوف تستمر في
الوجود. وكذلك لا يوجد البرهان ما إذا كانت البرانا هي التي أوجدت
العقل أم العقل هو الذي أوجد البرانا.
من أجل تحقيق الغايات العملية، إن ما تم تثبيته فقط هو مبدأ التبعية
المتبادلة فيما بين العقل والبرانا.
يمكننا أن نفهم ذلك من مصطلح الكارما. إن الكارما من الحياة السابقة هي
المسؤولة عن هوية العقل في الحياة الحاضرة؛ إن مستوى التطور الذي
اكتسبه العقل في الحياة السابقة، يعطي وضع العقل في الحياة الحاضرة،
وانطلاقاً من الكارما في الحياة السابقة، يبدأ العقل الحياة الحاضرة.
الكارما غير فعالة. عندما يتم إلحاق الكارما غير الفعالة بقوة الحياة،
البرانا، تعطي العقل. يتركب العقل من البرانا والكارما، ومن خلال
البرانا يتصل العقل بالكينونة غير الظاهرة. هكذا نجد أن العقل هو
المرحلة الثانية في عملية الظهور أي الخليقة، والبرانا هو الأول.
هذا ما يوضح موقع العقل في حقل الخليقة وعلاقته مع الكينونة التي هي
النهاية القصوى.
إن البرانا هي التعبير الأول للذكاء الكوني. ومن جراء تأثير الكارما،
تكسب البرانا صفة الشخصية الفردية وتظهر كعقل شخصي. وهكذا يكون العقل
الشخصي انعكاس للعقل الكوني أو الذكاء الكوني. تماماً كما هي البرانا
التعبير الظاهر للبحر الأبدي للكينونة غير الظاهرة. كذلك هو العقل
انعكاساً للذكاء الكوني على الكارما.
يظهر ذلك أنه قبل أن يخلق العقل، كان هنا في المبدأ عنصر الكارما. هذا
ما يقودنا إلى الاستنتاج لوجود خليقة قبل الخليقة. كان هناك نهار قبل
هذا النهار، وليل قبل هذا الليل. إن حلقة الخلق والفناء هي الحلقة
الأبدية لأبدية الكينونة.
في عملية الخليقة، وجد العقل بسبب وجود عقل من قبل، الذي خلق بعض
الكارما التي استمرت في الوجد لتشكل أساس العقل الحالي.
هذا ما يجعلنا نتصور وجود حقيقتين في أساس الخليقة. الأولى هي الحقيقة
الأبدية للكينونة المطلقة، والأخرى هي حقيقة الكارما، التي، وبالرغم من
وجودها في الحقل الدائم التغير في الوجود النسبي، تجد وضعها الأبدي في
الحلقة المستمرة دوماً للعمل والاختبار والانطباع. إن انطباع الاختبار
هو ألطف ما يبقى من الكارما أي العمل، الذي يحافظ على وجوده في المستوى
المرهف للعقل، في نقطة التقاء العقل مع البرانا. إنها على هذا المنبسط
تبدأ الخليقة - حيثما تصبح الكينونة عقلاً – وبتأثير الانطباع المرهف
للكارما، وفي وقت واحد، تأخذ البرانا دور العقل. يمكن القول أن الخطوة
الثانية في الخليقة تأتي بشكل متزامن تقريباً كي تنتج، بالمبدأ،
ميكانيكية حواس الإدراك تمكن العقل على العمل لتحقيق حقيقة العقل
والحواس. تأتي المادة إلى الوجود كي تشكل الميكانيكية الفيزيائية التي
من خلالها تجد الحواس الخمس للإدراك، تعبيرها من أجل تبرير صلاحية
خلقها ووجودها وعملها كوسيط للعقل في عملية التطور والخلق. هذه هي غاية
تكوين الحواس والجهاز العصبي والجسم.
يوضح هذا الشرح الميكانيكية المرهفة للخليقة ويصف المبادئ التي هي في
أساس خلق العقل والحواس والجهاز العصبي والجسم وعلاقتها جميعها مع
الكينونة.
إن الكينونة هي البحر الأبدي غير المقيد للحياة المطلقة. إنه طبيعتها
تجاوزية، ولذلك فهي خالية من أي خاصية. يمكن اختبارها بشكل أكيد، ولكن
اختبارها يتم في حقلها الخاص للوجود التجاوزي للوعي الصافي عندما
يتجاوز العقل جميع حقول الاختبار النسبي ويصبح واحداً مع الكينونة،
ويكسب حالة الكينونة، ويفقد صفة العقل الواعي. هذه الحالة من الوجود
المطلق والمنزه من أي خاصية يتواجد بشكل كامل خلف نطاق التخيّل أو أي
مفهوم أو تفهم منطقي.
يحاول العقل البشري بشكل طبيعي أن يفهم الحقيقة النهائية ويقف عند شاطئ
البحر غير المحدود لحكمة المطلق. في محاولاته لفهم ما هو متعذر فهمه
وفهم التجاوز يأخذ مسلك فهم الحقول المرهفة للخليقة آملاً بأنه عندما
يفهم الطبقات المرهفة في الخليقة، سوف يكون من الممكن فهم الطبيعة
الحقيقية للنهائي الأسمى.
من أجل المساعدة في هذا التساؤل في طبيعة الكينونة وعلاقتها مع الحقول
المرهفة للخليقة الذاتية والموضوعية، سوف نناقش بشكل محدد وموجز حالة
الكينونة وتعاقب خلق البرانا والعقل والحواس والجهاز العصبي والجسم.
