اضغط هنا لتعود إلى صفحة الموقع الرئيسية صحة الجوّ
 

  موقع الإشراق الشبكة العالمية

Home المدخل
Up فوق
الصحة العقلية
الصحة البدنيّة
التأثيرات الفسيولوجية
صحة الجوّ

 

صحة الجوّ

 

يتكوّن جوّ الفرد من إشعاعات عقله وجسمه. تعتمد نوعية الجوّ حول الفرد على نوعية الإشعاعات التي يطلقها تفكيره ونشاطه.

إنّ الجوّ الذي يخلقه الإنسان الكسول يكون خاملاً وكئيباً، بينما الإنسان النشيط يحمل معه تأثيراً ديناميكي.

ينتج كلّ إنسان جوّه الخاص، و يتأثّر جوّ كلّ شخص بما ينتج من تأثير من قبل كلّ رجلٍ آخر. من أجل إنتاج الجوّ الصحّي النشيط، يجب أن يتمتع الفرج بالصحّة.

رأينا بأنّ الصحة تعتمد على حالة الكينونة. لذلك، في محاولتنا لإيجاد صيغة للصحة الجيدة للبيئة المحيطة، علينا أن نحاول بصورة رئيسية اكتشاف كيف يمكن أن نجلب الكينونة إلى مستوى الجوّ أو كيف يمكن أن تجلب البيئة المحيطة إلى مستوى الكينونة.

من إنتاج تأثير الكينونة في الجوّ من الضروري أن يكون العقل والجسم ثابتين في الكينونة. هذا، كما رأينا، يحدث بأخذ المستوى الواعي للعقل إلى المستويات المرهفة للتفكير، وتجاوز التفكير في النهاية. ومن ثمّ يُترك المفكّر وحده وتخلق الكينونة في الفرد.

رأينا أيضاً بأنّه عندما يثبت العقل في حالة الكينونة، يتوقّف نشاط الجسم ويستقر الجهاز العصبي بالكامل على طبقة الكينونة. عندما يثبت العقل والجسم على هذه الطبقة، تنال البيئة المحيطة بشكل طبيعي، ولكونها باتصال بالجسم، التأثير المطابق وإشعاع من الانسجام والسلام والحياة الأبديّة، لأن طبيعة الكينونة هي الحياة الأبديّة والجود الأبدي، وكلّ النقاوة، والغبطة المطلقة والوعي الصافي. هكذا، وبجلب العقل والجسم إلى مستوى الكينونة،  يتشرب الجوّ قيمة الكينونة. بشكل طبيعي

عندما يخرج العقل من الحالة التجاوزي للكينونة، ويشغل نفسه في حقل التفكير، تكون لعملية التفكير الكامل قاعدتها الواعية على مستوى الكينونة. إن الاهتزازات المنبعثة بعملية التفكير لها صفة الكينونة؛ وهي صفات الانسجام والنقاوة والغبطة. هكذا، وبكسب المنزلة الواعية للكينونة، يشعّ العقل بشكل واعٍ تأثير الكينونة في الجوّ. هكذا يصبح النشاط الخارجي وسلوك الإنسان مشبعاً بصفة الكينونة.

عندما يتم جلب العقل إلى مستوى الكينونة، يكون ثابت على مستوى القانون الكوني، وقد رأينا بأنّ مثل هذا العقل، عندما يخرج من الحقل التجاوزي، يخرج مشبعاً بالكينونة. وعندما، وبالممارسة، يستمرّ تغلغل الكينونة إلى أن تصل على مستوى العقل الواعي - وحتى عندما يشغل العقل نفسه في النشاط الخارجي - يبقى العقل فبصلة حميمة وثابتة بالقانون الكوني، الذي هو قاعدة كلّ قوانين الطبيعة.

