مشكلة السلام العالمي
إنّ مشكلة السلام تحلّ فقط بالكامل ووبشكل نهائي في حالة الوعي القدسي
أو وعي الله في الحرية الأبديّة. أصبح الطريق إلى السلام مشكلة عظيمة
في العالم اليوم في جميع النواحي في سلام الفرد وسلام العائلة وسلام
المجتمع وسلام العالم.
إنّ قاعدة السلام هي غبطة. ما لم يكون الفرد سعيداً، لا يمكنه أن يكون
بسلام. إن سلام من دون السعادة الدائمة الحقيقية هو استسلام فقط. عندما
ينام الفرد في الليل يحسّ بغياب النشاط. هذا ما يدعى سلام. لكن عندما
يستيقظ في الصباح ويجيء إلى حقل التفكير والكلام والنشاط، يبدأ بالشعور
بالبؤس ثانية. إن الشعور بالسلام في غياب النشاط لا يدوم.
إنّ السلام المكتسب بإفراغ العقل من الأفكار، وحمل العقل في التعليق،
هو فقط بسبب قلة ضغط الفكر. عندما هذا العقل إلى حقل التفكير والنشاط،
يبدأ بالإحساس بضغوط الفكر والعمل ثانية. عندئذ يشعر الفرد بشعور غير
سلمي. إن كلّ الممارسات التي تهدف إلى إسكات العقل هي خاطئة. وفي حال
استمرت هذه الممارسات للوقت طويل تؤدّي إلى جعل العقل كسولاً.
هناك العديد من المجموعات في العالم التي تجلس في الصمت وتحاول سمع
صوتها الداخلي أو صوت الله، كما يقولون. إن كلّ مثل هذه الممارسات تجعل
العقل هامداً وبليداً. و يبدأ أولئك الذين يمارسون طريقة سكوت العقل
بالافتقار إلى التألق. يمكن أن نرى البلادة على وجوههم. فهم غير نشيطين
في حقل العمل. يبدون مسالمين، لكنّهم هامدون في الحياة. إن السلام
بالتخلي عن النشاط هو السلام بالتخلي عن الحياة.
إن مثل هذا الاختبار للسلام هو في مقابل كفاءة الحياة وفي مقابل الحياة
بنفسها. إن محاولة إسكات العقل على أمل اختبار الوعي الصافي تعقب
للسراب. عندما يبعد الفرد الأفكار عن العقل، يصبح هامداً لأنه يبقى على
مستوى التفكير الواعي من دون فكرة. تجعل هذه الممارسة العقل خاملاً.
إنه ليس ضرورياً محاولة إخلاء العقل، لكن يتوجب قيادة العقل الواعي إلى
الحالات المرهفة من التفكير لتجاوز الحالة المرهفة أثر وفي النهاية
ويصل إلى الحالة الإيجابية للكينونة. إن التمسك بالعقل على المستوى
الواعي يخرجه من حقل النشاط فقط ويسمح له أن يكون هامداً أو خاملاً.
هذا يساعد فقط على تخفيف تألق العقل ويجلب له البلادة والهمود.
إن الناس الذين يمارسون هذا يشعرون بسلام في الحياة لأنهم يمارسون
طريقة إخماد أو إنكار الأفكار. عندما يكون عقل الذي اكتسب صفة الركود
والبلادة من خلال مثل هذه الممارسات لن يكون عندها فكرة نشيطة جدا ولا
يشغل نفسه بشكل نشيط في حقل الاختبار والنشاط، يشعر بالسلام بسبب
البلادة الفطرية للعقل. لكن، حينما تظهر بعض المشاكل الخطيرة في
الحياة، يشعر العقل بإجهاد لأنه تدرّب على البقاء هامداً كسولاً. عندما
يحتاج الفرد أن يكون نشيطاً لإنجاز بعض الأعمال بأسلوب دقيق ونشيط
جداً، يشعر العقل الإجهاد.