لقد أصبح جلياً لنا بأن الكينونة لا تظهر (بسبب أنها تجاوزية بشكل كامل
ولها طبيعة خالية من الخاصية، إنها ليست في وضع يسمح لها بالظهور أو
بمقاومة الظهور)، إنما وبإفادة من الكارما التي تنعكس على الكينونة، او
التي تتلقى انعكاس الكينونة وتصبح قادرة على الخلق، وبالتالي تكسب
خاصية البرانا. ومن هذه النقطة، ونتيجة لذلك الانعكاس، تبأ الخليقة
اجمع، تاركةً الكينونة كي تبقى بلا تغيير في حالتها الأبدية للمطلق.
وهكذا ودون حدوث أي شيء للكينونة المطلقة، تبدأ الخليقة بأشكالها
وظواهرها المتعددة، نتيجة لإفادة الكارما التي تحثها البرانا، وينفذها
العقل، تاركين الكينونة دون مساس.
بما أن الكينونة هي كلية الوجود، فهي منتشرة في كل التعددية في
الخليقة. لا يوجد شيء من دونها. وكل شيء هو هي. وهكذا إن حالة الخليقة
لا تمت بصلة بالكينونة، وفي الوقت ذاته، إن الكينونة هي كل الخليقة. إن
العقل لا يمت بصلة بالكينونة وفي الوقت ذاته إن طبيعته الأساسية هي
الكينونة.
يستمر دولاب الكارما في الخلق والتطور والفناء في الخليقة الظاهرة
بحلقات من الوجود وعدم الوجود للكون برمته، ويجد الفرد حصته فيه كجزء
منه.
نجد في الواقع أن الحياة هي أبدية ومطلقة. أما في الحقيقة لاشيء موجود
غيره هو. إن حياة كل الأشكال والظواهر النسبية والدائمة التغير وحياة
الوجود الكوني بأكمله هي في الكينونة الأبدية، وفي الوقت ذاته ترتكز
مراحلها الظاهرية هي على منبسط الكارما التي ليس فيها حالة مطلقة. تجد
الناحية النسبية حالة مستمرة في حلقات الخلق والفناء. هذا ما يعطينا
الفكرة عن وجود أساسين في الحياة – الكينونة المطلقة والكارما. وهنا
نتساءل هل من الممكن وجود حقيقتين نهائيتين؟
من المؤكد أن هذا ما يوصل البحث عن الحقيقة النهائية إلى يأس ويوقع
الباحثين عن الحقيقة في الشك.
من المؤكد أنه لا يمكن وجود حقيقتين نهائيتين للحياة – الكينونة
والكارما. من المؤكد وجود حقيقة نهائية واحدة. ويبقى علينا أن نكتشف ما
هي النهائية الكينونة أو الكارما؟
لقد رأينا أن الكينونة بطبيعتها الأساسية هي الوجود المطلق وهذا وحده
يمكن بالتأكيد أن نقبل به على أنه الحقيقة النهائية للحياة والوجود.
ولكن لقد رأينا أيضاً أن هذه الحقيقة النهائية، الكينونة، هي المطلق،
وبكونها المطلق، فهي بدون خاصية ولا يمكنها أن تخلق. لقد قيل أن
الخليقة قد ظهرت نتيجة للانعكاس الكينونة على الكارما، أو الكارما على
الكينونة اللتان يحملان معاً الفائدة للبرانا والكارما والعقل. لقد قيل
أن الخليقة تأتي نتيجة لما نسميه الكارما، التي بقوة ذاتها تلعب دور
البرانا، أي الطاقة الحيوية للحياة والخليقة.
هذه الميزة للكارما بلعب دور البرانا من أجل بدأ الخليقة في الحضور
الكلي للكينونة الأبدية يعطي الأمل للباحثين عن الحقيقة الواحدة
النهائية والسامية. إن فهم انبثاق الكارما من الكينونة يعطي المبرر
للبحث عن الحقيقة الواحدة النهائية.
لا تسمح الطبيعة الكلية الوجود للكينونة للكارما أن تمنح حالة مستقلة
على أنها النهائي. تجد الكارما ذاتها متداخلة في الطبيعة الحقيقية
للكينونة وتجد الخليقة مصدرها فيها. هذا ما يصنف الكينونة بأنه الحقيقة
الواحدة الأسمى التي لها منفعة الكارما في طبيعتها الخاصة من أجل غاية
الخليقة.
إن إدراك الكينونة الأبدية كونها الحقيقة الواحدة الأسمى والنهائية
للوجود يجد أن هذا السبب للخليقة أي القدرة الكلية للخلق، هي كامنة في
الطبيعة الحقيقية للكينونة وتعكس ذاتها بشكل الخليقة. هكذا نجد أن
الكينونة الأبدية المطلقة والخالية من الخاصية هي الحقيقة النهائية
للوجود، ونتيجة لطبيعتها الخاصة تستمر عملية الخلق والتطور والفناء إلى
الأبد ودون أي تأثير على الحالة المطلقة للكينونة الأبدية.
هذا ما يعطي الصورة الشاملة عن الكينونة الأبدية المطلقة بالعلاقة مع
ذكائها الخلاق الكوني وكلي القدرة، أي العقل الكوني والعقل الفردي.