في الجوّ الخارجي يحلّ مثل هذا الفرد في الحالة الأكثر طبيعية للتطور الكوني، لأنه عندما يعمل العقل من مستوى القانون الكوني، عندئذ تكون كلّ قوانين الطبيعة وكأنها في الانسجام الكامل بالعقل. عندما تكون قوانين الطبيعة حول الفرد متناغمة جداً بالعقل الثابت في القانون الكوني، عندئذ تتخلص الطبيعة المحيطة بالفرد بالكامل من أيّ إجهاد وتنافر.

إن التنافر في الطبيعة هو بسبب عدم تناغم العقل مع القانون الكوني. يجب أن نفهم هذه النقطة بعمق. عندما يتوافق العقل مع القانون الكوني، تكون كلّ قوانين الطبيعة بانسجام المثالي لتطلّعات العقل. هذا يترك كامل البيئة المحيطة بالفرد في الانسجام المثالي وبطريقة طبيعية أكثر وبحالة طبيعية أكثر، وخالية من أيّ توتّر أو إجهاد.

هكذا وعندما تكون البيئة المحيطة متناغمة بالكامل مع الفرد، يثبت الانسجام المثالي في كلّ الطبقات المختلفة للطبيعة حول الفرد. عندما يكون كل من الجسم والعقل متناغماً بالقانون الكوني، يصبح كامل الجوّ المحيط بالفرد موافقاً مع الغية الكونية. يكون كلّ شيء متوافقاً. هكذا، وبجلب العقل والجسم إلى الإتحاد مع الكينونة، يتم خلق تأثير الحياة والانسجام بشكل طبيعي في البيئة المحيطة. وهكذا يتم جلب البيئة المحيطة لتأخذ تأثير الكينونة. عندما يشتغل العقل وهو ثابت في حالة أن الكينونة، وعندما يكسب الفرد وعياً كونياً، عندئذ يبعث كلّ فرد اهتزازات الكينونة. وبذلك يتم إظهار الكينونة التي كانت في المستوى التجاوزي إلى الحقل النسبية. تتذبذب كلّ أفكار الإنسان وأعماله وكلماته بالكينونة وتجلب الكينونة التجاوزية إلى مستوى البيئة المحيطة.

من الطبيعي أن تكون كلّ الطبقات المختلفة للخليقة لا شيء سوى مراحل مختلفة من تذبذب الكينونة. لكن عندما لا يكون عقل الإنسان في الإتحاد الواعي مع الكينونة، قد لا تكون اهتزازات العقل متوافقة مع القوانين الطبيعية. عندما يكون الفرد ثابتاً في الكينونة الكونية ويطلق تذبذباته الشخصية، تتغلغل الكينونة في الجوّ. وبذلك تصبح الكينونة الموجودة في كلّ الطبقات المختلفة للطبيعة وكأنها حيّة وتتذبذب الائتلاف المثالي في كلّ المستويات المختلفة للخليقة. وهكذا تصبح المستويات المختلفة للخليقة مترابطة مع بعضهم البعض تحت الظروف الأكثر طبيعية من الصلة، بقوانين الطبيعة التي تعمل في مستوياتهم المختلفة. هذا ما يزيل أيّ تنافر أو نزاع بين الطبقات المختلفة للخليقة من حول الفرد التي ربّما تكون قد تواجدت عندما لم يكن العقل في توافق مع القانون الكوني. إن هذا الأمر هو عميق جداً ولكنه حقيقة الطبيعة.

عندما لا يكون العقل متناغماً بالقانون الكوني، أو متناغم مع الكينونة، وعندما لا يعمل في حالة الوعي الكوني، لا يعمل بالتوافق الكاملة مع قوانين الطبيعة. مثل هذا العقل، ومن دون أيّ معرفة، حتى من دون أيّ نية للقيام ذلك، يكون ميالاً لبث تأثير من التنافر والنزاع.