إن مثل هذه الممارسات قد جلبت الضرر الكبير أيضاً لتقدّم الفرد
والمجتمع.
هكذا نجد أن ممارسات إسكات العقل ينتج في المرتبة الأولى البلادة إلى
العقل، وفي المرتبة الثانية، السلام الذي يتم الشعور به لا يدوم. وكما
ذكرنا، يمكن للسلام أن يدوم فقط إذا أمكن جعل العقل سعيد إلى الأبد.
أما إذا أمكن تحويل الطبيعة الحقيقية للعقل إلى وعي الغبطة فيمكن
للسلام أن يدوم. يجب أن يوجّه المسعى لتحقيق السلام إلى جلب العقل إلى
الحقل التجاوزي، الذي هو مصدر كلّ السعادة من خلال ممارسة التأمل
التجاوزي.
عندما لا يكون الفرد مسالماً ينشأ الخوف وضعف الثقة بالنّفس، وكلّ
الحقارة في الحياة ويصبح وعي الإنسان دنيئاً وبائساً جداً بحيث لا
يستطيع التفكير ولا تستطيع إنجاز أيّ شيء نافعٍ. إن الخوف هو فقط قلة
الثقة بالنّفس، وقاعدة الثقة هي الطمأنينة التي يمكن إنتاجها فقط من
اختبار الغبطة. لا يوجد هناك شيء في العالم يمكنه أن يجلب الطمأنينة
الدائمة حقاً إلى العقل لأن كلّ شيء في العالم، بالرغم من أنّه قد يعطي
بعض السعادة إلى العقل، فهو ليس بالغزارة الكافية لإشباع العطش الكبير
لسعادة العقل. إنّ الحقل الوحيد للطمأنينة هو الحقل التجاوزي لوعي
الغبطة. وما لم يصل الفرد إلى تلك الحالة، سيكون سلامه مهدّداً دائماً
بكلّ شيء في العالم بسبب قلة الطمأنينة.
إن البوابة الذهبية الوحيدة للسلام في الحياة هي اختبار وعي الغبطة
التجاوزي وهذا المجد العظيم للحياة سهل المنال لكلّ شخص كي يعيش به في
جميع نواحي الحياة.
رأينا في الجزء عن "الحياة الفردية والكونية" أن حياة الفرد وفي كلّ
فكرة وكلمة وعمل تؤثّر على حقل الكون بالكامل. لذلك، سيبث الشخص
المسالم بشكل طبيعي تذبذبات سلام والانسجام لتعطي التأثير على الكون
أجمع. أما أولئك الذين هم بالقلق والتوتر والانزعاج في الحياة وليس لم
يختبروا وعي الغبطة فينتجون تأثير الطبيعة المعاكسة بشكل مستمر في
البيئة المحيطة. إن التوتّرات والقلق في الفرد تنتج تأثيراً متوتراً
حوله وتفسد الجوّ. تنتج كلّ النشاطات الشرّيرة والعديمة الأخلاق
والأثيمة والتأثير السيئ والمنحط في الجوّ. عندما يكون هناك أعداد
كبيرة من الناس في العالم في حالة البؤس والتوتر، يصبح الجوّ في العالم
كذلك. عندما تمتدّ التوتّرات في الجوّ تمتدّ إلى خلف حد معين، ينفجر
الجو بالكوارث الجماعية.
هو ورد في كتب "شركا وسوشروت" وهما من الدعاة العظماء للعلم الطبي في
الهند القديمة، بأنه طالما يتصرّف الناس بشكل مستقيم، يبقى الجوّ
مليئاً بالاهتزازات المنسجمة. فتكون المحاصيل جيدة و تشرق الشمس
بانتظام، يهطل المطر في الأوقات الصحيحة، وتتمتع الحياة الكاملة في
الخليقة بكلّ شيء في الجوّ. لكن وعندما يفقد الناس الطريق المستقيم
ويتصرّفوا ضدّ القواعد الأخلاقية للحياة، يختل توازن الطبيعة، وينفجر
الجوّ بالكوارث الجماعية مثل المجاعات والفيضانات والحوادث، وكلّ ما
يجلب الضرر للحياة في العالم. هذا هو التشخيص فيما يتعلق بالصحة
العالمية.
