كيف نعيش الكينونة
إن الكينونة هي ليست بشيء موجود ويمكن جلبه من مكان ما والعيش به. إنها
الوجود، الحياة الحقيقة لكل شيء. إنها متغلغلة في الكل، إنها حالة كلية
الحضور للوعي المطلق. من أن نعيشها، على العقل الواعي أولاً أن يصبح
ملماً بها بالوسائل التي تم شرحها تحت عنوان "كيف نتصل بالكينونة".
في التأمّل التجاوزي وعندما يتجاوز العقل المستوى الألطف للتفكير، يصل
إلى حالة الكينونة. إنها حالة عدم الوجود لأن الحقل الكامل للنسبية قد
تم تجاوزه. إنها مجرد حالة التجاوز، وحالة الوجود، وحالة الوعي الصافي،
إنها هو، إنها الأنا.
من هذه الحالة للكينونة الصافية يعود العقل مرة أخرى كي يختبر الفكر في
العالم النسبي. من خلال تنقله الدائم بين حقل التجاوز والحقل النسبي،
يتعمق التآلف مع الطبيعة الأساسية للكينونة، ويصبح العقل أكثر وعياً
بشكل تدريجي على طبيعته الأساسية. مع زيادة الممارسة، تزداد قدرة العقل
على الحفاظ على طبيعته الأساسية في حين يختبر الأشياء من خلال الحواس.
عندما يحدث ذلك، يصبح العقل واحداً مع طبيعته الأساسية التي هي حالة
الكينونة التجاوزية، وعندها يكون العقل قادراً على الاحتفاظ بطبيعته
الأساسية – الكينونة – في حين يكون مرتبط بالفكر والكلام والفعل.
من أجل الوصول إلى مثل هذه الحالة للعقل، هناك شيئان ضروريان. الشيء
الأول، وكما رأينا هو ممارسة التأمّل التجاوزي، والشيء الآخر، وهولا
يقل أهمية من أجل الوصول السريع إلى الهدف المرجو، هو بأن لا يحمل
العقل الجهد الكبير بعدما يخرج من التأمّل وينشغل في حقل النشاط. يجب
الاعتناء بالحقل الكامل للنشاط بشكل جيد، علينا اختبار كل شيء، وعلينا
القيام بكل عمل ضروري، ولكن يجب أن لا نرهق العقل. يجب أن نقوم بكل شيء
بطريقة سهلة جداً. من الضروري أن نأخذ الحياة بشكل طبيعي وسهل من أجل
أن نستطيع إدخال الكينونة سريعاً في طبيعة نشاط العقل.
عندما يتجاوز العقل الواعي ويبلغ حالة الكينونة، يصبح مئة بالمائة من
حالة الكينونة. يفقد العقل فرديته ويصبح عقلاً كونياً؛ يصبح كلي الحضور
ويكسب الوجود الأبدي الصافي. في التجاوز لا يكون للعقل القدرة على
الاختبار. هنا لا يكون العقل موجوداً، فيصبح الوجود.
عندما يعود العقل إلى حقل الحياة النسبية، يسترجع الفردية مرة أخرى،
ولكن يبدو أنه يحافظ على البعض من الحالة الكونية العظيمة وغير المقيدة
والتي كان قد اختبرها. مع الممارسة يستطيع العقل أن يحافظ على المزيد
من ذلك الاختبار في نشاط الحياة اليومية.
من الطبيعي أن يؤثر انشغال العقل في حقل النشاط على الطبيعة الأساسية
للعقل التي هي الكينونة الصافية. ولكن إذا انشغل العقل في النشاط بشكل
سهل وبدون مجهود وبسيط وبطريقة طبيعية، يصبح التغلغل أكبر لعنصر
الكينونة في طبيعة العقل. أما، ومن جهة أخرى، إذا تعرض العقل للجهد
خلال النشاط، فسيصبح تغلغل الكينونة في طبيعة العقل أقل فعالية. مثال
على ذلك: عندما نغمس قطعة قماش بيضاء في الصباغ الأصفر يصبح لونها
أصفر. عندما نسحبها، لن يكون عمق اللون غامقاً كما كان يبدو عندما كانت
قطعة القماش في الصباغ. إذا تركنا قطعة القماش في الظل لبعض الوقت، سوف
يخف اللون أكثر، أما إذا عرضنا قطعة القماش مباشر إلى الشمس، لوجدنا أن
اللون يخف بسرعة أكبر بكثير.
كذلك، عندما يغطس العقل في الحالة التجاوزية للكينونة، يصبح كينونة
صافية. وإذا تعرض للعمل بطريقة طبيعية وعادية بعدما يخرج من التجاوز،
يحافظ على عناصر الكينونة لبعض الوقت. ولكن إذا تعرض العقل للإرهاق من
النشاط، عندئذ تكون غزارة ما امتصه من الكينونة أقل بكثير. لذلك، من
المهم أنه عندما يشغل الفرد نفسه في حقل النشاط عليه أن يقوم بذلك
بطريقة طبيعي جداً حيث يخدم النشاط كوسيلة لتثقيف العقل ليكون في حالة
الكينونة.