يعمل العقل بشكل طبيعي، إما بطريقة تكون فيها كلّ قوانين الطبيعة في توافق مثالي مع القانون الكوني، أو بطريقة يكون فيها الانسجام قلقاً لأن العقل لم يثبت بشكل طبيعي على مستوى الكينونة. يكون الجوّ النابض بالنشاط الدائم حول الفرد حيويّاً بقيمة الكينونة، وفي يخلق جوّاً حيوياً محاطاً بالفرد في قيمة الكينونة.

من غير الممكن أن يصبح جوّ الفرد هادئاً وساكناً كما يكون الجسم عندما يتجاوز العقل ويثبت في الكينونة. يتم جلب الجهاز العصبي للفرد إلى الحالة التي يمكن القول عنها بأنها حالة من النشاط ولا نشاط،  حالة لا تكون جامدة ولا ديناميكية. هذا هو الموقع الذي يتم فيه اكتساب حالة الكينونة من قبل الجهاز العصبي. هذه الحالة من التوازن المثالي من غير الممكن أن تكون في البيئة المحيطة لأن البيئة المحيطة من الفرد مليئة بالنشاط تسببها قوانين الطبيعة بموجب الغاية الكونية للتطور.

تتحرك الطبيعة على الدوام في التطور، وهذه العملية في الخليقة هي أبديّة. لذلك من غير الممكن جلب الطبيعة إلى المستوى التجاوزي للكينونة. لكن، ولأن حقل الطبيعة الأبدي والمتغيّر باستمرار، تتغلغل فيه حالة الكينونة إلى الأبد، يمكن جعل الكينونة التجاوزية أن تتذبذب في البيئة المحيطة. إن ذلك ممكناً بإزالة التنافر الذي قد يشعّه الفرد الذي لم يتطور كونياً. هذا التنافر يجب أن نفهمه بشكل صحيح.

فلنأخذ حالة الشخص الذي لم يتطور بشكل كوني ويتصرف ويفكّر من نطاق رغباته الأنانية. قد لا تكون الرغبات الأنانية في التوافق مع الغاية الكونية لأنها غير مرتكزة على أسس كونية، ولذلك، إن كل ما يقوم به قد يكون بتوافق مع الغاية الكونية وقد لا يكون.

إن كل ما يفكر به الفرد وكل ما يقوم به، وإذا كان بالتوافق مع التطور الطبيعي، وإذا كان بالتوافق مع الغاية الكونية، يخلق تأثيراً يكون متوافقاً مع القوانين الطبيعية. لكن، إذا لم يكن بالتوافق مع الغاية الكونية، وإذا كان ضدّ الطريق الطبيعي للتطور، فسوف يتوتر الجوّ، وكذلك ستتوتر كلّ قوانين الطبيعة الخاضعة إلى ذلك التأثير. هكذا تسبب الأعمال والأفكار غير المتوافقة بعملية التطور الإجهاد والتوتّر في البيئة المحيطة. ويولد النزاع وتنطلق حركة التيارات العدائية للظروف الطبيعية للتطور في الجوّ، وبذلك يتوتر المجرى الطبيعي للتطور الفردي والكوني الموضوع من قبل الطبيعة الأم.

هنا نجد التفسير لضرورة أن نعيش الحياة بطريقة مستقيمة. وكلّ ما هو صادق ومستقيم وأخلاقي في الحياة يكون بالتوافق مع قوانين الطبيعة. وكلّ ما هو مخيف وشرّير وعديم الأخلاق يكون ضدّ التطور.

عندما يفكّر الإنسان بشكل خاطئ، ويتكلّم بشكل خاطئ، ويتصرّف بشكل خاطئ، يجهد قوانين الطبيعة التي تعمل حوله وتسبّب نزاعاً وتنافراً في بيئته المحيطة.