هكذا نجد من كلّ زاوية أنه من أجل إنتاج
جوّ حسن وصحّي ومنسجم لمصلحة كلّ المخلوقات في العالم، من الضروري أن
يعيش الإنسان في السعادة السلام والوفرة. ولكلّ إنسان الفرصة في أن
يعيش بهذا الطريقة.
يمكن لمشكلة السلام العالمي أن تحلّ فقط بحلّ مشكلة سلام الفرد، و يمكن
لمشكلة سلام الفرد أن تحلّ فقط بخلق حالة من السعادة في الفرد. لذلك إن
مشكلة السلام في الفرد والعائلة والمجتمع والوطن والعالم ككل، يمكن
حلّها بممارسة التأمل التجاوزي، الذي هو الطريق المباشر لتثبيت وعي
الغبطة في حياة الناس.
حيثما يكون الخلاف والنزاع بين العائلات وبين الأصدقاء، يبدأ التنافر
بالظهور في الدوائر الصغيرة. يدرك الأفراد بصعوبة بأنّهم يساهمون
بالتأثير الذي يعرقل ويحطّم سلام العالم بسب العداء والحقد والسلوك
السيئ، والكلمات النابية، والمعاناة التي يخلقونها.
إن مسببات النزاعات الدولية كافة، هي تجمع التوتّرات الهائلة في الجوّ
والتي أصدرها الأفراد. و بالكاد يدرك الفرد أنّه يجمع بشكل ثابت ومن
خلال أفكاره وكلامه وأعماله تأثيرات الكراهية والتوتّرات في الجوّ التي
سينفجر في وقت ما وتعيد إليه كلّ النتائج لما كان يخزن حوله.
في الجزء عن "الحياة الفردية والكونية، "رأينا كيف أن حياة الفرد هي
المسؤولة عن حياة الكون. كما رأينا في الجزء عن "الكارما والكينونة"
كيف يكون الإنسان، ومن خلال كلّ عمل يقوم به، مسؤولاً عن العالم بأسره.
إنه الوقت المناسب الآن لكلّ أولئك الذين يهتمون بالسلام العالمي للبدء
من مستوى الوحدة الفردية للحياة العالمية، إن محاولة حلّ مشاكل
النزاعات الدولية، في حين إهمال مستوى المشاكل الفردية هي ليست محاولة
كافية لتثبيت السلام العالمي.
إذا وقعت أزمة في برلين اليوم، تسرع عقول كلّ رجال الدولة إلى برلين.
وإذا حدث الشيء ذاته في الكونغو، يتجه انتباههم بالكامل إلى الكونغو.
إذا وقع قتال في الهمالايا، يتوجه الانتباه كلّه إلى هناك. إن محاول
حلّ هذه المشاكل بشكل منفرد هي مثل محاولة جعل
الورقة الذابلة صحّية بواسطة إروائها بالماء بدلا من أن إرواء الجذور.
لقد حان الوقت، أن يكون الإنسان حكيماً بما فيه الكفاية لمعرفة أن
بواسطة إرواء الجذور يمكنه فقط مساعدة الورقة. وقد حان الوقت أيضاً،
لأن يكون رجال الدولة في العالم حكماء بما فيه الكفاية لتبنّي الطرق
والوسائل التي تجلب السعادة والسلام المبدع في حياة الأفراد في
محاولتهم لخلق السلام العالمي.