هكذا نجد أن الممارسة المنتظمة للتأمل التجاوزي والنشاط المنظم
والمعتدل في الحياة هي طريقة مباشرة كي نعيش الكينونة، وتكون الطريق
المختصر لخلق حالة من الوعي يعيشها الفرد ويكون فيها، بشكل متزامن، كل
من الكينونة المطلقة وحقل الحياة النسبي، وهكذا لا يكون الفرد عائق
لغيره.
في فصل "فن الحياة" نوضح أنه بنظام التأمّل التجاوزي، ليس ممكنا فقط،
بل يكون سهلاً لكل فرد أن يصقل حالة الوعي الكوني التي بها نعيش
الكينونة مع كل قيم الحياة النسبية.
إن من يباشر الممارسة التأمّل التجاوزي يشعر بقوة أكثر، وبوضوح ذهني
أكبر، وصحة أفضل. ويكتسب مهارة أكبر وحيوية في جميع حقول النشاط. على
المتأملين أن يتنبهوا، وبالرغم من ذلك، بأنه كلما تزداد فعاليتهم
الفكرية والبدنية، عليهم أن لا يجهدوا أنفسهم في العمل إلى حد استنفاذ
طاقته ووقتهم بحيث لا يجدون الوقت للتأمل. عندما نروي الجذور، تصبح
الشجرة أكثر اخضراراً وأكثر حيوية من أجل أن تزيد نمواً. إذا كانت
عملية النمو هي الأكثر أهمية بالنسبة للشجرة لدرجة أنها لا تجد الوقت
لامتصاص الماء من الجذور، عندئذ سوف يضيع المرتكز الأساسي للنمو.
من الضروري أن نتنبّه بأنه، وبالرغم من تغلغل عنصر الكينونة في طبيعة
العقل، ما يؤدي إلى تجديد الشخصية، والصفاء الذهني و الطاقة الأكبر،
إلا أن هذه العملية هي حساسة جداً. إنها تجري على مستوى الكينونة، التي
هي الوجود الحقيقي للفرد، فهي لا تجري على مستوى العقل الواعي. لذلك
علينا أن ننبه جميع الأشخاص الطموحين عدم توقع الشعور بالكينونة على
مستوى العقل الواعي.
إن أي تأثير يأتي من التأمّل التجاوزي فهو يحدث في حقل الكينونة. إنها
مثل الشجرة التي تمتص الماء من جذورها، وبالتالي تنال جميع أطراف
الشجرة الغذاء والانتعاش بشكل تلقائي، بالرغم من أن أطراف الشجرة لا
تعرف ولا تختبر عميلة امتصاص الماء من قبل الجذور. ويظهر التأثير
بازدياد النضارة في جميع أطراف الشجرة. ربما تشرع إحدى الأوراق في
المجادلة بأنها تشعر بالتحسن ولكنها لا تشعر بأنها تنال التغذية. إن في
تكوينها ومنذ البداية هي تنال طاقة الحياة بشكل طبيعي من الجذور. إنها
العملية ذاتها مستمرة ولكنها بنطاق أكبر. لهذا السبب لا تدرك الورقة
حدوث أي شيء لها. إن ما يحدث لها يدركه كل من رأى الشجرة تجف ويراها
الآن منتعشة ونضرة.
هكذا، عندما يتأمل الفرد، يختبر زيادة في الطاقة وصفاء ذهني، ولكنه لا
يختبر العملية الفعلية لتغلغل الكينونة في طبيعة العقل. إن العملية
كلها هي صامتة على مستوى الكينونة الصافية. كلما يختبره العقل خلال
التأمّل، هو الحالات النسبية لوسيلة التأمّل. وتصبح هذه الحالات ألطف
وتزداد لطفاً لحين زوال أي أثر لوسيلة التأمّل وعندها يبقى العقل
وحيداً بذاته في حالة الوعي الصافي.
مع الممارسة المنتظمة، يستطيع الفرد أن ينجح في عيش الكينونة. إن تغلغل
طبيعة الكينونة في طبيعة العقل هي على مستوى الكينونة التي هي الطبيعة
الحقيقية للعقل.
لذلك، إن عيش الكينونة هي حالة لا يمكن وصفها؛ فهي يمكن عيشها فقط، لأن
الوصف لا يمكن أن يعطي وصفاً كاملاً للحالة.
يشبه ذلك حالة شخص يأكل شيئاً ما ويطلب منه وصف نكهة ما يأكل. سيكون
صعباً جداً عليه وصف النكهة الصحية بالكلام، بالرغم من أنه يتذوق
الطعام بشكل كامل. وهكذا مع إمكانية عيش الكينونة في الحياة بشكل حسن
جداً، وهي حالة من الاختبار، ولكن لا يمكن أن يتم انعكاسها بشكل دقيق.
في بداية الممارسة تنعكس الكينونة بشكل حساس جداً على طبيعة العقل.
ولكن ومع استمرار الممارسة، تصبح متغلغلة بشكل عميق في العقل إلى أن
تصبح عميقة جداً وواضحة وثابتة، فتتعايش مع الفرد في كل وقت وخلال كل
اختباراته في حالات اليقظة والحلم والنوم العميق. عندئذ يعيش الفرد
الحرية الأبدية في حياة الاختبار النسبي.