ويمكننا الشعور به. إذا دخلنا غرفة شخص سيئ نبدأ بالشعور بتأثيره الشرّير. أما إذا دخلنا غرفة شخص جيد فنشعر بتأثير الانسجام فوراً. ذلك التأثير من الانسجام، بدوره، نشعر به بوجود السرور في داخل ذاتنا. عندما يكون الشخص مسروراً في داخله، يكون الشعور بالانسجام والنيّة الحسنة التي يخلقها في غرفة صديقه الجيد متوافقة مع عملية التطور. ما يساعد روحك لتطوّر، لأن الانسجام يكون بموجب القوانين الطبيعية للتطور.

تتغلغل صفة الطيبة في الجوّ ذاته ونشعر بها فوراً عند دخول الغرفة. إنّ تأثير الإنسان موجود على الحيطان حوله؛ فهو موجود، وإذا جاز التعبير، موجد على الحائط والسقف وأرضية غرفته! إذا كان في حالة متطوّرة من الوعي سيخلق بشكل طبيعي تأثيراً قوياً من الانسجام في غرفته. هذه هي قيمة الكينونة التي هي الانسجام والحياة، والاستقرار.

إن قيمة الكينونة الأبدي هي موجودة في المجال الكامل للخليقة، لكن، عندما لا يكون الإنسان في حالة الوعي الصافي، ينتج نشاطه الإجهاد والتنافر.

عندما يرتفع الفرد إلى الوعي الكوني، تكون كلّ أفكاره وأعماله جزء من الغاية الكونية. عندئذ، ومهما يفعل ويتكلّم ويفكّر فهو يساعد عملية التطور، يساعد على تعادل التأثير غير الطبيعي الذي خُلق من تلك العقول التي لم تتكامل.

إن تكامل الشخصية، أو تطور الشخصية إلى مستوى الوعي الكوني، يضع جوّ الفرد على الحالة الأقوى والطبيعية للكينونة أو القانون الكوني. هكذا وبرفع وعي الفرد إلى مستوى الوعي الصافي، يضع الفرد البيئة المحيطة والظروف وبشكل طبيعي بالانسجام مع الغاية الكونية، ذلك، بالتوافق مع الكينونة الكونية. ويعني ذلك، أمّا بنشر قيمة الكينونة في البيئة المحيطة أو بجلب البيئة المحيطة إلى مستوى الكينونة.

لا شيء يمكنه أن يعمل لجلب الطبيعة والجوّ والبيئة المحيطة إلى مستوى الكينونة، لأنها لم توضع أبداً على مستوى الكينونة.

وماذا نعني إذاً بقولنا؛ نجلب الجوّ إلى مستوى الكينونة؟ إن ما نعنيه فقط بأنّ الفرد لا يبعث الاهتزازات أو التأثيرات التي قد تكون معارضة إلى العملية الطبيعية للتطور بأية حال أو التي قد تخلق تنافراً في العمل الطبيعي للخليقة في كل الطبقات المختلفة للطبيعة. لذلك، ولكي نترك الكينونة لتبقى في توافق مثالي مع كلّ الطبقات المختلفة للطبيعة في جوّ الفرد، على الفرد فقط أن يرتفع إلى حالة الوعي الصافي. هذا هي الطريقة لجلب البيئة المحيطة وجوّ الفرد إلى مستوى الكينونة.

عندما يصبح نفَس الفرد الدافع للحياة الأبديّة، يكون قد تم جلب صحة الفرد إلى مستوى الصحة الأبديّة للحياة الكونية. وعندما توضع الكينونة على المستوى الواعي للعقل، وعندما يكسب العقل وعياً كونياً، يخدم الجسم غاية التطور الكوني. إن مثل هذا العقل ومثل هذا الجسم وبمثل هذا الجوّ، نتنفس الصحة المثالية

