الحياة العادية
في معالجتنا لمسألة "ما هي الحياة؟" أوضحنا أن للحياة ناحيتين، النسبي
والمطلق. لذلك، يجب أن تعني الحياة العادية بأن يتم عيش قيمة هاتان
الناحيتان والتمتع بها بطريقة طبيعية، من أجل تحقيق الرغبة العامة
للحياة.
تعني الحياة العادية استخدام القيم الكاملة للحياة الكاملة، ويعني ذلك
جميع القيم لحقول الحياة النسبية وجميع القيم للحقل المطلق للحياة.
كلاهما سوياً يشكلان الحياة العادية.
لقد رأينا أيضاً أنه في الناحية النسبية للحياة هناك ناحيتين وهما
الناحية الذاتية والناحية الموضوعية. الذاتي هو الناحية الداخلية
للفرد، والموضوع هو الجسم الخارجي. إن قيم الحياة الخارجية للفرد
(الجسم) وقيم الحياة الداخلية للفرد (التي تتضمن الأنا والمنطق والعقل
والحواس والبرانا والكينونة المطلقة) كليهما معاً يمثلان الحالة
العادية للحياة.
على الجسم والعقل أن يعملا بشكل عادي، وعلى الكينونة أن تكمل جميع حقول
للوجود النسبي وعلى المحيط أن يكون متناغماً ومفيداً. إن هذا النوع من
الحياة يمكن تسميته بالحياة العادية. عندما يتمتع الفرد بكل قيم الوجود
البشري، التي تتضمن القيمة الأبدية لوعي الغبطة للكينونة الإلهية مع
الاستخدام الأقصى لكل الأمجاد الممكنة للحياة المادية، عندئذ يمكننا
القول بأن الحياة هي في حالتها العادية. عندما تغلغل جميع قيم الحياة
إلى كل من الجسم والعقل والمحيط وهي مكملة بالقيم الإلهية، التي هي
طبيعة الغبطة للكينونة المطلقة، حينئذ تكون الحياة الأرضية الممتلئة
بالحرية الأبدية هي الحياة العادية للكائن البشري. إن المستوى العادي
للحياة البشرية هو حياة بالحد الأقصى من أمجاد الحقل المادي للعالم،
والمكتمل بالحرية الأبدية لوعي الله. إن الوعي اكوني هو الوعي العادي
للكائنات البشرية.
إن مستوى الحياة البشرية هي ليست ما نعتقد عادة، محددة بالطرق المختلفة
لمعيشتنا أو ملبسنا أو نومنا أو مشينا أو لعبنا أو تخاطبنا أو سلوكنا
الاجتماعي، أنها المستوى السطحي للقيم البشرية. أما القيمة الحقيقية
الأساسية للحياة البشرية هي وعي الغبطة التي تضع الإنسان مرتبة عالية
من الحرية الأبدية في حين يبقى منشغلاً في العالم اليومي من القيم
المتغيرة.
إن الوعي الكوني هي الحالة العادية للحياة البشرية، ومن أجل الوصول
إليها علينا أن نبدأ في أن نعيش حياة عادية. إن من لم يحقق الوعي
الكوني لا يكون قد وصل إلى مرتبة الحياة البشرية العادية، ويكون مستوى
معيشته مغايراً لمستوى الحياة البشرية العادية؛ فهو أقل من المستوى
الحياة البشرية، إنه متدني نحو المستوى الحياة الحيوانية.
ما هو الفارق بين حياة الإنسان وحياة الحيوان؟ إن عملية المحافظة على
الحياة هي ذاتها في الحالتين. إن الحيوان والإنسان كليهما يأكل ويشرب
وينام ويكون نشيطاً. إن كل ما تتمتع الحواس الذي يحصل عليه الإنسان
نتيجة لتواصله مع أغراض الحواس هي موجودة أيضاً وبشكل طبيعي في حياة
الحيوان. ينكمش الحيوان من الموت تماماً كما يفعل الإنسان. يبدو أنه لا
يوجد أي أفضلية لحياة الإنسان على حياة الحيوان بما يخص بالحفاظ على
الحياة.
إن أفضلية الجنس البشري على الحيوان هي بسب قابليته على التفهم الأكبر،
وقابليته على إدراك المجال الأكبر للحياة، وقابليته على معيشة القيم
الكاملة للحياة، وقابليته على العمل باستقلالية. يتحلى الإنسان بحرية
العمل، في حين أن عمل الحيوان تسيّره قوانين الطبيعة. تعتني الطبيعة
الأم بكل نشاطات الحيوانات وهي جميعها بنمط محدد. يحافظ المعني بتطور
الحيوانات على حياتهم بنمط محدد ومعين. لا يمتلك أي من الحيوانات عقلاً
متطوّراً كي يشذ عن مسلك تصرفاته التي تحددها له قوانين الطبيعة. في
حين أن الإنسان الذي يملك جهازاً عصبياً متطوّراً والذي من خلاله يمكنه
أن يختار بين الحفاظ على عمله طبقاً لقوانين التطوّر أو يمكنه أن يشذ
عن تلك القوانين. للإنسان الخيار إما أن يتقدم مسرعاً قي طريق التطوّر
أو أن يذهب في الاتجاه المعاكس نحو الانحطاط.
يملك الإنسان دماغاً متطوراً، فهو في وضع يسمح له التمييز بين الصواب
والخطأ؛ لذلك تكمن مسؤولية السلوك الصحيح في قوة الإنسان. يملك الإنسان
القابلية على اختبار الحقل المجرد لوعي الغبطة بشكل مباشر. كما يملك
الإنسان القابلية على اختبار الحقول المرهفة في الخليقة. يؤمن الجهاز
العصبي البشري المتطور جداً للإنسان القابلية على اختبار المستويات
المرهفة للفكر، ولتجاوز المستوى الألطف للفكر والصول إلى الحالة
التجاوزية للوعي الصافي، التي هي حالة الكينونة المطلقة. هذه الميزة هي
القيمة الكبرى والخاصة لتفوق الحياة البشرية على حياة الحيوان.
إن القابلية لعيش الحالة التجاوزية في موازاة اختبارات الطبيعة
التحولية للوجود النسبي هي القدرة العادية للحياة البشرية.
عندما لا يعيش الفرد حياة عادية أي حياة يستخدم فيها طاقته الكاملة،
يشعر بالبؤس والتوتر والمعاناة في عدة طرق.