إن كلّ الأهداف الجديرة بالاحترام للأمم المتّحدة تلمس سطح مشكلة
السلام العالمي فقط. إما إذا تم استخدام كل العقول والمصادر لرجال
الدولة في كلّ البلدان لجعل ممارسة التأمل التجاوزي بشكل عملي في
متناول جميع الأفراد، فيمكن أن يتغير وجه العالم وأحواله بين ليلة
وضحاها.
إنه لشيء مخجل حقاً، أنه وبكلّ الذكاء والإخلاص في محاولات مساعدة
الناس، إن ما تم القيام به بالكاد يكفي لتحسين حياة الفرد. طالما يبقى
رجال الدولة في الحكم على جهل لإمكانية تحسين حياة الأفراد ويطلقون
وفرة السلام والسعادة والذكاء الخلاق لهم من خلال النظام البسيط للتأمل
التجاوزي، سيبقى التعاطي مع مشكلة السلام العالمي دائماً على المستوى
السطحي وستستمر الحروب الباردة والحروب الساخنة في العالم.
يدوّن التأريخ محاولات رجال الدولة وفي كل الأزمنة، من أجل إحلال حالة
السلام العالمي الدائم، ولكن، وبسبب أن كلّ المحاولات كانت على مستوى
سطح الحياة الدولية وليست على مستوى تحسين الحياة الفرد، بقية مشكلة
السلام العالمي مشكلة لكلّ جيل.
تحاول منظمة الأمم المتحدة للعلوم والتربية والثقافة (الأونسكو) تحسين
الفرد، لكن كلّ محاولاتها هي أيضاً على القيمة السطحيّة للحياة. إن
المحاولات لتطوير العلاقات الثقافية بين الشعوب ولجلب معرفة القراءة
والكتابة إلى المناطق الأقل تطوراً في العالم هي أيضاً تلمس سطح مشكلة
السلام العالمي فقط.
ها هي الفرصة لكلّ العقول العظيمة المنشغلة في عمل منظمة الأمم المتحدة
للعلوم والتربية والثقافة كي تأخذ على عاتقها، وبمصادرهم الواسعة، جلب
هذا النظام البسيط للتأمل التجاوزي إلى كلّ فرد وفي كل مكان. وإذا تم
ذلك سيكون هناك حالة طبيعية ثابتة من السلام العالمي الدائم. وستعمم
المحبة والعطف الحنو والامتنان، والإعجاب المتبادل على كلّ مستويات
الحياة الدولية. هذا هو الشيء الذي له قيمة عملية، والذي يمكنه أن
يغيّر حقاً وجه العالم من حالة المعاناة والبؤس والشكّ والكراهية
والخوف إلى
حالة السعادة والسلام والإبداع والعطف والحبّة.
إن أيّ جيل يبدأ فيه زعمائه بتطبيق نظام التأمل التجاوزي بصدق وعلى نحو
واسع في حياة الناس، سينجح في خلق حالة السلام العالمي الدائم. إذا عمل
رجال الدولة والزعماء المؤثرين في الحياة العامّة للجيل الحالي على
ذلك، سيكون ذلك شرفاً لهم وسيكون لهم الاعتزاز والرضا في ترك عالم أفضل
للأجيال المقبلة.
يمكن وضع الأساسات الصلبة للسلام والسعادة الدائمة في العالم في الجيل
الحالي. يعتمد النجاح على التعهّد الذي يأخذه أولئك الذين يملكون
القدرة والمصادر لفعل شيء ذات قيمة عملية. إذا وضع المحظوظين في الجيل
الحالي الأساس الصحيح، ويحافظ الزعماء المحظوظين للأجيال المقبلة
الممارسة المنتظمة لهذا التأمل التجاوزي في حياة شعوبهم، سيكون هناك
مجد الحياة كلّه للتمتّع به على كلّ المستويات ولكلّ الأجيال.
فليكن ذلك، بالصلوات المخلصة إلى الله من قبل أصحاب النوايا الحسنة في
كل مكان.