وهكذا، فقط، عندما تثبت الكينونة على كلّ مستويات الحياة الفردية من الممكن التمتع بحالة الصحة المثالية على كلّ طبقات الحياة الفردية – كما عندما تكون كلّ الأوجه المختلفة للشجرة مشبعة بالنسغ، عندئذ، تتنفّس الشجرة بالكامل الصحة المثالية. أما إذا فقد أيّ جزء من الشجرة اتصاله الواعي بالنسغ، فيبدأ بالجفاف. وبنفس الطريقة، عندما تفقد أيّ وجهة من أوجه الحياة الفردية التنسيق مع الكينونة، تبدأ بالمعاناة من تأثيرات عدم الكينونة. عندما يفشل الجوّ في نيل تأثير الكينونة من خلال الفرد، يفقد الجوّ الصحة ويصبح متوتّراً. هذا، وكما قلنا، يشعر به الفرد. لا جلب له إحساس الانسجام والسلام، لا بل يجلب له إحساس الإجهاد والهياج والخوف والتوتّر.

عندما لا يكون للجسم الفرصة للمجيء إلى مستوى الكينونة، يفقد قوّة الحياة. عندما لا يتم جلب الجهاز العصبي إلى تلك الحالة من اليقظة المريحة، مستوى الكينونة الذي وصفنا، يصبح الجسم متوتّرا، كما تحدث للماكينة التي تشتغل بشكل مستمر دون توقف. لكن إذا أعطي للماكينة قسط من راحة على مراحل، يكون التآكل والتلف أقل وهذا يعطي القوّة والحياة إلى الماكينة. وبنفس الطريقة، عندما يتم جلب الجسم في النهاية إلى حالة اليقظة المريحة حيث يسمح الجهاز العصبي للعقل في اختبار حالة الكينونة التجاوزية، لا يكون الجسم تحت الإجهاد بشكل مستمر؛ فيبدأ في الحفاظ على مستواه في الحياة الطبيعية الخالية من الإجهاد والتوتّرات. وبمثل هذا الجسم نتنفّس الصحة.

يتجوّل العقل دائماً في حقل الرغبة، يتأرجح بين الطريق والهدف في الحقول النسبية للحياة، ولا يجد ذلك الهدف العظيم للغبطة الأبديّة. لا يوجد شيء في العالم يمكنه أن يعطي الطمأنينة الدائمة إلى العقل لأن كلّ شيء عرضة للتلف ومتغيّر باستمرار وظاهري. لذا، لم يرضى العقل بالمسعى إلى السعادة، ويتأرجح العقل دائماً، باحثاً عن نقطة يمكنه أن يستريح فيها في الغبطة الأبديّة. إن الإنسان بمثل هذا العقل لا يكسب الرضا الدائم والطمأنينة إلا عندما يكون متناغماً وعي الغبطة للكينونة.

هذه هي حالة وعي الغبطة التي تجلب طمأنينة العقل الأبديّة وتعطي الثبات إلى العقل. إنها تجلب الاكتمال إلى العقل، وهذه هي الحالة العقلية الأكثر صحّية، لأنه تكتسب غاية الحياة، وعي الغبطة الأبدي - الوعي الكوني.

هكذا نجد أنه بجعل العقل متناغماً مع الكينونة من خلال عملية التأمل التجاوزي، التي تم الشرح عنها بشكل منفصل وفي التفصيل، من الممكن البقاء في الصحة المثالية بدنياً وعقلياً والحفاظ على الجوّ بطريقة يكون فيها باعث لصحة عقل وجسم الفرد. هذا هي طريق اكتساب الصحة المثالية على كلّ مستويات الحياة الفردية.

إن مشكلة الصحة لن تحلّ ما لم نعالجها من إطار الفرد على مستوى العقل والجسم والبيئة محيطة والكينونة. إذا لم نأخذ الكينونة في الحسبان، لا يمكننا أن نخدم غاية الصحة البدنية والعقلية، كما وكأننا لم نأخذ في الحسبان قيمة النسغ، لا يمكن الحفاظ على صحة الشجرة وفروعها الأزهار، والفاكهة. بمجرد أن يرى البستاني الماهر الورقة تذبل فلا يهتمّ بمعالجتها وحدها؛ بل يعتبر أن الورقة الذبول هي إشارة الخطر فقط لكامل الشجرة. لذلك يوجّه انتباهه إلى الجذور ويرويها، وبعمله هذا، يكون النسغ ثانية قادراً على الوصول إلى كلّ الأجزاء المختلفة للشجرة.

وبنفس الطريقة، وعندما يجد الإنسان أن الجوّ متوتّراً أو عقله قلقاً أو جسمه يعاني من مرض ما، يعرف بأن هذه هي الأعراض التي تعطيه إشارة الخطر إلى حياته بالكامل. أما الرجل الحكيم فيذهب إلى أساس المشكلة.

إن التأثير الخاطئ الذي يبعثه عقل الفرد وجسمه، ومن أي نوع كان، يخلق توتّراً في الجوّ. إنه النوع الخاطئ لنشاط العقل هو الذي ينتج التوتّر في العقل. عندما لا تكون عملية التفكير متوافقة مع الغاية الكونية أو مع قوانين الطبيعة، تؤدي إلى خلق الإجهاد والمعاناة في الجسم والعقل ما ينتج إجهاداً وتأثيراً سلبياً في الجوّ.

يأتي الفشل في الإنجاز والرغبات غير متحققة عندما يكون مجرى حياة الفرد غير موضوعة بالانسجام مع قوانين الطبيعة. وكيف يمكن معالجة هذا؟ من غير الممكن على المستوى البشري معرفة كلّ قوانين الطبيعة؛ تستكشف العلوم ومنها الفيزياء والكيمياء وعلم الأحياء وعلم وظائف الأعضاء وعلم التشريح وكلّ الفروع المختلفة للتعلّم، القوانين المختلفة للطبيعة. لكن طبقات الخليقة لا تعد ولا تحصى وكذلك قوانين الطبيعة، كما يوجد تنوع في نمط علاقتها المتداخلة.

لذلك من غير الممكن على المستوى البشري معرفة كلّ قوانين الطبيعة، لكن، وبجلب العقل إلى مستوى القانون الكوني، يمكن أن يتم جلبه إلى التناغم مع المسلك الكامل للقانون الكوني، ويمكن أن يتم جلبه إلى التناغم مع كلّ قانون في الطبيعة. عندما يتم وضع العقل على مستوى القانون الكوني، يصبح العقل عقلاً كونياً.

ما لم يكن العقل متناغماً مع القانون الكوني، لن تكون الحياة متناغمة مع الطبيعة، وما لم تكون الحياة متناغمة مع الطبيعة، سينتج الفرد دائماً إجهاد في المجرى الطبيعي للتطور. أما الإجهاد المنتج في الجوّ فله تأثيره الأقصى على الفرد بنفسه. لهذا السبب يوجد النزاع والتنافر والمرض والمعاناة.

إن تحديّد التحقق من أسباب المرض وأسباب الإجهاد العقلي في المستوى البدني هو نتيجة للمعرفة الناقصة لحياة الفرد بالكامل، والمخطط الكامل للخليقة.

إذا أردنا أن نعالج صحة الفرد بشكل صحيح، لا يمكن أن معالجتها بشكل مجزأ. من الممكن معالجة صحة يد الفرد بنجاح فقط من ناحية صحة الجسم الكاملة، و يمكن معالجة الصحة الكامل للجسم بنجاح فقط من ناحية الجهاز العصبي بالكامل، والذي بدوره يمكن معالجته بنجاح فقط من ناحية العقل. كما يمكن العقل معالجة بنجاح فقط من ناحية الكينونة، لأنها في النهاية هي جوهر الحياة الفردية. إن الكينونة هي المكون الأساسي لكلّ المراحل المختلفة للحياة. لذلك يجب أن نتعني بالكينونة. فقط وبالحفاظ على التنسيق الجيد بين العقل والكينونة وبين الجسم والعقل من ناحية الكينونة، وبين الجوّ والجسم من ناحية الكينونة، يمكن حل مشكلة.

إنه من غير الحكمة التعاطي مع صحة الإنسان فقط من الناحية الجسدية أو الناحية النفسية. سوف يتم حلّ مشكلة الصحة عندما يتم حلّ مشكلة الحياة ككل.

وفي البحث في مجال العلم الطبي، تعالج النظريات الجديدة لعلم النفس ونتائج الأبحاث في علم وظائف الأعضاء، موضوع الصحة من وجهة نظر محدودة جداً. وبهذه الطريقة من الممكن معالجة ناحية جزئية من الصحة فقط، ولهذا السبب تتواصل المعاناة في الوجود.

نحن لا ننوي إظهار المدى الكبير للأذية التي يسببها التعاطي مع مشكلة الصحة بطريقة جزئية على كامل شخصية الفرد؛ ولكن وعلى أية حال، إن المهنة الطبية والعلماء النفسانيون يدركون بأنفسهم المحدودات الكبيرة التي يواجهونها.

عندما معالجة مشكلة المعاناة - البدنية أو عقلية - يجب أن يتم معالجتها من مستوى السبب لكي تعطي نتائج دائمة. والكينونة هي سبب كلّ الأسباب في الحياة. وإن كلّ أسباب المعاناة - بيئية أو عقلية أو بدنية – هي بسبب التنسيق الناقص بين الكينونة والطبقات المختلفة للحياة الفردية. هكذا وإذا كانت الصحة السليمة هي الهدف، يمكننا تطوير صيغة واحدة للصحة السليمة في كلّ مجالات الحياة. هذه الصيغة ستكون بشكل أساسي في التنسيق بين الكينونة والعقل وبين الكينونة والجسم، وبين الكينونة والبيئة. وقد شرحنا كيف يتم ذلك في الجزء عن "كيف نتّصل بالكينونة".

إنه الوقت المناسب لكي تأخذ الجمعيات الطبية للبلدان المختلفة يعين الاعتبار قيمة الكينونة وتجري الاختبارات العلمية على التأثيرات الفسيولوجية والنفسية من التأمل التجاوزي لكي تظهرا منفعة الكينونة للصحة العقلية والبدنية للناس. إن هذا فقط ما يمكن أن يؤدّي إلى استئصال المعاناة العقلية والبدنية. لكن وفي هذا الوقت، وفي كلّ بلاد من العالم تقريباً، هناك العديد من الناس يمارسون هذا التأمل التجاوزي ومن الطبيعي أنه مواضيع جيدة للاختبارات الّتي ستنفّذ لتحديد التأثيرات الفسيولوجية و النفسية من التأمل التجاوزي.

إنّ سبب المعاناة العقلية والبدنية في العالم هو قلة معرفة الكينونة وجهل الحقيقة أنّه بتغلغل قيمة الكينونة إلى العقل والجسم والبيئة يمكن إزالة السبب الحقيقي لكلّ مرض وكل معاناة.

نقدّم هذه دعوة إلى كلّ الجمعيات الطبية لاستكشاف، وعلى سبيل التجربة، الإمكانيات العظيمة والجيدة التي يمكن أن تحدث لتخفيف معاناة الجسم والعقل والجوّ الكامل، بتأثير الكينونة من خلال ممارسة التأمل التجاوزي. هذه الدعوة إلى السلطات الصحية في البلدان المختلفة لا نقدمها على أساس المعرفة النظرية، لا بل نقدّمها على أساس الاختبارات الشخصية من آلاف الأشخاص الذين يمارسون نظام التأمل التجاوزي والذين وجدوا في حياتهم بأن التي صحتهم قد تحسنت، وبأنّ سلوكهم مع الناس الآخرين قد تحسّنت، وبأن النجاح في الحياة والسلام في داخل أنفسهم وفي الجوّ قد تم الحفاظ عليها على كل المستويات.

Back السابق Home المدخل Up فوق